الاتحاد

دنيا

خيول البادية السورية الأصيلة تسهم في تحسين سلالات الخيول الأوروبية والروسية

 الخيول العربية تمتاز بالرشاقة ونضارة الجلد

الخيول العربية تمتاز بالرشاقة ونضارة الجلد

الأدهم من أشهر ألوان الخيول الأصيلة

الحصان العربي ابن أصيل للبادية العربية، وله في بادية الشام السورية حكايات وتقاليد وحضور، حتى أنه يشكل جزءا من تاريخ سوريا وثقافتها، وهو لا يقل أهمية عن آثارها التاريخية العظيمة مثل تدمر وقلعتي دمشق وحلب وأفاميا.


عمّار أبو عابد (دمشق) ـ طالما وجدت البادية سيبقى الحصان العربي الأصيل موجوداً، لأنها المهد الحقيقي لهذا المخلوق النبيل الذي يملك تركيبة وراثية ترتبط ببيئة البادية السورية، فهو نتاج للوراثة والبيئة معاً، وبذلك حافظ على نقاء دمه وصفاء نسبه. لكن الحاجة للحصان في البادية قلّت منذ زمن، واستعيض عنه بالسيارات والآليات، وعلى مدى عقود تمّ استنزاف خيول البادية الأصيلة ونقلها إلى بلدان أخرى، كما فعلت الأمراض فعلها فيها بُعيد منتصف القرن الماضي، وأدت قلة الأنشطة والمهرجانات المرتكزة على الحصان إلى عدم الجدوى الاقتصادية من اقتنائه، وبدأ يسير نحو الانقراض، حتى كاد أن يتحول إلى ذكريات من الماضي.

تراجع ونهوض
يقول الدكتور أكرم درويش أستاذ التاريخ: «تضاءل الاهتمام بتربية الخيول في النصف الثاني من القرن العشرين في سوريا، بسبب سيطرة الآليات، حيث تراجعت أعداد الحصان العربي بشكل ملحوظ في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من 46 ألفاً إلى حوالي 25 ألف رأس، ويشير أحد الباحثين إلى أن مرض طاعون الخيل في ستينيات القرن الماضي قضى على أعداد كبيرة من هذه الثروة الثمينة، حتى أن الحصان الأصيل لم يعد موجوداً كجزء من التنوع البيئي الحيوي للبادية لدى هواته ومحبيه من البدو». إلا أن درويش يؤكد أن الحصان العربي الأصيل في سوريا تجاوز مرحلة الانقراض، وفي الواقع فإن الاهتمام الرسمي والشعبي عاد ليركز على الحصان العربي منذ أكثر من عشرين عاماً، مع تأسيس مكتب الخيول العربية في وزارة الزراعة، ويمكن القول إن صدور كتاب الأنساب الأول للخيول الأصيلة عام 1989 عن هذا المكتب كان بداية تاريخ جديد للحصان العربي، كما تم تأسيس الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة، وأنشئت مزارع حديثة للتربية، كما أقيمت مضامير للسباق، وبدأت سوريا تشهد سباقات ومهرجانات وأنشطة متنوعة للخيول، كما بدأت الدولة بتقديم الدعم لمربيها.

أصالة وقوة وجمال
يعتبر الحصان العربي من أقدم سلالات الخيل في العالم، وهو يمتاز بجماله وقوته وشجاعته ووفائه، ويتميز بأصالته ونسبه الصافي المحفوظ أباً عن جد. ويتصف بالقوة والرشاقة وحسن القوام وتناسق التكوين ونضارة الجلد ونعومته وحسن الحركة وجمال الطبع، ورأسه متوسط الضخامة، وعيناه كبيرتان صافيتان، وأذناه منتصبتان قويتا السمع، وجبهته عريضة مسطحة. كما يتمتع بضخامة في القفص الصدري، مما يساعد على استنشاق أكبر كمية من الأوكسجين إلى الرئتين دفعة واحدة، الأمر الذي يساعده على الفوز في السباقات الطويلة، وهو ذكي يعرف صوت صاحبه، ويتذكر الأماكن التي يعيش فيها، ووفي لفارسه وعاشق للموسيقى.
وأشهر ألوان الخيول العربية الأصيلة هي الأشهب، والأشقر، والأسود (الأدهم)، والأحمر، والأصفر، والأبيض وهو قليل. ويتشدد العرب في حفظ أنساب خيولهم الأصيلة التي حددوها في ستة عشر أصلاً هي: الكحيلة، الدهمة، المعنكية، الشويم، الصقلاوية، الجلفة، المرجية، الخلاوية، كروش، أم عركوب، الحيفية، النواكية، التامرية، الحمدانية، العبيات، الخدليات. وفي الوقت الحاضر، فإن كتاب الأنساب السوري يذكر 16 جداً من ناحية الأب و16 جداً من ناحية الأم، وكل حصان ينسب إلى أسرته، وهناك شجرة عائلة محفوظة لكل جواد أو فرس.

