الاتحاد

الملحق الثقافي

البداوة والتجديد في منجز المليون شاعر

مشهد من البيئة الموريتانية

مشهد من البيئة الموريتانية

في ظل وضعية متردية كهذه، يكون أي فعل في سبيل التعريف بثقافة ''بلاد المليون شاعر'' تلك، فعلاً مذكوراً ومشكوراً، خاصة ما تعلق منه بالنشر، إذ كفاك أن الدواوين المنشورة لشعراء ذلك المليون لا تتجاوز أصابع اليدين، وأغلبها تمَّ نشره بمبادرة شخصية من أصحابه، اللهم ما قامت به رابطة الكتاب والأدباء مشكورة مؤخراً من نشر غير رسمي، ومحدود التوزيع، لسبعة دواوين شعرية، هي على التوالي:
''عودة الهديل'' لمحمد الحافظ ولد أحمد، ''هزيج الربيع'' لمحمد والمختار ولد ابنو، ''حديث النخيل'' لمحمد كابر هاشم، ''الليل والأرصفة'' لمحمد ولد الطالب، ''دمع الغروب'' لمحمد عبد الله ولد عمر، ''ديوان الشاعر ببها ولد بديوه''، ''ديوان الشاعر محمد فال ولد عبد اللطيف''·
ولقد سبقت هذه المجموعة من الدواوين مجموعات شعرية أخرى نشرها أصحابها في عقد التسعينات، وكان لها الأثر الكبير في التعريف بالشعر الموريتاني المعاصر، لأن أصحابها نشروها خارج موريتانيا، ولدى بعض دور النشر العربية ذات الحضور في أغلب معارض الكتب، ونذكر من تلك الدواوين، مجموعتي: ''أصداء الرمال'' و''الكوابيس'' للشاعر الكبير أحمد ولد عبد القادر، ومجموعة ''الأرض السائبة'' لمحمد ولد عبدي، وديواني: ''ترانيم لوطن واحد'' و''أميرة الفقراء'' للشاعرة مباركة بنت البراء، و مجموعة ''تيه المراكب'' للشاعر سيدي الأمين ولد سيد احمد بناصر، ومجموعة ''مدائن الإشراقات الكبرى'' للشاعر والسياسي بدي ولد ابنو، ومجموعة ''أنشودة الدم والسنا'' للشاعر ببها ولد بديوه، هذا إضافة إلى دواوين كل من الشعراء محمد ولد شدو وسيدي ولد أمجاد والمختار السالم ولد أحمد سالم· تلك حصيلة ما نشر حتى الآن من الشعر الموريتاني المعاصر، فهل هذا العدد من الدواوين يكفي للاستمرار في تبني مقولة ''بلاد المليون شاعر''؟·
قراءة استقرائية
إن الإجابة على هذا السؤال، تستدعي قراءة استقرائية للمنجز الشعري الموريتاني قديمه وحديثه، وهو أمر ليس بالهين ولا بالمتيسر، خصوصاً مع قلة ما نشر من ذلك الشعر في مختلف أزمنته، وإذا كان الشعر القديم قد حظي بالعديد من الدراسات الأكاديمية الجادة، وتهافت على تحقيقه وتحليله وتأويله العديد من الباحثين، فإن حظ الشعر المعاصر من الدرس والتحليل والتعريف كان جد قليل، وهو أمر نعيده إلى عاملين هما: عامل إيديولوجي تؤسسه الرغبة في البرهنة على تميز الشخصية الوطنية وأصالة هويتها وكذا على وجود تقاليد ثقافية خاصة بها وذلك تتويجاً للهوية السياسية التي كانت إلى عهد قريب مشكوكاً فيها· وعليه فإن تهافت أغلب الباحثين على دراسة الشعر الموريتاني القديم، كان يستهدف إثبات مرجعية تراثية متمكنة في التاريخ المحلي من أجل إسناد كيان سياسي لا تزال في أنفس الأشقاء من استقلاله ريبة وتوجس· وعامل منهاجي لصيق بالأول، يقوم على ما أسماه محمد مفتاح بالنظرية التداولية أو المحيطية، وفحواها أن ''الآداب ''المغاربية'' مرتبطة بمحيطها، وذات خصوصية ساهم في تشكيلها هذا المحيط، وساهمت في إسناده''، وهو افتراض منهاجي وجه مقاصد مختلف الدراسات النقدية الموريتانية على اختلاف المدونات التي اشتغلت عليها، ذلك أن تراث الشناقطة ''يكشف عن قناعتهم بأن للنص الأدبي (العربي) مرجعية مكانية هي المهاد الأول الذي شهد ميلاده، وفيه شبَّ ونما، فوسمه بميسمه وطبع بنياته ومضامينه، مما أضحى مسلمة وظّفها المشتغلون بالأدب الموريتاني في مقصدين متناقضين هما: تبرير التقليد الذي يتوسل التشابه البيئي بين الصحراء في شبه الجزيرة العربية والصحراء الموريتانية سبيلاً لتبرير ما يسمُ النص الشعري الموريتاني من تقليد حدَّ التماثل مع القصيدة العربية القديمة، ذلك أن الشعراء الموريتانيين عاشوا