الاقتصادي

الاتحاد

أصحاب المشروعات والمستثمرون يتوجهون مجدداً إلى بريطانيا بعد انكشاف غبار الأزمة

مقر بنك إنجلترا «المركزي» في لندن التي بدأت تستعيد جاذبيتها للشركات العالمية

مقر بنك إنجلترا «المركزي» في لندن التي بدأت تستعيد جاذبيتها للشركات العالمية

لم يستغرق الأمر سوى عدة أسابيع من البحث لكي يقرر إيمي جال رجل الأعمال الروماني المكان الذي سيؤسس فيه شركته المتخصصة في الوسائط الرقمية وجاء اختياره مناقضاً لاعتقاد سائد بأن بريطانيا لا تلائم المستثمرين الأجانب ولا تروق لهم، في ذلك قال جال البالغ من العمر 23 عاماً: “إن لندن هي تقريباً مركز العالم إذا أردت أن تعمل في وسائط الإعلام والإعلانات”.
وتتردد آراء جال في بعض وسائط الإعلام البريطانية في الوقت الذي تقوم فيه حكومة رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون بحملات مضادة في وجه العناوين التي تتوقع خروج الخبراء المتميزين من الصناعة المالية إذا خضعت مكافآت المصرفيين إلى ضرائب ثقيلة.
وفي هذا قال وزير المالية البريطاني أليستير دارلنج أمس إنه على ثقة من أن لندن استعادت ريادتها كمركز مالي على الرغم من غضب المصرفيين من فرض ضرائب تبلغ 50 في المئة على المكافآت.
واستبعد دارلنج في مقابلة مع صحيفة الفاينانشال تايمز هجرة المصرفيين بسبب الضريبة مؤكداً أن الضريبة ستكون لعام واحد فقط. وقال “لا تزال لندن مكاناً جيداً لأنشطة الأعمال ومن المهم أن تظل كذلك”.
وقال دارلنج إنه من المهم أن التغييرات في قواعد عمل البنوك لمنع تكرار الأزمة المالية العالمية لم تؤثر بشكل سلبي على لندن. وأضاف “لدينا الكثير لنكسبه إذا أدينا ذلك بالطريقة الصحيحة وأنا مصمم على أن أكون في طليعة الجهود لنؤكد أننا نحمي ونعزز سمعة لندن.. أريد أن تظل لندن المركز المالي العالمي الرائد...يعلم الجميع أننا بحاجة إلى إجراء تغييرات لكننا نريد أن نؤكد أن التغييرات قائمة بالفعل”.
وأعرب دارلنج عن قلقه من أن بعض البنوك خارج لندن لم تأخذ في الاعتبار بشكل كامل “الأصول عالية المخاطر” في ميزانياتها العمومية. وقال “لن أحدد أسماء مؤسسات بعينها لكن لا تزال هناك بنوك في أجزاء مختلفة من العالم تدرك فجأة أنها لم تجنب المخصصات اللازمة.. يتمثل أحد الدروس المستفادة من ذلك في أنه إذا وقعت في مشكلة فإنها لن تحل بتجاهلها”.
ويقول خبراء دوليون إن هناك تقدماً في بريطانيا التي كانت منذ عدة عقود بدأت تفقد قدرتها على اجتذاب العقول العلمية والصحية والتكنولوجية وأصحاب المشروعات الذين يساهمون في دفع الاقتصاد المعرفي.
وفي خلال السنوات الخمس السابقة قامت نحو 100 شركة باختيار بريطانيا كمركز محوري، ومن حيث الهجرة العالمية لا يعتبر هؤلاء إلا نقطة في محيط ولكنهم مع ذلك يشكلون استنزافاً للعقول الخبيرة رمز إليه من 20 عاماً مضت رحيل تيم بيرنرز لي مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية إلى سويسرا.
وانتقل بيرنرز لي خريج جامعة اكسفورد إلى جنيف لكي يستطيع أن يدخل على أكبر مركز توصيل إنترنت في أوروبا في مختبر سيرن الفيزيائي.
وكرد فعل لمجموعة من السياسات التي وضعت بعد مغادرة بيرنرز بعشر سنوات أظهرت بيانات من دائرة التجارة والاستثمار البريطانية التي تراقب تلك الأمور أن شركات جديدة من دول مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية انتقلت أو أسست مراكز رئيسية لها في بريطانيا. ثم تسارعت الوتيرة حيث وصل تسعة من أصحاب المشروعات الجديدة إلى بريطانيا في عام 2005، 2006 تبعهم عشرة منهم في عام 2006 - 2007 ثم 22 في 2007 و28 في 2008 - 2009 ثم 30 في الأشهر التسعة الأولى من عام 2009 - 2010.