نظام صارم
منذ القدم حرص العرب على صفاء نسب خيولهم، وحفظوا أصولها عن ظهر قلب، وكانوا لا يسمحون لفرس أصيلة أن تحمل إلا من فحل أصيل وتحت شروط صارمة، حيث يحضر الولادة الملاكون وشهود موثوقون. وعندما أدت الفتوحات العربية إلى احتكاك العرب بالشعوب الأخرى، حرصوا على منع دخول أي دم غريب لسلالات خيولهم، وأوجدوا أول نظام لحماية نسل الخيل. وقد حدد هذا النظام سبعة خيول أصيلة صافية أعطي كل منها لقباً يدل على صفة خاصة فيه وهي: كحيلة ذات العين السوداء، شويمة كثيرة الشامات، الهدباء الفرس التي تعدو ببطئ، الدهماء الفرس شديدة السواد، العبية الفرس التي تملك أبو كعب في ذيلها، معنقية الفرس ذات العنق الطويل، الصقلاوية وهي الفرس الناعمة الجسم.
وللتحقق من أصل وصفاء الفرس يجب ربط نسبها بإحدى هذه السلالات، ونسبها أيضاً إلى المالك المربي. وفي الوقت الحاضر فإن طرق البدو في الانتخاب والانتقاء والتزاوج لا تزال سائدة، فهم يفضلون لفرس أصيلة خياراً محدداً من الأفحل الأصيلة، وعند الولادة يحضر شهود موثوقون ومندوب عن مكتب الخيول العربية، يسجل صفات المهر والاسم الذي أطلق عليه واسم أبيه وأمه وأجدادهما، ثم تأخذ عينة من دمه ترسل إلى مختبر في ألمانيا معتمد من قبل المنظمة العالمية للخيول العربية للتأكد من أن دمه صاف، وعند ثبوت ذلك يتم وشمه على عنقه.

تحسين النسل
إن صفات الحصان العربي الأصيل ونقاء دمه واحتفاظه بنسبه وأصوله، بكل ما لها من مميزات جعلته محط أنظار العالم، لاسيما من محبي الخيل وقادة الجيوش والنبلاء والملوك، فكان لهذا الحصان دور رئيسي في تطوير سلالات الخيل العالمية، وقد كانت سوريا مقصداً للعديد من المهتمين بالحصان العربي الذين نقلوه إلى أوروبا، ولعل مثال الحصان العربي «دارلي» خير شاهد على ذلك، فهذا الحصان كان من خيول عشيرة «الفدعان» السورية واشتراه القنصل الإنجليزي في مدينة حلب توماس دارلي وأرسله إلى انجلترا ليصبح أهم الفحول المؤسسة لسلالة الحصان الإنجليزي الأصيل «الثوروبريد» والتي تعتبر اليوم أفضل خيول السباق في العالم.
أما الحصان السوري «شاغيا» فهو الجد الأول للسلالة الهجينة المسماة باسمه في المجر، أما الحصانان السوريان مسعود وأصلان فهما مؤسسا خيول «الأنجلو أراب» في فرنسا، وكذلك الحصان «أسوان» الذي أسهم في تحسين الخيول في روسيا، وهو ينحدر من نسل الحصان «نظير» ومن نسل الفرس «فينوس» وهي واحدة من خيول عشيرة شمّر السورية. ومن الثابت تاريخياً أن الحصان العربي السوري الأصيل نقل إلى روسيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا وبولندا. كما أن الحرس الوطني الفرنسي ابتاع خيولاً عربية من سوريا، وأشهر هذه الخيول الفحل «سبأ».
وإذا كان الأوروبيون وغيرهم يهتمون بالحصان العربي ليس على سبيل اقتنائه وحسب، بل ولتهجين خيولهم أيضاً، فإن لهواة هذا الأصيل هدفاً آخر الآن، فالباحثون السوريون بدؤوا العمل في بحوث حول دراسة DNA لبعض أرسان الخيول العربية، كما تجري أبحاث أخرى لتحديد 16 قياساً للحصان العربي الأصيل، كما تتضمن البحوث السورية الحديثة دراسات حول المعالم الوراثية للحصان العربي في سوريا، وتهدف إلى توصيفه وتصميم برنامج حاسوبي لأغراض التحسين الوراثي للخيول العربية.




نابليون يشهد للحصان العربي
يذكر المؤرخون والمهتمون بالخيول الأصيلة أن نابليون انطلق في حملة على الامبراطورية الروسية بما يزيد على مائتي ألف جواد، لم يرجع منها سوى 1500 جواد كلها عربية، ومن بينها جواد نابليون نفسه. وهو ما دفع ملك روتنبرغ في ألمانيا إلى القول «إن الجواد العربي أحسن من الجواد الإنجليزي لتحسين كل أنسال الخيل، لأننا بالجواد العربي يمكننا الوصول إلى صنف مميز من النقاء والقوة». ومنذ هزيمة نابليون وانتصار الجواد العربي، بدأ الاهتمام الأوروبي يتزايد ويشتد به.

كتب الأنساب ترصد تزايد الخيول
صدر كتاب «الأنساب» الأول عن مكتب الخيول العربية في وزارة الزراعة السورية وفق نظام المنظمة العالمية للجواد العربي عام 1989، وبدأت الخيول الأصيلة بالتزايد، فتضمنت كتب الأنساب التالية مواليد السنوات اللاحقة، ويقدّر الآن عدد الخيول الأصيلة المسجلة في كتب الأنساب بحوالي أربعة آلاف رأس. ورغم أن هذا الرقم يعتبر متواضعاً أمام عشرات آلاف الخيول الأصيلة التي كانت تعيش في البادية السورية، إلا أنه يعتبر بداية لنهوض جديد، ولإحياء الحصان العربي في بيئته الطبيعية التي حفظت نسبه ودمه وكانت مهده الأول

اقرأ أيضا