الاتحاد

تقارير

أوباما وجرأة الخطاب الأفغاني

مايكل جيرسون
محلل سياسي أميركي

خلافاً للتوقعات السابقة لخطاب أوباما الخاص باستراتيجيته في أفغانستان، لاسيما توقعات أولئك الذين كانوا يراهنون على أنه سيكتفي بأنصاف الحلول والإجراءات المتحفظة، جاء خطابه يوم الثلاثاء الماضي عن أفغانستان في غاية الجرأة والقدرة على إبهار قادته العسكريين الميدانيين في أفغانستان.
وعلى عكس ما كان يردده نائب الرئيس السابق ديك تشيني من أن قرارات أوباما الخاصة بالأمن القومي لا تتعدى كونها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية صغيرة جزئية، جاء خطاب أوباما معارضاً للاتجاه الغالب في قاعدة حزبه "الديمقراطي" الذي انتخبه أصلا للمنصب الرئاسي.
وليس هناك أي تفسير آخر لهذا السلوك من قبل الرئيس سوى انحيازه إلى المصلحة القومية العليا للبلاد. وعليه فقد جاء وقت الالتفاف مجدداً حول أوباما.
وفي المنحى نفسه، فإن الفشل المنسوب لأوباما -وهو فشل يبدو ضئيلاً جداً بالقياس إلى عظمة القرارات التي اتخذها بشأن أفغانستان في نهاية الأمر- لم يكن سوى فشل في عملية الاتصال.
فخلال الـ34 دقيقة التي ألقى فيها أوباما خطابه في قاعدة "ويست بوينت" العسكرية، يلاحظ أنه لم يعط اهتماماً يذكر لوصف الكيفية التي سينفذ بها التزامه الخاص بزيادة عدد القوات في أفغانستان، ولا شرح الوسيلة التي سينجح بها هذا القرار في تحقيق أهدافه المتوقعة.
ولكن ربما كان تبرير القادة الميدانيين في أفغانستان لهذه الكيفية أفضل وأكثر وضوحاً. وتنشأ ثقة هؤلاء من حقائق بسيطة جداً وواقعية: ففي المناطق التي توفر فيها قوات التحالف ظروفاً أمنية أفضل، تحسن استجابة الأهالي بتعاونهم مع القوات الأجنبية وشروعهم في إعادة إعمار مؤسسات حكمهم العشائري المحلي. غير أن من الواجب القول بعدم توفر ما يكفي من هذه المجتمعات الآمنة المستقرة، بسبب عدم كفاية الجنود المنتشرين على الأرض. وفي المناطق التي تفتقر إلى الأمن، تهيمن حركة "طالبان" بأدوات الترهيب والتخويف وحدها. وهناك كثيراً ما يتلقى الأفغان رسائل تهديد ليلية من متمردي "طالبان"، تحذرهم بالقتل والويل في حال تعاونهم مع قوات التحالف أو الملالي المتعاونين معها. وكثيراً ما تنفذ هذه التهديدات التي يتلقى السكان رسائلها تحت سدول منتصف الليل والظلام.
وكما نعلم فإن على القوات الوطنية الأفغانية أن تتمكن من توفير الأمن والاستقرار لمواطنيها في نهاية المطاف. وهذا ما يعطي أهمية إضافية للجانب التدريبي من المهام العسكرية الجارية الآن هناك. وليس في هذا الجانب ما يشبه التدريب داخل فصول الدراسة. وإنما تقوم هذه المهمة على شراكة ميدانية حقيقية بين جنود التحالف الدولي وأقرانهم الأفغان، وتشمل توصيل المهارات والخبرات والمعارف اللازمة والمساعدة على رفع مستوى مهنية الجنود الأفغان. والملاحظ أن هؤلاء يبذلون جهوداً كبيرة لإظهار براعتهم وقدرتهم على الارتقاء إلى مستوى أداء أقرانهم الأميركيين. كما تتحد جهود هذه الشراكات الميدانية في مكافحة الفساد وفرض الرقابة المشددة عليه.
ومن المتوقع أن تبدو عملية زيادة عدد القوات هذه مختلفة جداً عن سابقتها التي نفذت في العراق في ظل إدارة بوش السابقة. فهناك توفر عدد من الملاذات الآمنة للمتمردين حول العاصمة بغداد وفي محافظة ديالي. وعندها أدرك القادة العسكريون الأميركيون أن في وسع عدد قليل من الألوية الإضافية أن تنظف تلك الملاذات من المتمردين وتباشر مهمة حماية المدنيين.
وستبدو بعض العمليات الكبيرة التي تشهدها عدة مناطق في أفغانستان شبيهة بتلك العمليات التي جرت في العراق سابقاً. غير أن لكل منطقة وواد في شرقي وجنوبي أفغانستان -حيث تسيطر بعض قبائل البشتون المتمردة- قصتها الخاصة بها. فهناك يشارك المواطنون المحليون في عمليات القتال لأسباب متعددة. وهذا ما يفرض انتقائية وصعوبة الجهود الرامية إلى تهدئة تلك المناطق.
وإلى جانب ذلك ينبغي القول إن المناطق الحدودية الواقعة على الشريط الفاصل بين أفغانستان وباكستان، استطاعت جذب أكثر العناصر الإرهابية شراسة واستماتة في العمليات على نطاق العالم بأسره. غير أن لأفغانستان "عصابات الصدفة" الخاصة بها التي تضم مقاتلين مشحونين بغضب لا صلة له البتة بالحرب على الإرهاب. ومن الواجب تحييد هؤلاء وإقناعهم بالعودة إلى صوابهم، من أجل المساهمة في حفظ أمن واستقرار مجتمعاتهم، والخضوع لسلطة زعماء عشائرهم المحليين.
ولكن يمثل الفساد الحكومي عقبة رئيسية أمام نجاح هذه الجهود، مع العلم أن هذا الفساد يعد أحد الدوافع الرئيسية للتمرد. والجديد في ظاهرة الفساد الحالي هذه، أنها تتجاوز ممارسات الفساد التقليدي التي عرفت بها الحكومات الأفغانية السابقة من محسوبية وتلقي رشاو وغيرها. فالجديد هنا هو بيع الأصول المملوكة للدولة ونهب المال العام -بما فيه الأموال الضخمة المخصصة من قبل المجتمع الدولي لإعادة إعمار أفغانستان- وتحويل تلك الموارد إلى الحسابات الخاصة المملوكة للأفراد في بنوك خارجية. وتعمل عصابات لوردات الحرب هذه على تقويض ثقة الأفغان في حكومتهم، في وقت تزداد فيه جهود مكافحة التمرد.
وهنا تزداد مسؤولية الرئيس كرزاي لمحاكمة عدد من كبار المسؤولين، واستبدال المسؤولين الفاسدين بآخرين أكفاء ممن يتمتعون بالنزاهة والأمانة في كافة مستويات حكومته. وهذا ما يأمله القادة العسكريون الأميركيون. فمن شأن أي تحسن يطرأ على الحكم أن يقنع المزيد من الأفغان بنبـذ التمرد، خاصة إذا ما كان هذا التمرد يهدد حياتهم وأمن عائلاتهم. وعلى أوباما أن يفصل أهداف خطته واستراتيجيته هذه، طالما أن الحكم على قيادته للحرب قد بدأ للتو.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا