الاتحاد

تقارير

خصومة فرنسية -بريطانية على خدمات أوروبا المالية

بن كوين
لندن

غيمة مشحونة خيمت على العلاقات البريطانية- الفرنسية يوم الجمعة الماضي بعد أن ألغى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي زيارة كان من المرتقب أن يهدئ فيها المخاوف من إمكانية تدخل مفوضٍ أوروبي فرنسي المولد في قطاع الخدمات المالية في لندن.
وقد بدأت الخصومة منذ حوالي أسبوع، حيث يخشى البريطانيون أن يخضع قطاع الخدمات المالية في بلادهم لعملية تقنين وتنظيم مبالغ فيها على غرار النموذج الفرنسي، بينما قال ساركوزي متفاخراً إنه يريد أن يرى انتصار "النموذج الأوروبي" على "شطط" الرأسمالية.
ولكن ورغم استحضار معركة "واترلو"، وما صدر عن ساركوزي من كلام تعوزه اللباقة، وإلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها يوم الجمعة، فإن النزاع يرتبط على الأرجح باعتبارات سياسية داخلية في أفق انتخابات العام المقبل في البلدين أكثر منها بخصومات خطيرة حول قيادة السياسة المالية للاتحاد الأوروبي. كما يتم تقديم هذا التشنج باعتباره جزءاً من مخططات فرنسية ترمي لجعل باريس مركزاً مالياً على حساب لندن.
وفي هذا السياق، يقول جورجيو كويستا، الأستاذ بجامعة "سيتي يونيفرسيتي" في لندن: "إن ساركوزي غير معروف بضبط النفس ... كما أن (رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون ووزير المالية أليستر دارلينج) يجربان كل تصريح شعبوي لتلافي الهزيمة في الانتخابات العامة التي من المقرر أن تجرى العام المقبل".
تعود خيوط القصة إلى تصريح أدلى به الرئيس الفرنسي لصحيفة "لوموند" خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بعد أن أفضى التعديل الوزاري في "حكومة" المفوضية الأوروبية إلى حصول ميشيل بارنيي، وهو وزير زراعة فرنسية سابق، على حقيبة السوق الداخلية المهمة، حيث قال ساركوزي: "إن البريطانيين هم أكبر الخاسرين في هذه القضية". ثم عاد يوم الاثنين الماضي ليقول لجمهور جنوب فرنسا: "هل تعرفون ماذا يعني بالنسبة لي أن أرى، لأول مرة منذ 50 عاما، مفوضا أوروبياً فرنسياً مكلفاً بالسوق الداخلية، بما في ذلك الخدمات المالية مثل "ذا سيتي" (لندن)؟".
فجرت هذه التصريحات خمسة أيام من العناوين التي تصدرت الصحفَ في بريطانيا، وتمت خلالها الإشارة إلى معارك تاريخية بين الانجليز والفرنسيين، والتعبير عن المخاوف من إمكانية تدخل أوروبي أكبر في القطاع المالي في لندن.
ولكن المثير للسخرية، حسب بعض المحللين، هو أن الحكومة "العمالية" في بريطانيا، هي التي أعلنت عن نهاية عهد الضرائب المنخفضة التي ساهمت في ازدهار هذا القطاع. ويقول "فيليب وايت" من "مركز الإصلاح الأوروبي"، وهو مركز بحوث في لندن: "إن النقاش الداخلي حول التنظيم والتقنين في بريطانيا تجاوز، من بعض النواحي، ذاك الذي يدور في بقية أوروبا"، مضيفا أن "بارنيي ليس ممثل فرنسا في المفوضية الأوروبية. والأمر من الناحية القانونية لا يتعلق بمنطقة رمادية، لأن المفوضين لا يتبعون السياسات الوطنية لبلدانهم".
غير أن تداعيات تصريحات ساركوزي في بريطانيا كانت كبيرة؛ وقد اضطر معها الوزير دارلينج إلى الرد يوم الثلاثاء الماضي بمقال نشر بصحيفة "ذا تايمز" حذر فيه الفرنسيين من مغبة التدخل في شؤون حي المال والأعمال في لندن، الذي يعد القلب المالي للبلاد. كما أشار إلى أن البنوك الفرنسية والألمانية كانت من أكبر المقرضين لعملاق التأمين الأميركي المفلس "إيه. آي. جي". ومن جانبها، قالت أنجيلا نايت، المديرة التنفيذية لجمعية المصرفيين البريطانيين، لزملائها المصرفيين: "إن على الرئيس ساركوزي أن يقر بأنه أضعف الاتحاد الأوروبي من خلال تصريحاته، ووضع علامة استفهام حول حياد المفوض الذي رشحه لن يكون من السهل التخلص منها".
وكان إلغاء الرئيس الفرنسي زيارته قد أثار عددا من التساؤلات والتكهنات يوم الجمعة بشأن أسبابها. وإذا كانت صحيفة "ذا تايمز" قد رأت أن ساركوزي آثر أن يربأ عن براون، ويلتقي بدلا من ذلك برئيس بينين، فإن صحيفة "الديلي تلغراف" قالت إن ساركوزي كان يأمل أن يلتقي ببراون في مقر الحكومة البريطانية في "10 داونينج ستريت"، ولكن رئيس الوزراء رفض تغيير ترتيبات أُعد لها سلفاً. ونقلت عن مصدر دبلوماسي بريطاني قوله: "إننا في الحقيقة لم نشأ أن نسهر الليل بأكمله لنمضيه في الاستعداد لاستقباله ... لقد أرادوا بالزيارة، ولكن الأمر كان ينطوي على كثير من الإزعاج والمتاعب".
غير أنه بعيداً عن أعين الجمهور، يعترف الكثيرون بأن لتباهي ساركوزي أسباباً أخرى. فالرئيس، وهو مدافع مشهور في السابق عن تنشيط الاقتصاد الفرنسي عبر إصلاحات السوق الليبرالية على النموذج الأميركي والبريطاني، يعلم أن انتقاد "الرأسمالية الأنجلوساكسونية" يجد له صدى جيداً في الداخل في أفق انتخابات محلية مهمة العام المقبل.
على أن الخصومة مفيدة للبريطانيين أيضاً، كما يرى البعض. وفي هذا السياق، يقول البروفيسور كويستا: "يجب ألا ننسى أن كارثة النظام المصرفي البريطاني عرضت دور لندن في النظام المالي العالمي للخطر بشكل خطير"، مضيفاً "إن الحرب ضد البنوك افتتحت من قبل براون- دارلينج، اللذين حاولا أن يبدوا شعبويين ويغطيا على حقيقة أن النظام المصرفي أُضعف في عهدهما".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا