الاتحاد

تقارير

سريلانكا...ما بعد الإفراج عن سجناء "التاميل"

ميان ريدج
نيودلهي




أطلقت حكومة سريلانكا سراح مئات الآلاف من التاميل الذين كانت تعتقلهم في معسكرات خاصة يوم الثلاثاء الماضي، مستجيبة في ذلك للضغوط المحلية المرتبطة بالانتخابات العامة المقبلة من جهة، وللضغوط الدولية التي مورست عليها بسبب احتجازها لهذا العدد الكبير من التاميل. وبلغ عدد الذين أفرج عنهم ما يقارب الـ300 ألف كانوا خلف سياج معسكرات مكتظة، ولا تتوافر فيها ظروف ملائمة لبقائهم كل تلك الفترة. ولا يزال هناك عدد أقل من الذين أطلق سراحهم وراء سياج المعسكرات هذه. وكانت الضغوط الدولية قد تصاعدت على الحكومة إثر تدهور أوضاع السجناء، مصحوبة بالتحذيرات الداخلية والخارجية من تعقيد استمرار اعتقال تلك الأعداد الكبيرة لأي جهود تسعى لإبرام مصالحة وطنية بين أقلية "التاميل" والأغلبية السنهالية في البلاد.
ذلك النزاع العرقي كان سبباً رئيسياً في إشعال الحرب الأهلية الطويلة بين الحكومة المركزية والأقلية التاميلية. وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الضغوط الخارجية في إطلاق سراح المعتقلين، فإن المرجح أن ذلك الإجراء تم استجابة لضغوط السياسات الداخلية المحلية قبل أي شيء آخر.
فهذه هي المرة الأولى -بعد عدة عقود مضت- التي ترغم فيها الحكومة على إعطاء اهتمام خاص للأقلية العرقية، على حد قول جيهان بيريرا -المدير التنفيذي لمجلس السلم الوطني، وهو هيئة ضغط محلية لا حزبية- وقد تجلى هذا التحول في سياسات الحكومة إزاء مسألة الأقليات خلال الشهر الماضي عندما استقال الجنرال "ساراث فونسيكا"، قائد عام الجيش السريلانكي من منصبه وأعلن عن عزمه خوض الانتخابات العامة المقبلة مرشحاً من قبل المعارضة ضد الرئيس الحالي رجاباكسي المدعوم انتخابياً من قبل الأغلبية السنهالية. وبالنتيجة فقد أرغم الرئيس على السعي للحصول على تأييد الأقلية التاميلية أيضاً في الانتخابات المقبلة. يجدر بالذكر أن الجنرال "فونسيكا" نفسه ينتمي للأغلبية السنهالية، لكنه يسعى للحصول على تأييد التيارات المعتدلة من التاميل، ما أرغمه على إعلاء صوته وانتقاداته لسوء أوضاع سجناء "التاميل" المعتقلين. وانتقد الجنرال "فونسيكا" في خطاب استقالته من منصبه، ما وصفه بالأوضاع المؤسفة للمعتقلين، إضافة لانتقاده عجز الرئيس عن تحقيق مصالحة وطنية بين الأغلبية السنهالية والأقلية التاميلية.
غير أن السيد "بيريرا" يتشكك كثيراً في أن تؤيد الأقلية التاميلية الجنرال "فونسيكا"، لكونه المسؤول عن قيادة تلك الحملة العسكرية الوحشية ضد حركة "نمور التاميل"، ما أدى لمصرع آلاف المدنيين الأبرياء منهم. ويرجح "بيريرا" أن تؤيد الأقلية التاميلية مرشحاً آخر غير الجنرال "فونسيكا".
ولا يقلل هذا على أية حال من فرص التنافس الانتخابي التي يحظى بها الجنرال، خاصة وأن استقالته من منصبه ساعدت كثيراً في تعزيز موقف المعارضة في البلاد.
نعود مرة أخرى إلى مئات الآلاف من" التاميل" المعتقلين الذين أفرج عنهم يوم الثلاثاء الماضي. وأهم ما يجب قوله عنهم إنهم يواجهون مصاعب وظروفاً في منتهى القسوة، خاصة أنه يتعين عليهم قطع مسافات تقدر بمئات الأميال تفصل بين قراهم ومعسكرات الاعتقال التي أمضوا فيها بضعة أشهر خلال الفترة الماضية. وخلافاً لما تقوله الحكومة عن سهولة عودة هؤلاء إلى قراهم، يرى " بيريرا" أن عودتهم لن تكون سهلة بسبب إغلاق الكثير من الطرق والممرات في وجوههم. ليس ذلك فحسب، بل إن مبلغ الـ5 آلاف روبية الذي منحته الحكومة لكل واحد من المعتقلين الذين أفرج عنهم لا يسوى شيئاً ولن يساعدهم على بدء استئناف رحلة حياتهم فيما بعد الاعتقال كما يقول "بيريرا"، فذلك المبلغ لا يتجاوز الـ 43 دولاراً في دولة ترتفع وسائل المعيشة فيها وتبدو عليها تأثيرات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية حتى الآن. وفوق ذلك كله فسوف يعود هؤلاء جميعاً إلى ديار وبيوت لم تعد موجودة أصلاً بعد أن دمرت الحرب بمدفعياتها الثقيلة ودباباتها كل شيء إلى حد طال فيه الدمار حتى منشآت البنية التحتية الصحية اللازمة لحياة أي مجتمع من المجتمعات.
والأسوأ من ذلك كله كما يقول الخبراء إن انتشار الألغام الأرضية في الجزء الغالب من مناطق الشمال، سوف يرغم أعداداً كبيرة من التاميل على تفضيل البقاء في معسكرات الاعتقال بدلاً من الذهاب إلى حقول الموت المجهولة تلك.
ولكن لا تعفي كل هذه المصاعب الحكومة المركزية من إظهار جديتها في تحقيق المصالحة الوطنية واستدامة السلام عبر منح الأقلية التاميلية حقوقها السياسية . يذكر أن حكومة سريلانكا كانت قد حرمت من استضافة قمة قادة مجموعة دول الكومونويلث، احتجاجاً من دول المجموعة على الممارسات الوحشية التي قامت بها سريلانكا بحق المدنيين التاميل خلال المراحل الأخيرة من النزاع المسلح بينها وبينهم. فقد توحدت مواقف كل من بريطانيا وأستراليا في حرمان سريلانكا من استضافة قمة دول المجموعة التي تعقد في عام 2011. وبذلك أحبط الطلب الرسمي الذي تقدمت به سريلانكا لاستضافة القمة منذ عام 2007 لتصبح أستراليا الدولة المستضيفة للقمة المذكورة.

ينشر بترتيب خاص مع
خدمة "كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا