الاتحاد

دنيا

علياء إبراهيم: قوة الانتماء تمنحنا جهازاً مناعياً قوياً

علياء إبراهيم

علياء إبراهيم

كيف يمكن للانتماء للوطن أن يحقق تطويرا ذاتيا؟ كيف الإحساس بالانتماء يخلق شخصا متزنا قويا مع ذاته ومع من حوله؟ وكيف يمكن بث روح الانتماء في أولادنا ليسعدوا في حياتهم ويسعوا نحو تحقيق الأمجاد من خلال شعورهم بالأمان داخل ربوع رقعة معينة؟


هذا ما تجيب عنه الدكتورة علياء إبراهيم محمود، استشاري أسري وخبير التنمية البشرية، وتقول: إن الانتماء للوطن هو الجسر الذي يجب أن نعبر عليه لترسيخ الهوية الوطنية، وهو قيمة أعمق بكثير من لحظات تنهمر فيها الدموع عند سماع النشيد الوطني وتحية العلم.
إننا نولد ولدينا بالفطرة غريزة الانتماء، فالطفل لديه انتماء فطري لأمه، والإنسان منذ بدء الخليقة كان انتماؤه الحقيقي إلى ذاته، ومن أجل ذاته سعى إلى المحافظة على هذه الذات، فظهرت الاختراعات، ونشأت الحضارات وتطورت المجتمعات، ومع هذا التطور تعددت انتماءات الإنسان فامتد انتماؤه خارج دائرة ذاته إلى أسرته وقبيلته وعشيرته، وتنوعت الانتماءات الدينية والسياسية والمهنية وغيرها العديد من الانتماءات التي تمثل جزءا من هوية الإنسان، ولكن يبقى الانتماء إلى الوطن هو الحصن المنيع الذي يجعل الإنسان يقف على أرض صلبة، ويظل ثابتاً مهما كانت المتغيرات، والوطن بكل مفرداته المكان والزمان والثقافة والموروثات والعادات والتقاليد واللغة والدين، قوة هذا الانتماء لهذه المفردات هي العامل الرئيسي لترسيخ الهوية الوطنية، وكانت ولاتزال السبيل الأمثل لتقدم المجتمعات وبناء الحضارات، فالانتماء إلى الوطن يوجد نوعا من الالتزام الأخلاقي تجاه الوطن، ويساهم في تطوير أداء الفرد في كل المجالات من أجل مصلحة هذا الوطن، فالإخلاص في العمل والمحافظة على موارده، والاقتداء برموزه التاريخية، والحرص على العادات والتقاليد الإيجابية، بل كل خطوة يخطوها الإنسان من أجل رفعة وطنه والإعلاء من شأنه، تساهم في تجسيد قيمة الانتماء، وتحولها من مجرد معنى مطلق أو شعار رنان، إلى سلوك محسوس وملموس له آثاره الإيجابية.

تركُ الأولاد للخدم يشتت الانتماء
وتوضح علياء إبراهيم أن الانتماء كونه فطريا ومكتسبا، فهذا يعني أنه لابد من أن يبث في نفوس الأطفال من خلال التنشئة، وهكذا تقول: يقع العبء الأكبر في ترسيخ هذه القيمة على المحضن الأول للطفل، وهو الأسرة التي يجب أن تبث هذه القيمة تدريجياً، وأن يكون الأب والأم قدوة لأبنائهم في ممارسة هذه القيمة، وأن يعي هذا الجيل من الآباء والأمهات أن ترك الطفل للخادمات الأجنبيات، لابد أن ينتج عنه تشتت قيمة الانتماء لدى الطفل، ويساهم في تزعزع هويته، وإذا انتقلنا إلى المؤسسة الرسمية المسؤولة عن استكمال دور الأسرة، وهي المدرسة، فالمناهج لابد أن تساهم في ترسيخ قيمة الانتماء لبيئة الوطن ورموزه ولغته وثقافته، بدلاً من أن توجه انتماء الطفل، وتبهره بالثقافات الغربية، بالإضافة إلى أن أداء المؤسسة المدرسية، يجب أن يعمق قيمة الانتماء لدى الطلاب.

