الاتحاد

قطر.. تنتحر

طرد قطر من مجلس التعاون أول وليس آخر القرارات

عمار يوسف (الرياض)

مع قرب انتهاء مهلة العشرة أيام التي منحتها الدول الأربع المقاطعة لقطر للرد على المطالب التي تقدمت بها السعودية والإمارات والبحرين ومصر وتنتهي يوم غدٍ الاثنين، توقع خبراء ومحللون سياسيون أن تستمر قطر في المراوغة واللعب على أوراق دولية بهدف إدخال المنطقة في تحالفات إقليمية ودولية معقدة، من خلال محاولاتها البائسة لتدويل ازمتها وفقاً لذات السياسة التي اتبعها النظام السوري، مؤكدين أن الأيام ستكشف أمام الجميع كيف كانت قطر تمثل بوابة لطموحات قوى إقليمية ودولية في جسد الوطن العربي المريض.

وأوضحوا في تصريحات لـ «» أن الساعات القليلة القادمة ستشهد ارتفاعاً في وتيرة الزيارات والاتصالات بين قادة وكبار مسؤولي الدول المقاطعة مع اقتراب انتهاء المهلة، مرجحين أن طرد قطر أو تجميد عضويتها في منظومة مجلس التعاون الخليجي سيكون أحد أبرز القرارات التي ستتخذها الدول الخليجية المقاطعة.

وأكد اللواء المتقاعد أنور عشقي رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية بالسعودية، أنه رغم أن المهلة الخليجية أوشكت على الانتهاء، إلا أن قطر لم تستفد منها، حيث ظلت تناور طوال الوقت، وتراهن على خيارات إقليمية كإيران وتركيا وأخرى دولية، كما أنها سبق أن تهربت من التوقيع على التقرير الخاص بأعمال اللجنة التي كلفت بمتابعة تنفيذ اتفاق الرياض الذي وقعه أعضاء المجلس الوزاري للدول الخليجية الست في أبريل الماضي.

وأضاف «في حال انقضاء مهلة الـ 10 أيام من دون تلبية المطالب الـ13، فمن المؤكد أن تتخذ الدول المقاطعة لقطر حزمة جديدة من التدابير الإضافية التي من شأنها زيادة عزلة الدولة والتضييق الاقتصادي عليها، مثل تخيير الشركاء التجاريين الدوليين بين التعامل مع قطر أو التعامل مع الدول الأربع المقاطعة، ما من شأنه سحب نسبة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية في قطر ويؤدي إلى خروج اغلب الشركات الأجنبية منها».

وقال عشقي، وهو خبير استراتيجي سعودي بارز على المستوى الدولي، إن الموقف الخليجي الصارم تجاه قطر هذه المرة قد أصابها بدوار سياسي قوي جعلها تترنح بين قوى إقليمية وأخرى طامعة في الغاز القطري وفي خيرات ومكتسبات شعب قطر الشقيق، مشيراً في هذا الصدد إلى الانتهازية السياسية التي أبدتها كل من أنقرة وطهران للتكسب من الأزمة ولتحقيق أجنداتها السياسية المتناقضة بين طموحات الإمبراطورية العثمانية والفارسية.

وأشار إلى أن تأكيدات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، أن الدول العربية التي اتخذت قراراً بمقاطعة الدوحة لا تنوي التفاوض معها بشأن قائمة من 13 مطلبا لإنهاء المقاطعة، وأن قائمة المطالب ليست «قابلة للتفاوض» يجعل خيارات الدوحة محدودة جداً، ربما تتمثل فقط في جدولة هذه المطالب بهدف تنفيذها في حال انصياع الدوحة ورغبتها في العودة إلى بيتها الخليجي.

من جهته، قال عضو مجلس الشورى السعودي السابق والمحلل السياسي د. محمد آل الزلفة، إن قطر لم تبد حتى اليوم أي دلائل تشير لأي تجاوب يتيح مفاوضات تنتهي باتفاق يضع حداً لأزمتها التي تعد أسوأ أزمة دبلوماسية تشهدها منطقة الخليج، مشيراً إلى أن الدول المقاطعة لديها أوراق ضغط أخرى عدة لم تستخدمها بعد منها على سبيل المثال التحرك الدبلوماسي دولياً وإقليمياً لضم العديد من الدول إلى صف المقاطعة ما من شأنه إحداث المزيد من الضغط السياسي والاقتصادي والنفسي على الدوحة.