وما زال فريق منهم إلى الآن يعيش في نفس البيئة البدوية التي عاش فيها شعراء الجاهلية وصدر الإسلام، فدوافع الشعر لا تختلف، ولذلك لم تختلف مظاهره، إذ هي رهينة بعناصر البيئة ومقومات الحياة الاجتماعية التي ينشأ عنها تكيف نفسي معين ومنزع وجداني خاص، خاصة أن التماثل بين البيئتين شكّل عامل تماثل بين ساكني بلاد شنقيط وساكني الجزيرة العربية، وهو تماثل ضمّ إلى جانب الظروف الطبيعية للمنطقتين تماثل المكونات البشرية والثقافية، مما جعل عناصر البيئة تعيد نفسها مشهد مشهدا وموقفا موقفا، فتثير لدى الشاعر الأحاسيس ذاتها، وتقترح عليه رموزها المفضلة، فيعبِّر عن ذلك بأساليب ومفردات تنتمي إلى معجم بدوي حيناً وإسلامي أحياناً· وتقرير الخصوصية وهو مقصدٌ يوظف ذات النظرية لإثبات إبداع الشعراء الموريتانيين وارتباطهم بأرضهم وبيئتهم الخاصة التي ''وصفوا صحاريها وفيافيها ووديانها المخضرة اليانعة في الخريف، وكثبانها المنبسطة التي يحلو عليها السمر في ليالي الربيع - فجاءت أشعارهم ـ بنت البيئة، صحراوية المنبت، شنقيطية المحتد، لا يضرّها بعد ذلك أن تكون بذورها تنتمي إلى الأدب العربي في عصوره الزاهرة''·
أربعة اتجاهات
وإذا كنا لا نستهدف في هذا المقام تقديم وصف تفصيلي لتلك الدراسة، فإننا نكتفي بالقول إن ذلك الشعر في الحقبة المحددة أعلاه بدا لنا موزعاً على أربعة اتجاهات، خصصنا لكل واحد منها فصلا مستقلا، وهذه الاتجاهات هي:
ـ الاتجاه الكلاسيكي: وهو الاتجاه الذي يتخذ الشعر العربي القديم شاهداً أمثل في الصياغة والرؤية، وقد قسمناه إلى فئتين ''سننية'' تعض على كل مفاهيم النص القديم بالنواجذ بناءً ومعجماً وأسلوباً، و''جديدة'' تتمثل مستجدات عصرها سياسياً واجتماعياً وتعلن ولاءها الشديد لتقاليد القصيدة العربية التقليدية·
ـ الاتجاه التسجيلي الشاهد: وهو اتجاه يتسم فنياً بالمباشرة في التصوير والتقريرية في التعبير، ويتميز رؤيوياً بالتبعية للعنصر السياسي وبالشهادة المضادة لأساليب القهر والظلم والاستبداد، وقد شهد في المستويين الفني والرؤيوي تطوراً ملحوظاً سجلنا ملامحه في سياق حديثنا عنه·
ـ الاتجاه الاسترجاعي المستشهد: وهو اتجاه يقوم رؤيوياً على استرجاع الماضي مرجعاً يؤسس عليه المستقبل تحت مفعول الحاضر بحثاً عن هوية مفقودة ويستشهد بالتاريخ، نصوصاً وشخصيات ومواقف، كل ذلك وهو يعبر عن واقعه سياسياً واجتماعياً وحضارياً، الأمر الذي خلق في نصوصه فصاماً - أبرزنا أسبابه - بين مضامينها وطرائق تصريفها الفنية·
ـ الاتجاه الاستشرافي الحداثي: وهو اتجاه يقوم رؤيوياً على بنية التردي والترقب محتجاً على الواقع في التردي ومتسائلاً عن المستقبل في الترقب، وينبني فنياً على الحداثة من حيث هي تخطٍ لسائد النصوص وتأسيس لكتابة تفارق التقليد· وقد بدا لنا كيف أن أصحابه خرجوا من أسر تقليد هجين إلى تقليد أهجن - بينا في حينه أسبابه وعوامله - راسمين أفقاً نقترحه مخرجاً يحررهم من عبودية التقليد·
وإذا كان هذا الكتاب قد سعى إلى تقديم دراسة مسحية للشعر الموريتاني المعاصر، فإنه ظل محكوماً بعوامل ذاتية وموضوعية لعل أهمها غياب دراسات نقدية سابقة عليه، ما عدا أطروحة الدكتور محمد ولد عبد الحي التي تعتبر بحق أول عمل علمي طرق باب هذا الشعر· وهو غياب بلا شك بقدر ما أثر على نتائج هذا الكتاب، بقدر ما أكسبه قيمته الريادية، إذ كفاه أنه فتح الباب لدراسات أخرى قرأت هذا الشعر من زوايا عديدة، لعل أبرزها أطروحة الدكتورة والشاعرة مباركة بنت البراء الموسومة بـ '' القصيدة الموريتانية المعاصرة، قراءة في الإيقاع والأسلوب'' وكتاب ''الشعر العربي الحديث في موريتانيا'' للأستاذ محمد الحسن ولد محمد المصطفي، وكتاب ''الخطاب الشعري الحداثي في موريتانيا'' للأستاذ المختار بن الجيلاني، وغيرها من الرسائل والأطروحات الجامعية·

اقرأ أيضا