الاتحاد

دنيا

هل صحيح أن «كل فرنجي برنجي» وأنَّ الأجنبي رائع مهما فعل؟

يسير الناس وراء أهدافهم

يسير الناس وراء أهدافهم

«أنا أعبر عن رأيي إيماناً مني أن الدولة تكفل هذا الكلام فعلياً ودستورياً»، هكذا كانت بداية الحديث مع عامر، على الرغم من تفضيله عدم ذكر اسمه كاملاً. عامر هو الذي تطرق إلى موضوع ازدياد نسبة الكوادر الأجنبية والعربية في دول الخليج بشكل عام، على أنه حديث الساعة على طاولات المقاهي وفي جلسات الأصحاب والزملاء... ويشير إلى أن دول الخليج تحتاج إلى الكوادر الأجنبية الخبيرة والكفوءة، لكن بعض هذه الكوادر يأتي ويذهب من دون أي فعل على الأرض.
في لبنان ثمة مثل شائع يقع ضمن الكوميديا السوداء يقول «كل شي فرنجي برنجي»، ومعناه أن كل من وما يأتي من الغرب يجب أن يكون جيداً... وفي المثل دلالة على عقدة نقص سادت لفترة طويلة في لبنان، وفي معظم الدول العربية حيال «الأجنبي» المعرّف بأنه «المتطور والمتقدم والفاهم»، مقابل العربي المتأخر والمتخلّف في صورة عزّزها الإعلام العالمي كانت إلى أمد قريب، لا ترى العربي إلا في خيمته في الصحراء تتغيّر الدنيا حوله، وهو لا يزال يراوح مكانه باكياً على الأطلال، وبقيت هذه الصورة حتى في الذهن العربي، وإن غابت الخيمة عنه، واندثرت فكرة الأطلال مع انتهاء مرحلة التنقل بحثاً عن الواحات.

حكاية تروى
تتناقل الأخبار على الطاولات وفي جلسات الأصحاب والأقارب، منها أن الموظف «فلان» اللبناني الجنسية كان يعمل في أحد المصارف في السعودية براتب معين، سافر إلى كندا ونال الجنسية الكندية ليعود إلى المصرف نفسه براتب أعلى ومنصب أفضل، على الرغم من أن تحصيله العلمي لم يطرأ عليه أي تغيير.
مهندس عربي يعيش في أميركا، عرض عليه عمل مناسب جدا في واحدة من الدول الخليجية، فحزم أمره وسوّى شؤون عائلته كي تنتقل معه مفضلاً العيش في دولة خليجية قريبة من بلده الأم على العيش بعيداً في أميركا، وكان قد اتفق مع الشركة التي ستشغله وهي شركة خاصة، على أدق التفاصيل، ولم يبق سوى تواجده في الدولة حيث سيعمل والتوقيع على العقد النهائي ليباشر العمل. يقول:»اسمي في الأساس يوحي بأني أجنبي، ولكن اسمي الكامل يظهر اسماً عربياً، ما استدعى أحد الإداريين في الشركة أن يدقق في الأمر ويسألني إن كنت من أصل عربي فرددت بالإيجاب وكان ما كان».
وما كان، أن هذه الشركة بدأت بتغيير التفاصيل، فبعد أن كانت هي التي تؤمن له منزلاً وسيارة بات عليه هو أن يؤمنهما براتبه الأساسي، كما عرض عليه العمل نفسه إنما براتب أقل بكثير مما كان متفقاً عليه، فتساءل إن كانت الخبرة والكفاءة والتحصيل العلمي هي الأساس في التقدم إلى وظيفة، أو الباسبور الأجنبي الذي أضاف عليه عبارة «أصيل».
ويقول عامر:»نشعر في الخليج أن من يمتلك زواج سفر أجنبياً، لديه مميزات وفوائد ليست لدينا كمواطنين في الدول الخليجية، وأتصور أن هذا واضح ونسمع به جميعنا».
وتعلّق المهندسة نورا التي فضلت بدورها عدم اعطاء اسمها كاملاً لتتحدث بحرية عن الموضوع، بالقول أن الدليل على ذلك لجوء العرب إلى نيل جنسيات أجنبية والعمل في الدول الخليجية من أجل نيل مكتسبات أفضل.

عقدة الخواجة
أما لماذا هذه المميزات، فيقول عامر:»أتصوّر أننا كمجتمعات عربية لا نزال نعاني من عقدة «الخواجة»، ومعظم دولنا لم تتخلص حتى الآن من هذه العقدة. وهي بنيت أساساً على اعتبار وهمي يقوم على أن كل ما هو قادم من الغرب يمتلك الخبرة المعرفية والعلمية المتقدمة كما هي بلدانهم».
وفي المقابل، يرى أن «ما حققته بعض الدول العربية القليلة يراها هؤلاء بعين من الانبهار، في حين يسوق البعض على أنها طفرة من المنجزات». ويضيف:»حيال هذا الواقع، أنا أو أي مواطن حريص على المكتسبات الوطنية سيشعر بالحرقة حين يتقاضى أي أحد راتباً من غير مقابل يقدّمه سواء كان أجنبياً أو مواطناً».

