الاتحاد

دنيا

مشير الحسن: الكتابات البريطانية شوهت صورة الإسلام لترسيخ أحقية الانجليز في حكم الهند

مسلمو الهند قوة رئيسية لايستهان بها

مسلمو الهند قوة رئيسية لايستهان بها

يرفض مشير الحسن مؤلف كتاب «مسلمو الهند بين التطرف والاعتدال»، التعميمات الرائجة التي تقسم المسلمين إلى «مسلمين أخيار» و»مسلمين أشرار» كما يرفض مقولة صراع الحضارات، منطلقاً من أن المسلمين في الهند هم جزء أساسي من المجتمع الهندي، ومن وعيه الاجتماعي والتاريخي


يستند مشير الحسن في كتابه «مسلمو الهند بين التطرف والاعتدال» إلى آراء وكتابات مفكرين متنورين مسلمين من أمثال عزيز أحمد ومحمد مجيب والشاعر الفيلسوف محمد إقبال الذي قال في مطلع العام 1930: «لا نبالغ إذا قلنا إن الهند هي الدولة الوحيدة في العالم التي أدى فيها الإسلام دوره كقوة بنّاءة للناس». وبالرغم من ذلك نشر كتاب قبل بضعة سنوات يشتمل على باب بعنوان «اهتمام الغرب بالإسلام» لم يأت على ذكر تاريخ مسلمي الهند ومشكلاتهم المعاصرة. وهذا مثال على كيفية رؤية مؤرخي القرن الحادي والعشرين للعالم الإسلامي.
ويسعى الكاتب إلى تناول أحوال المسلمين الهنود ويقدم نظرة إلى بعض مظاهر ماضيهم وانعكاسها على المجالات الراهنة، بحيث يبقى هذا الموضوع مجالاً مفتوحاً للبحث الدائم بهدف تفهم فعالية السياسات التي اتبعها هؤلاء المسلمون والتغيرات التي طرأت عليهم. ويؤكد الحسن أنه يسعى إلى وضع حد للإهمال الذي يتعلق بمكانة الإسلام في الهند، خاصة في القرن الواحد والعشرين. ويشدد على ضرورة التعايش معه باعتباره ظاهرة سياسية حقيقية، وذلك يتطلب تقديم تاريخ الإسلام بطريقة مغايرة لا تجعله ماضوياً، اعتماداً على فهم الحاضر والتطلع الحقيقي لمواجهة المستقبل.

الوعي الشعبي
يحاول الحسن توضيح رؤية معينة للإسلام من خلال الأشكال المختلفة له بدلاً من تلك الوجهة المخيفة المنتشرة في الوعي الشعبي، أي ذلك الإسلام الذي يتعايش مع المعتقدات الأخرى، والذي يعد فيه المسلمون ورثة للحضارة الهندية العظيمة. ويلفت إلى سلسلة كتب «دراسة الإسلام» التي أصدرتها جامعة أدنبرة في العام 1969 بهدف التصدي للإهمال النسبي الذي يطاول إنجازات الاسلام في شبه القارة الهندية، حيث وصف دبليو. وات مونتجومري المحرر الرئيس لتلك السلسلة، منطقة جنوب آسيا بأنها «ليست مجرد جبهة للإسلام فحسب، بل هي عنصر مكمل من العالم الإسلامي»، مضيفاً أن الإسلام الهندي سبق وأن كان قلب المنطقة في استقبال التأثير الأوروبي والتجاوب معه، وهو ما أدى إلى وجود قدر عال من الاهتمام الأكاديمي به. كما يذكر المؤلف قول فرانسيس روبنسن أن مسلمي الهند كانوا فريدين في شدة وعيهم بالهوية الذاتية، وكانوا بارزين في تطويرهم هوية سياسية منفصلة، وقد اشتهروا على الأقل في أوائل عشرينيات القرن الماضي بإعلاء أصواتهم تأييداً لمصالح وقضايا إسلامية عامة.