إنسان بلا وطن يعني شعوراً بالضياع
تتحدث علياء عن شعور الأطفال والمراهقين بالانتماء لجزئيات الوطن وتأثيرها على انتمائهم، وتقول: يجب تعميق إدراك الأطفال والمراهقين أن المنزل والمدرسة والشارع والحديقة والنادي والمسجد كلها في النهاية تمثل الوطن بالمفهوم المكاني، وأن الدين واللغة والعادات والتقاليد والتاريخ، هي الوطن بالمفهوم المعنوي والمادي، وإدراك الشباب تدريجيا أن الانتماء ممارسة يومية تساهم في ترسيخ هويتهم وتمدهم بشعور من الأمن والأمان. فالإنسان بلا وطن يتولد لديه شعور بالضياع، ومثل هذا الإنسان لن يستطيع تطوير ذاته أو يساهم في بناء مؤسسة أو تقدم مجتمع، ولأن الطفل يتطور من انتماءات جزئية متمثلة في الأسرة والمدرسة والنادي، حتى يصل إلى الانتماء الأوسع الذي يرسخ لديه الهوية الوطنية، وهو الوطن فإنه يكبر ولديه إدراك أنَّ هذه الانتماءات تعمل مثل الشرايين في الدورة الدموية، ولكي يصل الدم إلى القلب، وهو الوطن، لابد من أداء عال لهذه الشرايين، ولذلك فإنَّ قوة الانتماء تجعل مصلحة الجهة الانتمائية كالمدرسة والجامعة، لديها الأولوية عند المنتمي إليها، وهكذا هو الوطن كلما كان الانتماء إليه قوياً كانت مصلحة الوطن على رأس قائمة الأولويات، وهكذا تتقدم الحضارات، وهنا يحضرني مثال ذكره المؤرخون عن أن أحد أسباب انهيار أقوى امبراطورية في العالم القديم بالمفهوم الحديث، وهي الإمبراطورية الرومانية، يكمن في تراجع قوة الانتماء لدى المواطن الروماني.
تلقي اللوم علياء إبراهيم على وسائل الإعلام في تهديد الشعور بالانتماء، وتقول إن الأفلام الكرتونية والدراما والبرامج التي تغربت أو أصطبغت بالصبغة الغربية ساهمت في تراجع قيمة الانتماء لدى الأطفال والشباب، وتقول: أما النقد الدائم غير الإيجابي لكل ما هو عربي، أصاب جهاز المناعة لدى شبابنا بفيروسات أقوى في انتشارها من أنفلونزا الخنازير، إن الإعلام العربي يجب أن يعي أن الانتماء شعور إيجابي يصل إلى الآخرين. وكذلك عدم الانتماء شعور سلبي ينتشر بين شبابنا بسرعة في ظل انبهارهم بكل ما هو غربي، ولذلك آن الأوان لأن تعي المؤسسات الإعلامية، دورها السلبي الذي ساهمت من خلاله في تراجع قيمة الانتماء. وهنا يجب أن أشير إلى أن تعلم اللغات الأجنبية، واستخدام الاختراعات التكنولوجية الغربية ليس مبرراً لضياع الهوية، إذا امتلكنا جهازاً مناعياً قوياً متمثلاً في قوة الانتماء، وقوة الشعور بالهوية الوطنية، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، شجع الصحابة على تعلم لغات الآخرين، واستخدم المسلمون ما ينفعهم من إنجازات الآخرين، ولم يكن هذا مبرراً لضياع هويتهم، وتراجع قيمة الانتماء لديهم، لأن الحضارات دائما تقع بين تأثير وتأثر.

الهدف الواحد يشعل قوة الانتماء
تضيف علياء: إن أصابع الاتهام الموجهة للغزو الثقافي والعولمة، وتعدد الثقافات، كمتهمين في قضية ضياع الهوية، وتراجع الانتماء لدى الصغار والكبار، هذه الأصابع يجب أن تتراجع، لأن قوة الانتماء والهوية الوطنية يجب أن تحتوي هذه الأمور، وتسمو فوقها، والدليل البارز من خلال تاريخنا الإسلامي، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، عندما هاجر من مكة، وطنه وأحب بلاد الله إلى قلبه، بكى لفراقها ومرض الصحابة لفراقهم وطنهم، ولكن عندما استقروا في المدينة، كوافدين، بالمصطلح العصري، أصبحت المدينة مركزاً لتعدد الثقافات والجنسيات، وأصبحت مركزاً مشعاً للإسلام والحضارة الإسلامية، فالأخوة والتعاون والاتحاد بين المهاجرين والأنصار، ووجود هدف مشترك لدى أفراد هذا المجتمع الجديد، أشعل قوة الانتماء في نفوسهم.



قيم تشجع على الانتماء
وفقاً لعلياء إبراهيم، فإنَّ محفزات الانتماء للوطن، كنشر قيمة التكافل الاجتماعي والعمل التطوعي والعمل الخيري، كلها قيم تحفز وتقوى الشعور بالانتماء، وتدعم البنية التحتية للمجتمع، وتقول عن ذلك: إنَّ وجود مؤسسات تعتني بممارسة هذه القيم تساهم بصورة عملية في تفعيل برنامج الهوية، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان عام 2008، و الذي يجب أن تدرك المؤسسات أنه برنامج مستمر متجدد، ولا يقتصر على عام إطلاقه ويبقى أقوى محفزات الانتماء الوحدة (الاتحاد) أن الوحدة توجد قوة لدى الأفراد وتقوى شعورهم بالانتماء، فتزيد إنتاجياتهم ويتطور أداؤهم، لأنَّ الاتحاد يوجد نوعاً من التجانس بين أفراد المجتمع، فلا هوية بدون مجتمع متجانس، ولا تجانس بدون اتحاد.
ولذلك لا يفوتني بعد مرور 38 عاماً على إعلان اتحاد الإمارات، أن أشير إلى النظرة الثاقبة للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد آل نهيان بإعلان الاتحاد، مدركا أن توسيع دائرة انتماء المواطن من انتمائه لإمارة إلى انتمائه لدولة، وهذا ما استعصى تحقيقه على العديد من الشخصيات على مدى التاريخ، فقد أدرك ببعد نظره أن الاتحاد قوة ومصدر متجدد للانتماء وترسيخ الهوية، ولا ننسى قول الشاعر:
“ تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً ... وإذا افترقن تكسرت أحادا”

اقرأ أيضا