الاتحاد

الملحق الثقافي

لعب سردي في أزقة المدى المفتوح

د·يوسف حطيني

د·يوسف حطيني

أولاً: دلالة البيت
تقدم القصة الإماراتية صورة البيت، بوصفه المكان الذي يتحلل فيه المرء من همومه، وإذا خرج منه، فإنه سرعان ما يسعى إلى الرجوع إليه، واقعاً أو تخيلاً، ويرى باشلار أن البيت هو ''المأوى الطبيعي لوظيفة السكنى· إننا لا نعود إليه فقط، بل نحلم بالعودة إليه''· لذلك يبقى البيت القديم، في حال الارتحال، يحتل جزءاً غالياً من ذاكرة المرء، وفي ذاكرة الإنسان الخليجي على وجه الخصوص، ذلك أن الطفرة الاقتصادية التي طرأت على المجتمع جعلت تبديل البيت القديم قَدَرَ كل مواطن تقريباً·
ويكتسب البيت دلالة إنسانية حين يتبادل الأدوار بينه وبين الأشخاص الذين يقيمون، أو الذين كانوا يقيمون فيه، وإذ يحتضن البيت الأشخاص كالأم، تحتضن الأم الأبناء، وتصبح منزلاً لهم، ويرتبط البيت بالأم في الميثيولوجيا، إنه يرتبط بذلك ''التأسيس الأسروي، بذلك الكيان المولد -الأم التي يتكرر إنتاجها تكراراً اجتماعياً ـ أبناء وأقارب ـ فالبيت هو الأم، هو التركيبة التي تستعير من الأم تركيبتها البنيانية''·
وثمة إشارة طريفة في قصة ''بيت جديد'' لأمنيات سالم، تتحدث فيها، عبر سياق سيري، عن انفراط عقد الجيرة في ظل المجتمع الجديد، ولا يكون ثمة حلّ فلسفي لهذا الاغتراب سوى العودة إلى حضن الجدة، التي هي وجه آخر من وجوه الأم·
ثانياً: دلالة المدينة
درج النقاد العرب على تكرار فكرة مفادها أن العداء للمدينة والمدنية فكرة مستوردة، أخذها الكتاب العرب عن الأوروبيين؛ دون أن يكون لديهم واقعياً ما يبرر هذا العداء، ذلك أن المدن العربية تشبه قرى كبيرة، وليس فيها من العلاقات الاقتصادية المعقدة ما يغيّر البنيان الاجتماعي والروحي·
وإذا كانت هذه الفكرة تصدق على معظم المدن العربية فإنها لا تصدق على مدن منطقة الخليج العربي خاصةً، ذلك أن المدينة لم تعد تختلف كثيراً عن المدن الأوروبية، من حيث علاقاتها الإنتاجية، بل إن المدن الخليجية تبدو أكثر تعبيراً عن غربة الروح الناتجة عن العلاقات الاقتصادية التي يفرزها المجتمع المدني الجديد، إذ إن تعدد الجنسيات بهذا الشكل الكبير، إثر تدفق العمالة الوافدة، يجعل من مدينة مثل مدينة دبي مكاناً للعمل الذي لا يقيم وزناً معتبراً للعلاقات الإنسانية·· وهنا يجد المبدع نفسه في غربة نفسية، فيبحث في ثنايا روحه عن البراءة الأولى·
لذلك يمتشق القاص قلمه، ويسعى لتصوير غربة الروح من خلال شخصياته القصصية، متذكراً ما كان، في حضرة الدهشة مما هو كائن الآن، والخوف مما سيكون، على نحو ما نجد في قصة ''رجل لا ظل له'' لإبراهيم مبارك وقصة ''الصرخة'' لناصر جبران، إذ نقرأ سياقات قصصية معبّرة عن عمق الألم الذي حاق بروح السارد، والبطل، والقاص، في آنٍ معاً، بينما تصور قصة ''هذا الوجه ليس لي'' لسعاد العريمي المدينة طاردة نابذة، ملطخةً بالأنوار· أما في قصة ''هياج'' لأمينة بوشهاب فتبدو قسوة المدينة من خلال الحكاية التي تمثّل خطّاً موازياً للمكان، فآمنة التي نقلها عبد الرحمن، بزواجه منها، من عالم فريج السماكين في شرقي المدينة، إلى الحي الأصم المتكبّر ذي المساكن الشامخة، لم تستطع أن تتآلف مع المكان الجديد·