صنّاع الإسلام
على الرغم من وجود تعداد هائل وحجم نشاطات ثقافية مختلفة لمسلمي الهند، حسبما يقول منير الجن، فإن العرب هم الذين يشكلون حتى الآن الجوهر الحقيقي للإسلام، وتوصف الشعوب العربية بأنها صنّاع الإسلام المعاصر، وهم وحدهم يمثلون الأصوات الجديدة للإسلام. ويوضح الحسن أن هذا ليس بالاتجاه الجديد، لأنه غالباً ما يقال إن التراث الكلاسيكي للإسلام يبقى خارج التاريخ الهندي. ويستشهد على ذلك بقول نيراد تشودري، وهو من المثقفين المخضرمين حيث قال إن الهندوس البنغاليين من الطبقة العليا تجاهلوا النتاج الثقافي للمسلمين حتى أصبحت النتائج السياسية لذلك تهددهم بوضوح. وزاد على ذلك أن المستشرقين ارتكبوا خطأ كبيراً بتركيزهم على قلب المنطقة العربية بدلاً من الهند وكأن الاسلام الهندي لا يعد جزءا من الحضارة الإسلامية العظيمة المتمركزة في الشرق الأوسط، ويقف تصوير المسلمين في الأعمال الأكاديمية حول الهند، عند حد تصوير قصة سقوط المغول، من دون تصوير مجتمع مثقف ومتسامح من نواح عدة.

الدلالة الثورية
عمد الهندوس إلى تجاهل «الدلالة الثورية الهائلة» للإسلام وذلك التنوع في الروح الإسلامية، على الرغم من أن المسلمين اتخذوا الهند موطناً لهم وشكلوا عنصراً مكملاً في المجتمع، وهو ما جعل من التأييد الهندوسي الإسلامي المشترك واحدا من أهم عوامل بقاء سلاطين دلهي (1206-1526) والمغول (1526-1857).
ويلفت الحسن إلى أن بعض الكتابات البريطانية أدت إلى تشويه صورة الإسلام بهدف ترسيخ أحقية البريطانيين في الحكم، وذلك من خلال ذكر بعض الأعمال الشريرة التي ارتكبها بعض الحكام المسلمين الذين سبقوهم. وهذا بدوره جعل الأدباء الهنود يتبنون نظريات نسجت حول هذه الأجندة، ووضعوا الإسلام خارج إطار دراستهم وحوّلوا العملية التاريخية بأسرها إلى نظرية مجردة متجذرة في استبعاد الحكام المسلمين وتطويقهم الثقافة الهندوسية وتدمير الوحدة المقدسة للوطن الأم.

التمثيل السلبي
ساهمت طباعة الكتب والكتيبات في التمثيل السلبي للإسلام وتثبيت وجهة النظر القائلة إن الهندوس والمسلمين يختلفون بعضهم عن بعض أشد الاختلاف، ويستحيل أن تنشأ بينهم علاقات متبادلة. أما أولئك الذين حاولوا الوقوف في وجه الحكم الإسلامي فيعتبرون من الفاضلين.
ثم يعرّج الكاتب على استعراض المتاعب الناجمة عن تصوير مجتمعات المسلمين في ماضيهم وتشكيلاتهم الحالية المعاصرة، والفتن التي شهدتها الهند وسلسلة الأحداث المنسجمة مثل هدم المسجد البابري في 6 ديسمبر 1992، وكارثة جوجرات خلال فبراير ومارس من عام 2002، لافتاً إلى وجهة النظر التي بلورتها ووسائل الإعلام عن الاسلام وتفسيرها له على أنه بديل مضاد للغرب، والمخاوف التي أبدتها وسائل الإعلام هناك عن نظريات صراع الحضارات وأولوية الجهاد عند المسلمين المعاصرين، والجذور النظرية للإرهاب السياسي الإسلامي. الأمر الذي حدا ببعض المؤرخين الجادين إلى تبني رؤية نمطية خاطئة عن الإسلام، معتمدين على الملاحظة بدلاً من الأدلة التجريبية المنهجية.

القومية والطائفية
يقول المؤلف: «بما أن الهند ليست مركزاً للإرهاب الجهادي ولا ساحة حرب حول مستقبل الإسلام، نجد هؤلاء المؤرخين لا يبدون أي اهتمام بهوية الهند الحضارية التي هي ضد الحكم الأحادي سواء كان هندوسياً أم إسلامياً، ومن ثم تصبح هذه الممارسة مفهومة، خاصة في ضوء فكرة القليل جداً التي برزت خلال العقود القليلة الماضية».
ويوضح أن تصوير المجتمعات الإسلامية في الهند، وهذا الشكل وبأنهم منعزلون ومنغلقون، وفي ذات الوقت ظهور كتابات مختلفة في منتصف القرن العشرين حول القومية والطائفية، وحول سياسة الهوية والإصلاحات الاجتماعية مثّل انعطافة حادة عن أسلوب التفكير المركّب الذي شكّل بنية الفكر في القرون الوسطى، لافتاً إلى أن ذلك أثار هياجاً ملموساً في تفكير المسلمين في الهند.
ثم يدلف الحسن إلى ما يراه مراجعة لملامح الأخطاء التاريخية التي ساهمت في خلق فجوة ومن ثم تعيقها بين المسلمين والطوائف الأخرى الموجودة في الهند، وعلّ أبرز هذه الملامح ما يشير إليه بي. آر ابيدكر (الشخص الذي لعب الدور الرئيسي في صياغة الدستور العلماني للهند المستقلة) حيث قال: «هل هناك أي سوابق تاريخية مشتركة يمكن أن نقول على أساسها إن الهندوس والمسلمين قد تشاركوا في أمور من الفخر أو الحزن؟ ففي هذا الجانب من علاقتهم ما زالوا فريقين مسلحين متحاربين، ولم يكن هناك دورة من الانجاز المشترك بينهما، فماضيهم عبارة عن ماضي الدمار المتبادل، ماض من العداء المتبادل في كل من المجالين السياسي والديني».

