الاتحاد

دنيا

الطاقة النووية .. عوائد ضخمة وأخطار كامنة

محطة نووية

محطة نووية

عاشت كليمانس جارين في أطراف مركز تريكاستين للطاقة النووية في فرنسا معظم أيام طفولتها. وتقول إنها ليست خائفة. وهي تعلم انه إذا وقع خطب ما، فسوف تكون الخطورة بالغة؛ لكنها تدرك أيضاً أن كل شيء يخضع لمعايير رقابة صارمة. وتضيف كليمانس التي تعمل في لجنة السياحة، إن العيش في مدينة سان بول تروا-شاتو والتي تبعد كيلومترات قليلة عن أكبر محطات الطاقة النووية في فرنسا، ينطوي على بعض المزايا. وهناك الكثير من المراكز الرياضية الرائعة التي أنشئت لخدمة عمال تريكاستين. ولا شك أن هذه المحطة مفيدة جداً لاقتصاد فرنسا كله.
ويوظف مركز تريكاستين للطاقة النووية أكثر من خمسة آلاف خبير وعامل، منهم 1200 موظف يعملون في أربعة مفاعلات للماء المضغوط التي تنتج الطاقة الكهربائية، ويعمل الباقون في نشاطات أخرى ترتبط بالتكنولوجيا النووية، مثل تخصيب اليورانيوم.
وتم بناء تريكاستين عام 1974 وبدأ العمل فيه بعد ست سنوات. ولطالما أشار إليه مناهضو النشاطات النووية في فرنسا في السنوات الأخيرة كرمز للمخاطر المحتملة للطاقة النووية. وفي السابع من شهر يوليو من عام 2008، وقع المحذور الأكثر خطورة حين تسربت ستة أمتار مكعبة من سائل مشع خارج المصنع إلى الأنهار المجاورة خلال عملية تطهير روتينية. ولم تخطر السلطات السكان المحليين بواقعة التسرب إلا بعد 12 ساعة من حدوثها. علاوة على ذلك دفعت القياسات والاختبارات التي أجريت على المياه الجوفية خلال الفترات اللاحقة، خبراء البيئة للشك في أن حدث التسرب الأخير لم يكن الوحيد، وأن حوادث خطيرة أخرى مرت دون الإبلاغ عنها. غير أن جارين لا تزال غير عابئة” بتلك “الحوادث العابرة” كما تسميها.
وقالت جارين إن وسائل الإعلام ضخّمت الأمور بشكل كبير. ولهذا فإنها لم تشعر بالخوف. لكن الحوادث المشابهة آخذة في التزايد في محطات الطاقة النووية الفرنسية؛ والصناعة كلها تمر بفترة عصيبة بينما كانت تبدو على أعتاب عصر ذهبي. فلقد تعرضت 18 من محطات فرنسا النووية الثمانية والخمسون للإغلاق. وهو معدل يفوق المعدل الطبيعي بأربع أو خمس مرات. وكان يحدث ذلك إما بسبب حوادث مثل هذه أو بسبب أعمال الصيانة. وهو ما دفع شركة “آر تي إي” لتوزيع الكهرباء إلى التحذير من أن فرنسا أكبر مصدري العالم في مجال الطاقة الكهربية قد تضطر لاستيراد الكهرباء. وفي حال جاء الشتاء أبرد من المعتاد فإن”آر تي إي” ستضطر لاتخاذ إجراءات استثنائية وتبني خطوات لحماية النظام مثل خفض قوة التيار بنسبة خمسة بالمئة أو حتى خفض الجهد الكهربي. وستضطر الشركة لقطع التيار بشكل متعمد في بعض المناطق في سبيل الإبقاء على شبكة الطاقة ككل. وجدير بالذكر أن الطاقة النووية تسهم بنحو 76 بالمئة من احتياجات فرنسا من الطاقة الكهربائية؛ وهو أعلى معدل على الإطلاق بين دول العالم بأسرها. غير أن كفاءة تشغيل المفاعلات النووية تراجعت من 4ر83 بالمئة عام 2005 إلى 2ر79 بالمئة العام الماضي. ومن المتوقع أن تنخفض إلى 78 بالمئة هذا العام.
وبحسب ما أعلنته هيئة السلامة النووية الفرنسية، فإن عدد الحوادث التي تؤدي إلى إغلاق المحطات النووية يتزايد في فرنسا. ويجري تقييم هذه الحوادث وفق المقياس الدولي للحوادث النووية (آي إن إي إس) الذي يصنف الحوادث بحسب خطورتها عبر سبع درجات خطورة تبدأ بصفر، وهو يعني عدم وجود مخاوف على السلامة؛ وحتى 7 ويعني وجود خطر هائل شبيه بانفجار مفاعل تشيرنوبل. وفي عام 2007، كان هناك 56 حدثاً من التي صنفت ضمن الدرجة الأولى تحت عنوان “خروج عن الإجراءات القياسية، وارتفع هذا العدد إلى 72 العام الماضي، وناهز العدد المئة بنهاية شهر أكتوبر الماضي بحسب ما ذكرت هيئة السلامة النووية الفرنسية.
ووقع آخر هذه الأحداث التي صنفت من الدرجة الأولى في 12 نوفمبر الماضي عندما أدت مشكلة تقنية إلى إغلاق المفاعل رقم واحد في محطة فلامانفيل النووية، وهو ما أدى بدوره لإغلاق المحطة كلها حيث يخضع المفاعل رقم 2 لعمليات صيانة مطولة.
وفلامانفيل تعد رمز صناعة الطاقة النووية في فرنسا حيث يتم إنشاء أول محطة نووية فرنسية من الجيل الثالث تعمل بالماء المضغوط هناك. وتمثل المفاعلات الأوروبية التي تعمل بالماء المضغوط مستقبل صناعة الطاقة النووية برمتها. إلا أن هذه الصناعة تلقّت ضربة موجعة عندما شككت هيئات السلامة البريطانية والفنلندية والفرنسية في إمكانية التعويل على تصميم هذه المحطات من ناحية ضمان السلامة والأمن. وتتزامن كل الأخبار السيئة مع ظروف عصيبة تمر بها الصناعة التي ينتظر لها أن تتوسع وتنتشر عالمياً بسبب أسعار النفط المتقلبة وقيمتها كمصدر وقود نظيف وغير مكلف نسبياً مقارنة بأنواع الوقود الأحفوري.
ولقد أوصت الوكالة الدولية للطاقة ومقرها باريس في آخر تقرير لها تحت عنوان “نظرة استشرافية إلى وضع صناعة الطاقة في العالم”، وهو تقرير تصدره الوكالة سنوياً، بزيادة استخدام الطاقة النووية كمصدر للطاقة يتميز بانخفاض أو حتى انعدام عادم ثاني أكسيد الكربون في سبيل تحقيق معدلات انخفاض جيدة في الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري بحلول عام 2030 .
غير أن مناهضي استخدام الطاقة النووية يرفضون هذا الطرح، وما فتئوا يحشدون قواهم لخوض معركة في فرنسا ودول أخرى ما قد يعني أن أي حادث خطير قد يعرض الصناعة غير المستقرة بأسرها لانتكاسة لا يمكن التعافي منها. لكن جارين تؤمن عن قناعة أن” كل المخاوف من الطاقة النووية مبالغ فيها، وتقول: “انظروا.. لم ينمُ لي ذراع ثالث بعد؛ كما أنني لا أتوهج في الظلام”

اقرأ أيضا