ولا يمكن أن يأتي المرء على ذكر موضوع المدينة دون أن يشير إلى القاص محمد المرّ، فهو يمثل أنصع الأمثلة على الغنى الجغرافي المديني، إذ نجد إضافة إلى دبي وأبوظبي والشارقة، فضاء قصصياً يمتد إلى دمشق والقاهرة وبومباي ومانيلا وبانكوك ولندن·· إلخ· ويمتاز المرّ عن القاصين الإماراتيين الآخرين بأنه لم يقف مستلباً أمام وجه المدينة الجديد، بل وظّف قلمه ببراعة في رصد القديم والجديد على حدّ سواء·
ثالثاً: دلالة البحر
''ذاكرة أهل الخليج مشبعة بالبحر، كما تشبع إسفنجة غطست في الماء، وإذا ما عصر الإنسان الخليجي روحه، نزل منها البحر، الماء المالح، الغوص، اللآلئ، السفن، الحياة والموت· كان البحر امتداداً لوجود الإنسان في الخليج العربي، وكان البحر هو مخزن الرزق، وموطن الألم، ومقبرة للهالكين من البحارة''··
إنّ العلاقة بين البحر وأهل الخليج التي عرضها النص السابق للدكتور عبد الحميد المحادين تعبّر عن عمق التلازم بينهما، فالبحر حاضر دائماً يدخل الفرح إلى قلوبهم، ويسلب منها الفرح أيضاً، وهو مدخل للتعبير عن خوف الشخصيات وأملها وهمومها، ففي قصة ''همس الشواطئ'' لأسماء الزرعوني تتخذ القاصة من البحر مدخلاً للتعبير عن هموم الشخصية، وفي قصة ''كأنه البارحة'' لمحمد المر، يظهر الوجه المخيف للبحر، لأنه إذ يحمل الرزق للعائلة والأولاد يأخذ الآباء إلى أعماقه، وحين يختفي الأب في أعماق هذا المجهول فإنه يحمل حزناً عظيماً لزوجة وابنة تنتظرانه· وعلى الرغم من كل الأهوال فإن البحر يؤثّر تأثير السحر في الشخصيات، ففي قصة ''سيف والجرجور'' لإبراهيم مبارك تخشى شمسة أهوال البحر، غير أن البحر يبدو لسيف قدراً لا مفرّ منه· وفي قصة ''الصمت الصاخب'' لشيخة الناخي يكون حضور البحر في السياق الختامي للقصة، من خلال صورة مليئة بالمهابة، واحتمال الخطر·
وليس التمسك بصورة البحر في القصة الإماراتية سوى تمسك بالماضي، إنه وجود زمني في المكان، وهو يتخذ هذه المكانة المميزة ليس لأنه مكاناً قائماً بذاته، بل لأنه مرتبط بحلم العودة إلى البر، حيث ينتظر الأهل عودة الصيادين من رحلاتهم الخطرة، ويكون الشاطئ مكان اللقاء، على نحو ما نجد في قصة ''وداعاً يا أحبّائي'' لعلي عبد العزيز الشرهان·
رابعاً: دلالة الصحراء
ثمة ما يجمع بين البحر والصحراء، على الرغم مما يبدو بينهما من تناقض، لذلك فإن ''اشتراكهما في الخاصية الرحبية والقدرة على التضييع وابتلاع الحيوات'' قاد الكتاب إلى إقامة نوع من المجاورة بينهما، وإلى عدم الاستسلام بدعة إلى حالة التقاطب التي يثيرانها لدى النظرة غير المتأمّلة·
وقد بدت الصحراء في القصة الإماراتية مثل البحر، إذ شكلت الحياة الأولى ورمز الجلال والمهابة، والخطر والغموض الموحش، كما شكلت الانفتاح على المدى؛ على نحو ما نجد في قصة ''حقل غمران'' لسعاد العريمي، وفي قصة ''الضبّ'' لإبراهيم مبارك التي تصور جانباً من الماضي الذي يسعى القاص إلى ترسيخ جذوره في النفوس·

اقرأ أيضا