الاتحاد

ثقافة

«الثروة».. تكشف الوجه البشع لرأس المال

الكاتب الأميركي جان دوس باسوس

الكاتب الأميركي جان دوس باسوس

حسونة المصباحي (خاص)

كان للأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم الرأسمالي في عام 1929 انعكاسات قوية على الأدب في أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأميركيّة. وتحت تأثيرها صدرت العديد من الروايات التي تعكس الواقع المرير الذي كان يعيشه ضحاياها في القرى، وفي المدن والعواصم الكبيرة. ومن بين هذه الروايات «عناقيد الغضب» لجون شتاينباك، و«طريق التبغ» لأرسكين كالدويل، و«سفرة في آخر الليل» للوي فارديناند سيلين، وثلاثية دون دوس باسوس التي حملت عنوان «الثروة». وفي هذه الرواية الضخمة التي لاقت نجاحا هائلا، حاول باسوس أن يبرز الأخطاء، والممارسات السياسية والمالية، والاقتصادية، والاجتماعية التي أدّت إلى تلك الأزمة الخانقة. كما سعى إلى أن يبيّن أن تدهور القيم الأخلاقية في عالم أصبح يسيطر فيه الجشعون للمال والثروة كان سببا أساسيّا هو أيضا في انهيار الاقتصاد الرأسمالي.
صدرت الرواية عام 1936. وفي البداية يركّز جون دوس باسوس على تصوير «السنوات السعيدة» التي عاشتها الولايات المتحدة الأميركية في العشرينيات من القرن الماضي. ففي تلك الفترة عرف الاقتصاد الأميركي ازدهارا لم يسبق له مثيل، وازداد ارتفاع في الإنتاج بنسب غير متوقّعة. وبدأ الأميركيّون بمختلف مشاربهم يشعرون أنهم لن يعرفوا الفقر أبدا. لذلك لم يتردّد الرئيس هوفر في القول، وذلك عام 1928: «في أميركا نحن اليوم قريبون جدّا من الانتصار النهائي على الفقر. ونحن أكثر قربا من تحقيق ذلك من أيّ بلد آخر في تاريخ الإنسانيّة برمّته». لكن عقب مرور عام فقط على ذلك الخطاب المفعم بالتفاؤل، والثقة في المستقبل، انهار الاقتصاد العالمي، والأميركي، وأضحت المدن التي كانت زاهية بالأمس القريب، كئيبة، وموحشة تعجّ بالعاطلين عن العمل، واليائسين، والمتسولين، والجوعى، والفاقدين لأيّ بصيص من الأمل. وقد تمكّن جون دوس باسوس من أن يضع اصبعه على الجرح العميق، وأن يحلّل بأسلوبه الروائي الرفيع الأوضاع التي أفضت إلى أزمة 1929.
وفي روايته يدين الروائي بشدّة الباحثين عن الثروات السهلة، وتجّار الكحول السريين، وعصابات الجريمة المنظمة، وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة الباحثين عن الربح السريع. أما مصير الإنسانية فلا يعني لهم شيئاً يذكر.
ويقدّم لنا جون دوس باسوس العديد من الشخصيّات التي تجسّد الواقع الأميركي في تلك السنوات السوداء الخالية من الأمل. وشارلي أنرسون هو من بين هذه الشخصيّات. وقد شارك في الحرب العالمية الأولى. وعند انتهائها عمل في الطيران، وتمكّن من الحصول على ثروة هامة. لكن ذات يوم يتعرّض إلى حادث ليجد نفسه أسير السرير. ومحاولا نسيان وضعه المأساوي، يدمن على شرب الكحول. وهناك أيضا ماري هانش، الشابة اليسارية التي تحارب الرأسمالية من دون أن تتخلص من نقائصها، وعقدها، وتناقضاتها. لذلك يمكن القول إن جون دوس باسوس أراد أن يبيّن لنا أن كلّ واحدة من شخصياته هي ضحيّة مصيرها في مجتمع أصبح الدوس فيه على القيم الإنسانية، والأخلاقية أمرا عاديا ومشروعا. لذلك كتب على لسان أحد شخصيّاته يقول: «أميركا، أمتنا هزمها الأثرياء الجدد، أولئك الذين شوّهوا كلمات آبائنا لتصبح منفّرة ومقزّزة».
وفي روايته يشنّ جون دوس باسوس هجوما عنيفا على هؤلاء الذين سمّاهم «الأثرياء الجدد» مثل تايلور، مبتكر الطريقة العلمية المثلى في العمل لـ «مقاومة الكسل» بحسب تعبيره، وهنري فورد الذي حصل على ثروة طائلة اعتماداً على الأفكار المسبقة لوالدته التي احتفظ بها مثلما «يحتفظ بالأوراق المالية الجديدة داخل خزانة». ولم ينس جون دوس باسوس أن يوجّه نقداً لاذعاً للمؤسسات الإعلامية المتعاطفة مع أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وأيضا إلى أولئك الذين حكموا بالإعدام على نيكولا ساكو، وبارتولوميو فانزاتي، العاملين الإيطاليين المهاجرين اللذين لم يرتكبا أية جريمة سوى أنهما كانا يريدان أن يتمتعا بحياة كريمة في بلاد «الثروة الكبيرة».

اقرأ أيضا

إبراهيم بحر يترجل عن الخشبة