الاتحاد

تقارير

الجانب الناعم للصين... قبعات زرقاء

آندرو هيجينز
تشانجبينج - الصين

بعد أن قامت بتعزيز قواتها المسلحة بصواريخ جديدة وأسلحة متطورة أخرى، وجهت الصين مؤخراً الدعوة لمسؤولين عسكريين أميركيين وأجانب آخرين من أجل الوقوف على جانب أقل قتالية من "جيش التحرير الشعبي": أسطول من الجرافات. فوسط غيوم الدخان الاصطناعي التي قصد بها محاكاة مشهد منطقة حرب، استعرض لواء المهندسين التابع للجيش الصيني آلياته وأجهزة تطهير الحقول من الألغام ومعدات عسكرية أخرى غير قتالية بقاعدة عسكرية شمال بكين. ومثَّل الاستعراض الذي نظم بعد فترة قصيرة على مغادرة الرئيس الأميركي أوباما بكين الشهر الماضي، ما تعتبره الصين جزءاً مهماً من جوابها على سؤال خيم على جولة أوباما الآسيوية التي دامت ثمانية أيام: كيف ستستعمل الصين القوة الهائلة التي باتت تتوافر عليها بفضل نموها الاقتصادي المستمر؟
وحدة المهندسين التي قامت بالاستعراض تتزعم الانخراط الصيني المتزايد في عمليات حفظ السلام الدولية، وهو أمر كانت بكين ترفضه وتشجبه طيلة عقود باعتباره يتنافى مع التزامها المعلَن بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، لكنها باتت اليوم تحتضنه، حيث تساهم اليوم بحوالي 2150 عسكرياً وشرطياً صينياً في دعم مهمات للأمم المتحدة في مناطق عبر العالم؛ من هايتي إلى السودان.
ورغم أن جنود حفظ السلام لا يمثلون سوى جزء بسيط من جيش التحرير الشعبي الذي يبلغ قوامه أكثر من مليوني جندي، إلا أن تحمس الصين للمشاركة في مهمات حفظ السلام يشير إلى رغبة واضحة في تقديم صورة لها كقوة عظمى مسؤولة ومسالمة. ثم إنه حتى إذا كان مجموع الإنفاق العسكري الصيني هو ضعف المبلغ المعلَن عنه ربما، كما يقول بعض الخبراء، فإنه يظل مع ذلك يمثل أقل من ثلث الميزانية العسكرية الأساسية للولايات المتحدة، والتي لا تشمل الإنفاق الموجه لحربي العراق وأفغانستان. وفي هذا الإطار، قال العقيد "يي تشانغي"، قائد وحدة المهندسين، لمسؤولي وزارات الدفاع الأجنبية: "إننا نعد بأننا سنقوم بواجباتنا في مجال حفظ السلام".
يذكر أنه عندما صعدت ألمانيا ثم اليابان كقوتين عسكريتين بفضل نمو اقتصاديهما قبل أكثر من قرن مضى، أعقبت ذلك عملية تغيير كارثية للنظام العالمي؛ غير أن الصين التي تسعى وراء ما تسميه "صعوداً مسالماً"، تشير إلى أنشطة حفظ السلام التي يشارك فيها الجيش الصيني كدليل على حسن نيتها. بيد أنه إذا كانت الصين ترغب بشكل متزايد في السماح لجنودها بارتداء الخوذات الزرقاء التي يرتديها جنود حفظ السلام الأمميون، فإنها لا تُظهر تحمساً للمهمة التي تحظى بموافقة الأمم المتحدة وتعد الأهم حالياً بالنسبة لواشنطن، أي الحرب في أفغانستان.
فعندما أرادت الولايات المتحدة أن تنقل مجموعة من المدربين المنغوليين إلى أفغانستان جواً في أكتوبر الماضي، رفضت الصين السماح للطائرة بالتحليق فوق ترابها، قبل أن تعطيها إشارة الضوء الأخضر في الأخير، ولكن فقط بعد أزيلت الذخيرة من الطائرة. فعلى الرغم من أن المهمة الأفغانية حصلت على إذن الأمم المتحدة، فإن "الناتو" هو الذي يشرف عليها، وهو منظمة تنظر إليها الصين بغير قليل من الحذر والتوجس. ويذكر هنا أن بكين تُحمل "الناتو" مسؤولية قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 خلال حرب كوسوفو. وفي هذا الإطار، يقول "بيتس جيل"، مدير "معهد ستوكهولم لبحوث السلام الدولي"، والذي ساهم في تأليف كتاب صدر حديثاً حول أنشطة الصين لحفظ السلام، إن الصدمة التي شعرت بها الصين جراء الحملة العسكرية التي قادها "الناتو" في يوغسلافيا السابقة، ساهمت في دفع بكين إلى لعب دور أكبر في عمليات حفظ السلام الأممية. ويرى "جيل" أنه من "المستبعد جداً" أن ترسل الصين جنوداً إلى أفغانستان لمساعدة "ما هو في الأساس عملية للناتو، وإن كانت تحظى بمباركة الأمم المتحدة".
وبالمقابل، فقد قامت الصين مؤخراً بتسجيل مجموعة صغيرة من الجنود من أفغانستان والعراق في دروس وتدريب على إزالة الألغام تستمر تسعة أشهر بجامعة العلوم والتكنولوجيا التابعة للجيش الصيني في نانجينج، كما أبدت اهتماماً بالمساعدة على تدريب الشرطة الأفغانية. لكنها امتنعت عن توفير دعم مباشر للحملة التي يخوضها "الناتو" ضد "طالبان"، ذلك أن الصين تركز مواردها وإمكانياتها على دعم العمليات التي تديرها الأمم المتحدة بشكل مباشر، حيث تساهم في مهمات للأمم المتحدة بعدد أكبر من الجنود والشرطة مقارنة مع الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا مجتمعة؛ على أن فرنسا وحدها، من أصل الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي، هي التي تساهم بعدد مماثل تقريباً في عمليات حفظ السلام الأممية.
وترحب واشنطن عموماً بالاستعداد الصيني المتزايد للانضمام إلى عمليات الأمم المتحدة، وإن كان تقرير للبنتاجون هذا العام أشار إلى أن القدرات التي تسمح للصين بالمشاركة في العمليات الإنسانية وعمليات حفظ السلام البعيدة يمكن أيضاً أن "تسمح للصين باستعراض قوتها لتأمين الوصول إلى الموارد أو فرض موقفها المطالب بأراض متنازع عليها".
بيد أن أوباما، خلال زيارته الأخيرة لبكين، وصف الانخراط الدولي المتزايد للصين باعتباره نتيجة ضرورية ومرحباً بها لنموها الاقتصادي؛ لكنه لفت عقب مباحثات مع الرئيس الصيني هو جينتاو إلى أن "نمو الاقتصادات يكون مقروناً بازدياد المسؤوليات".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا