الاتحاد

تقارير

باكستان والمساعدة المشروطة

طالب الأشعري
محلل سياسي باكستاني


تشير الهجمات المتشددة المسلّحة المستمرة ضد المدنيين والعسكريين وقوات حفظ الأمن في باكستان إلى ضرورة التعامل مع المشاكل الداخلية التي تؤدي إلى التطرف، مثل الفقر والأمية والبطالة وغياب التعليم. وهذه، في الواقع، هي المشاكل التي هَدَف مشروع قانون "كيري لوغار بيرمان" إلى المساعدة على الحد منها بالتعاون مع الحكومة الباكستانية من خلال منح إسلام آباد 7.5 مليار دولار كمعونة غير عسكرية خلال السنوات الخمس القادمة.
غير أن الشروط العديدة المتعلقة بمشروع القانون والإشراف الأميركي الصارم على أموال المعونة، أغضبا في البداية العديد من الباكستانيين. وقد ألقى هذا الخلاف الضوء على الحاجة إلى تحول سياسي في باكستان من التفكير المحافظ إلى التفكير التقدمي الديمقراطي، بحيث تصبح البلاد قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي والنمو الاجتماعي الاقتصادي في آن واحد.
والراهن أن القانون، قوبل بالمزيد من الشك في أوساط الإعلام الباكستاني وفي صفوف السياسيين المحافظين نتيجة لعبارات معينة أثارت الارتياب كما قيل حول سيادة الدولة. وعلى رغم أن مشروع القانون ضاعف قيمة المعونة المقدمة سنوياً ثلاث مرات إلا أن الغضب من أميركا وصل حدوداً لم يسبق لها مثيل.
وقبل أيام قليلة من اعتماد القانون صرح عضوا مجلس الشيوخ ريتشارد لوغار وجون كيري قائلين: "لا يوجد شيء في هذا القانون يقترح بأي شكل من الأشكال أن يكون هناك دور أميركي في إدارة الشؤون الداخلية الباكستانية على مستوى التفاصيل، بما فيها... العمليات الداخلية للجيش الباكستاني". وقد جرى هذا التصريح بطلب من الحكومة الباكستانية بهدف إزالة المخاوف والتعامل مع مصادر القلق التي أثارتها أحزاب المعارضة والجمهور والجيش الباكستاني.
وقد انطلق الجدل أولاً في الثاني من أكتوبر في مجلس الشيوخ الباكستاني عندما قال وسيم سجّاد، وهو من الحزب الذي شكّله الرئيس السابق برويز مشرف: "إن مشروع القانون هذا يشكّل هجمة مباشرة على كرامة باكستان وشرفها وسيادتها". كما أعرب شودري نصار علي خان، زعيم الرابطة الإسلامية الباكستانية، وهو حزب نواز شريف، عن قلق مماثل.
إلا أن الانتقاد الذي يثير الدهشة بصورة أكبر صدر عن المؤسسة العسكرية نفسها، فقد عقد رؤساء الأركان اجتماعاً يوم 7 أكتوبر وأعربوا للإعلام عن قلقهم حول مشروع القانون، وهو أمر نادراً ما يحدث. ويتعلق قلقهم الرئيسي بالمادة 203 حول "محددات معونة معينة" والمادة 302 حول "تقارير الرقابة". وتتطلب المادة 203 وصول الولايات المتحدة إلى معلومات وإمكانية تواصل مباشر إلى مواطنين باكستانيين منخرطين في شبكات التزويد النووية، إضافة إلى وقف الدعم للعناصر المتطرفة داخل الهيئات العسكرية والاستخبارية وعدم مشاركة القوات الأمنية في إفشال العمليات السياسية أو القضائية الباكستانية.
وتتطلب المادة 302 أن تقوم وزيرة الخارجية الأميركية بتقديم تقرير نصف سنوي إلى الكونجرس حول الأموال التي تم إنفاقها خلال الشهور الستة السابقة. وتمنع المادة انتشار مواد ذات خصائص نووية، أو المشاركة في الخبرات في مجال الأسلحة النووية مع غير الباكستانيين. ويشجّع مشروع القانون وجود قيادة مدنية فاعلة وإدارة برلمانية لسلسلة القيادة العسكرية، بما فيها ترفيع كبار القادة العسكريين.
ومع هذا يشكّل القانون المذكور أكبر حزمة معونة يتسلمها القطاع الاجتماعي الباكستاني في تاريخه. وستوفر هذه الحزمة المساعدة لإنشاء مؤسسات ديمقراطية مستدامة، بالإضافة إلى المعونة لقطاع التعليم والصحة العامة ومكافحة الاتجار بالمخدرات وحقوق الإنسان وإعلام مستقل وتنمية ريفية وحقوق العمال والتمويل متناهي الصغر ومساعدة النازحين داخلياً، ويشمل حتى نشاطات التبادل مثل برنامج فولبرايت. ويأتي القانون مع شروط محددة إلزامية بالنسبة لأمور تتعلق بالأمن ولكن ليس ضمن القطاع الاجتماعي. وهي تنص على أن الرقابة الواسعة والإبلاغ سيكونان ضروريين أثناء تطبيق كل جزء ومرحلة لضمان استخدام الأموال المقدمة بصورة كفؤة.
وفي نهاية المطاف، عملت مشاعر الغضب ضد مشروع القانون في صالحه وصالح باكستان حيث ستكون هناك درجة أعظم من المحاسبة والمساءلة لضمان أن يتم تخصيص أموال المعونة للمناطق التي تحتاجها. ويمكن لباكستان من خلال العمل بصدق على إنفاق أموال المعونة بشكل صحيح ومسؤول وعبر تنمية لاحقة، أن تعيد صورتها كدولة ديمقراطية تقدمية تتمتع بالاحترام في المجتمع الدولي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كومون جراوند»

اقرأ أيضا