وتوقع انتهاء المدة الممنوحة لقطر دون تنفيذ المطالب الخليجية، على اعتبار أن القيادة القطرية لم تعد تملك زمام الأمور في هذه المسألة خاصة بعد إنشاء قاعدة تركية في الدوحة والتواصل المستمر من جانب الحكومة القطرية مع حليفتها إيران لتطوير علاقاتهم، إضافة إلى النفوذ الإخواني القوي المتحكم في مفاصل القيادة القطرية التي باتت على شفا حفرة المقصلة السياسية الخليجية التي وضعت نفسها فيه. وأضاف أن الرهان على الوقت سلاح ذو حدين لكلا الطرفين المقاطع من جهة والقطري من جهة أخرى، إذ كلما طالت الأزمة اعتادها المستهدفون بها وتحولت إلى ساحة مفتوحة لتدخلات كل الأطراف الخارجية، كما أن القيادة القطرية ستستغل عامل الوقت لتعزيز الدعم الداخلي لها من خلال تصوير المقاطعة على أنها تستهدف تركيع الشعب القطري وإخضاعه لإرادة الدول الأربع، وهذا مجافٍ تماماً للواقع ولكنه المكر السياسي.

أما الباحث في العلاقات الدولية د. منيف عبد الله عسيري، فقد اعتبر أن من بين الإجراءات التي قد تتخذها الدول المقاطعة ضد قطر سحب الأرصدة السعودية والإماراتية والبحرينية من كل المصارف القطرية، حيث يقدر البعض هذه الأرصدة بأكثر من 18 مليار دولار تستحق جميعها في غضون شهرين ما يمكن أن يهدد بانتكاسة النظام المصرفي في قطر، خاصة أن العديد من التقارير كشفت عن أن قطر باتت على أعتاب كارثة اقتصادية كبيرة، بسبب نقص السيولة الناجمة عن حالة الذعر التي أصابت جميع المودعين، بعد تهديد دول الخليج بإجراءات تصعيدية أكبر ضد الدوحة.

وأضاف: «على العموم فان القادم أسوأ الأزمة وسماء الخليج ملبدة بكثير من الغيوم ولا نعرف بوجه الدقة مآلات الأمور، خصوصاً مع التدخل التركي والإيراني، وربما الروسي في ملف الأزمة التي تسببت قطر في إدخال المنطقة فيها»، مشيراً إلى أن الدول الخليجية قالت كلمتها، وتدرك تبعاتها، وتحرص كل الحرص على سيادة قطر التي لم تمسها في الماضي، ولن تمسها في المستقبل، وعلى قطر اتخاذ ما تراه مناسباً لها، وستكون وحدها من يجني الربح ويدفع ثمن الخسارة، فالمطالب لم تقدم لعودة الدول المقاطعة إلى قطر، بل جاءت في سياق شرطي لعودة الشقيقة الصغرى إلى الجسم الخليجي والمجموعة العربية.

وقال عسيري: «أعتقد أن هذه الأزمة ستؤثر على التوازن السياسي في المنطقة المعرضة أصلاً لتجاذبات وصراعات دولية ضخمة منذ عشرات الأعوام؛ لكونها تمثل مخزوناً عالمياً للطاقة»، مشيراً إلى الحساسية البالغة للوضع في منطقة الخليج التي تحكمها توافقات وتحالفات قوية وتاريخية ومتنافرة في الآن نفسه، فضلاً عن أزمات سياسية عميقة في جوارها الجغرافي على غرار الحرب الطاحنة في سوريا واليمن والوضع المضطرب في العراق. من جانبه، قال الباحث في الدراسات السياسية وشؤون مجلس التعاون الخليجي الدكتور نايف بن جابر الرشيدي، إن دول المقاطعة ستلجأ فور انتهاء المهلة إلى تطبيق حزمة جديدة من الإجراءات والضغوطات الاقتصادية ليس على قطر فقط بل ربما تتعداها إلى الدول الحليفة لها خصوصاً تركيا التي قد تقطع دول المجلس علاقتها معها كون الدوحة تستقوي بها، وذلك بعد تقييمها لمواقف هذه الدول، مشيراً إلى احتمال تجميد عضوية قطر في مجلس التعاون ما سيبعدها عن صفوف أشقائها ويحولها إلى مجرد ورقة في مهب رياح معسكر آخر لا ينظر إليها إلا مجرد حقل غاز ضخم وملجأ آمن لكل الخارجين عن القانون، وأرض خصبة للتواجد العسكري الأجنبي. وأضاف الرشيدي أن من بين الإجراءات العقابية التي قد تتخذها الدول المقاطعة تجميد الودائع القطرية لدى هذه الدول ما يفاقم الأزمة الاقتصادية القطرية التي تضررت جراء المقاطعة خاصة الخطوط القطرية والإمدادات الغذائية وحركة النقل والموانئ والقطاع المصرفي.

ورأى أن الدول المقاطعة لقطر ستعيد تقييم المواقف الدولية، خاصة الموقفين الأميركي والروسي من الأزمة القطرية بعد مرور المهلة المخصصة لقطر لقبول الشروط التي وضعتها الدول المقاطعة.

اقرأ أيضا