وقال جان كريستوف ديمون خبير الهجرة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن بريطانيا وضعها جيد في أوروبا في عدد من المؤشرات التي تقيس عوامل منها الضرائب والبيروقراطية الحكومية وديناميكيات الأسواق الداخلية والارتباط مع الساحة العالمية وتوافر القوة العاملة المؤهلة، وفي ذلك يقول: “في الحقيقة ليس من المفاجئ أن يكون في مقدور المملكة المتحدة جذب عدد ملموس من هؤلاء الناس”.
ويضيف أن دولاً مثل فرنسا واليابان بعد أن شهدت نجاح بريطانيا قامت مؤخراً بوضع سياسات لاجتذاب الأجانب من أصحاب المشاريع والمستثمرين الأثرياء الذين قد يضخون مبالغ مالية ضخمة في شركات توفر فرصاً للعمل وتساعد على تعزيز الاقتصاد.
وحسب معهد ليجاثوم البحثي في لندن الذي يصنف 104 دول وفقاً لمؤشر ازدهار الشركات والمعايير الاجتماعية الذي يصدره فإن بريطانيا لا يسبقها سوى الولايات المتحدة في فئة نشاط أصحاب المشروعات والابتكار وتأتي بعدها كندا والسويد وهولندا.
وفي ذلك يقول جال: “أفضل شيء تفعله بريطانيا حالياً هو أنها توفر بنية تحتية لشركات صغيرة ومتوسطة لتنمو وتصل ليس فقط إلى المملكة المتحدة، ولكن إلى أوروبا والولايات المتحدة وبقية العالم، وأن تصل إلى جمهور عالمي من مكان واحد ليس بالأمر السهل في العديد من المدن في العالم وأدرك البريطانيون أنهم إن ساعدوا أصحاب المشاريع على هذا النحو فإن الجميع يكسب”.
ويقول أصحاب المشاريع إن هناك عدة عوامل تجذبهم منها اللغة المشتركة والموقع الجغرافي الجذاب ووضع لندن بصفتها مركزاً عالمياً محورياً ومزايا أخرى أقل تأثيراً مثل التعدد الثقافي والانفتاح على الأجانب والتحمس للأفكار الجديدة، والعديد منهم يذكر أيضاً أن عدداً كبيراً من العلماء يأتي من جامعات معروفة وأن بريطانيا تكفل مناخ أعمال ديناميكياً.
وهناك شركة جديدة تسمى كومباوند قوتونيكس بدأت في مختبر في فينيكس اريزونا ثم انتقلت إلى كمبردج انجلترا لتطوير شاشات بالغة الوضوح لأفلام وأجهزة تلفاز الجيل المقبل.
يذكر أن للتلفاز عالي الوضوح العادي نحو مليون بيكسل في شاشة عادية ولكن تقول كومباوند فوتونيكس إن الشاشة التي تصنعها بها 10 ملايين بيكسل، كما تقول إنها اكتشفت أيضاً طريقة لإصدار صور ثلاثية الأبعاد على الشاشات لا تتطلب نظارات ثلاثية الأبعاد. وقال المشارك في تأسيسها جوناثان ساشس إن بريطانيا جذبته بسبب وجود مختبر قوتونيكس في جامعة كمبردج ومجموعة كبيرة من الخبراء والعقول اللامعة.
وكانت الحكومة البريطانية قد صاغت سياسات ترمي إلى جذب أصحاب المشاريع من خلال تقديم الاستشارة والدعم لهم فيما يخص وضع خطط الأعمال وتعيين موظفين متميزين لجذب الاستثمارات والحصول على التأشيرات.
في ذلك قال إيريك فان ديركلايج من البرنامج العالمي لأصحاب المشاريع الذي تنظمه الحكومة البريطانية: “لا نستطيع أن نروج لبريطانيا على أساس اللغة والموقع فقط إن لم تكن القاعدة العلمية والمناخ العام مشجعين جداً”، وهو مشارك في مبادرة بدأت عام 2003 لتجميع خبراء وأصحاب مشاريع معاً لإرشادهم والعمل بصفة وسطاء بين الدوائر الرسمية والمستثمرين المنتظرين.
وقال فان دير إنه خلال الفترة التي أمضاها في المشروع شهد زيادة مطردة كل عام في أصحاب المشاريع الأجانب الجديرين بالدعم، إن الفرص المتميزة في زيادة مستمرة ويستفيد منها علماء وأصحاب مشاريع رفيعة المستوى.
وحسب الهيئة البريطانية للتجارة والاستثمار فإن نحو نصف شركات المشروعات الجديدة الأجنبية التي انتقلت إلى بريطانيا خلال السنوات الأربع الماضية كانت من قطاعي علوم الأحياء وبرامج السوفتوير.

(عن إنترناشيونال هيرالد تريبيون)

اقرأ أيضا

سنغافورة تتكبد خسائر بقيمة 7 مليارات دولار جراء إجراءات الإغلاق