الجواز أولاً
لم تنف نورا أنها نفسها تعرضت لتقييم أحد الكوادر الأجنبية، ولم تكن النتيجة كما توقعت، مشيرة إلى أن ثمة أجانب لا يقومون إلا بتغيير ديكورات مكاتبهم، بينما تقع مسؤولية العمل على الموظفين.
وتقول:»في البداية كان هناك لجوء إلى الكوادر الأجنبية والعربية على السواء، إنما على أساس الكفاءات... وعلى سبيل المثال لا الحصر كان يهمّنا استقدام مدرسين من دول عربية وأجنبية، ولكن حين نحقق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال تنتفي الضرورة لاستقدام الأجانب بهذه الأعداد، خصوصاً أن الدولة أولت عنايتها في تأهيل مواطنين لتولي عملية التعليم».
وتضيف:»لا بأس باللجوء إلى الكفاءات لتلبية حاجة لدينا ولكن من غير المقبول الإتيان بالأشخاص غير الكفوئين وتعيينهم في مناصب ليسوا لها ولا خبرة لهم في مجالها إلى درجة أن تعيّن عارضة أزياء لتدير مشروعاً تطويرياً في إحدى الشركات الخاصة».
وتحتد قائلة:»لا أسمع إلا بمديرين أجانب يستقدمون إستشاريين أجانب، والشركات تدفع لهؤلاء كي يقرروا سياسة الشركة ويقبضون الفلوس ويغادرون، والمقيم الأجنبي، بعد أن يتقاعد في بلده، يتشبث بالعمل هنا من دون أن يدفع الضرائب ويؤمن وضعه... وهذا ليس بالأمر السيء، لو أنه كان من ذوي الكفاءات أو أنه يقوم بمهامه. وكما أشرت بتنا نستقبل استشاريين ونودّع استشاريين يقيّموننا ويفنّشونا ويرحلون».
وأردفت:»بات جواز السفر الأجنبي حماية لهم فحتى العربي يتلطى خلف جواز السفر الأجنبي إذا كان يمتلكه، فالعربي الذي نال جنسية أجنبية يأتي الخليج بالشروط الأجنبية الأكثر ملاءمة له من أية جنسية أخرى».

الطموحات مادية
مايكل (اسم مستعار لموظف أجنبي) لم يتردد بالقول بأن قدومه للعمل في عدة دول في الخليج كان لسبب مادي صرف، وليس لطموح شخصي مهني، غير أنه أردف في المقابل أنه «في البداية، حاولت أن أعمل وفق ما يمليه عليه ضميري إلى أن اصطدمت بالجو العام الذي يفرض بقاء الأمور على حالها وعدم التقدم. اعتقدت أن المسألة قضيتي، وعليّ أن أحارب من أجل تغيير هذه الاستراتيجية في الشركة، وريثما تقبّلت الوضع لأنني رأيت أن وضعي بات مهدداً ولا أريد أن أخسر وظيفتي التي أتيت لتأديتها بسبب المال، وإلا لما تركت نيويورك لأعيش بعيداً عن عائلتي كل هذه المسافة. اليوم لا أقوم إلا بما يطلب مني تحديداً وبالأسلوب الذي تعوّد عليه جميع الموظفين في الشركة، وإن كنت في أعماقي أعرف أن هذا الأسلوب ليس بالصحيح أو على الأقل أن ثمة هناك ما هو أفضل».
يرى مايكل أن من يأتي إلى أية دولة خليجية معتقداً أنه سيحقق ثروة ويرحل مخطئ تماماً، لأن ثمة ما عليه أن يقدمه في المقابل وخصوصاً إذا كان في مجال التعليم، ويتحدث عن معلمة أجنبية مثله باحت له أنها تضع درجات عالية للمواطنين في الصف، ولا يهمّها تطور التلميذ الفعلي، وأن بعض الأهل يعرفون وبعضهم الآخر لا يعرفون.
وقد تحدثت نورا عن هذه المسألة التي واجهتها، وقالت:»راجعت المعلّمة وسألتها عن السبب فقالت لي أن من سياستها في التعليم عدم رسوب أي تلميذ. كيف يعرف الأهل أو التلميذ نفسه أن عليه أن يجتهد أكثر؟ إنهم يخطئون في تقييمنا، نحن نريد النجاح بقدراتنا وليس بقدرات أي أحد آخر».

سؤال الكفاءة
يقول مايكل:»من حق أي إنسان يترك بلاده من أجل عمل طلب من أجل القيام به أن يتقاضى مرتبا مناسبا وإلا لن يترك مكانه، ولكن عليه أيضاً أن يقوم بعمله المطلوب منه، غير أن بعض زملائه قدموا إلى دول الخليج اعتماداً على معارف شخصية، وهم ليسوا بالضرورة أكفاء في بلادهم الأم، كما هو الاعتقاد السائد في البلدان العربية».
وفي هذا الإطار، يقول عامر:»نحن، كأبناء لهذه المنطقة، باعتقادي الشخصي، مدركون لحاجة الدولة إلى الكوادر الأجنبية لتساعد في بناء المؤسسات الموجودة. ولكن... يساورنا الاعتقاد بأن بعض هذه الكوادر تفتقر إلى الكفاءة التي نحتاجها، أو أننا في حاجة إليها، كما نعتقد أنه آن الأوان للتأكد من قدر الاستفادة من تلك الكوادر، أو بالأحرى إلى التدقيق أكثر فيما قد نحتاجه لهذه المرحلة يعدّ ضرورة ملحّة كي نحافظ على إنجازاتنا الوطنية».

اقرأ أيضا