شعر ملهم
الخطأ الذي وقع فيه امبيدكر ودفعه إلى تأييد فكرة الدولتين لفصل المسلمين عن الهند، هو استناده لآراء «باتي برمانتد» (1876 - 1947) الذي اشتهر بعدائه للمسلمين. ومن الذين ساهموا في هذا الخطأ التاريخي وأدى إلى فصل المسلمين الهنود في دول مستقلة، حسبما يقول الحسن الشاعر محمد إقبال الذي حرّض أتباعه من خلال صوره ورموزه واستعاراته الإسلامية على تأسيس دولة باكستان، ووفرت شهرته فكرة رائعة وخيالاً من المشاهد الوهمية التي وجد فيها بعض المسلمين صورتهم وكان هذا الخيال مصحوباً بومضات من الاستشهاد المثالي من الماضي، وألهم اليقين والاعتزاز والثقة في التراث الإسلامي، وأكد على فاعلية القوة الاجتماعية في الإسلام الذي أقام المساواة بين الثري والفقير والعربي والعجمي بدل التركيز على الطقوس والتقاليد الجافة التي ينصب فيها اهتمام المتخصصين في الدراسات الإسلامية. وفي هذا الوضع الذي كان يعيش فيه المسلمون من الطبقة الوسطى في اضطهاد استعماري وفي منافسة مع غيرهم فقد أثار شعر إقبال البليغ طموحات جديدة.

الهند الكولونيالية
ينتقل المؤلف إلى الحديث عن العناصر المتعددة التي تأثر بها المسلمون في المناطق التي تبنوا فيها الممارسات الاجتماعية والثقافية المختلفة، التي يرجع أصلها إلى ما قبل الاسلام، ويشير إلى الهويات المتقاطعة مثل الطائفة والطبقة الاجتماعية أو الدين، جاذباً أعضاء المجموعة في اتجاهات مختلفة.
وكذلك يتطرق إلى الممارسات الاجتماعية والثقافية ومعانيها وتفسيرها عبر المناطق المختلفة، وأيضاً ضمن كل واحدة منها. كيف تموضع المثقفون المسلمون البارزون في داخل الهند الكولونيالية، كيف بنوا الإسلام؟ كيف فهموا أنفسهم بصفتهم مسلمين وهنوداً يعيشون في الهند البريطانية؟ وما هي الطرق التي اتخذوها للتفاوض مع الحكومة؟ وكيف أبرزوا ارتباطهم بالتقاليد الدينية والثقافية الأخرى؟ ومن خلال الإجابة على هذه التساؤلات، يبين المؤلف الكثير من حقائق الوجود الإسلامي في الهند، مؤكداً أنهم جزء مهم وحيوي ومكمل للنسيج الاجتماعي والتاريخي الهندي، حتى وإن سعى البعض إلى وضع صورة مغايرة لتلك الحقيقة، وهو ما يتضح عبر القراءة المتأنية لصفحات الكتاب.




القوى الصامتة
«في حين تشاجر الملوك ودمّر بعضهم بعضاً عملت القوى الصامتة في الهند من دون هوادة على خلق تركيبة يتسنى للشعب الهندي أن يعيش فيها معاً في انسجام ويكرّس قدراته في التقدم والتحسن وبمر القرون حقق نجاحاً كبيراً».
جواهر لال نهرو
محاولة صادقة
«بما أننا أعددنا أنفسنا للمغامرة فلا نهاية لما نستطيع أن نكتشفه في الهند. وليس من الضروري أن يكتشف جميعنا الأشياء نفسها أو نتبنى جميعاً الأسلوب نفسه لنواجه التحدي القائم أمام تفاهمنا، إلا أن كل محاولة صادقة لاكتشاف أسرار الهند والاطلاع على خفاياها الفكرية والروحية سوف تسهم في إثرائها».
المؤرخ محمد مجيب

اقرأ أيضا