الاتحاد

الملحق الثقافي

جان فيرجيه: وجودنا في أبوظبي تجربة أثبتت صوابها

البروفيسور جان فيرجيه أستاذ التاريخ في جامعة السوربون

البروفيسور جان فيرجيه أستاذ التاريخ في جامعة السوربون

لطالما شكلت جامعة السوربون علامة فارقة في سجل الصروح التعليمية المتجاوزة لحدود منشئها نحو العالم بأجمعه، حتى غدت أقرب إلى جامعة إنسانية شاملة ليس على مستوى المكان فقط، بل في ما يخص الهدف التعليمي أيضا، اليوم بعد مرور سبعمائة وخمسين عاماً على تأسيسها، أضحت الجامعة التي أقيمت عام 1257 منارة علمية رائدة تكاد لا تجارى في ميادين الآداب والفلسفة والعلوم الإنسانية المختلفة، هي حكاية مجد مستحق، بدأت بجهود بعض الأساتذة العصاميين، لتؤول إلى حاضنة لأرقى الإنجازات التربوية في العالم بأسره طيلة قرون طويلة، والواضح انه لا يزال في الجعبة الكثير من مقومات الدهشة المتواصلة، أحلام كبيرة أمكن تحقيقها بجهود الحالمين، الذين لم يضاه براعتهم في التخيل سوى إصرارهم على السعي الدائب لتحويل الأوهام واقعا·



علي العزير

أبوظبي- اليوم وقد خرجت السوربون، للمرة الأولى في عمرها المديد، من عرينها الفرنسي نحو أبوظبي، مفتتحة عصر التوسع الجغرافي، بعد اختراقات باهرة ومتواصلة على الصعيد العلمي، تغدو العودة إلى النشأة الأولى ضرورية لرصد اللغز الذي جعل من النجاح أمرا ليس ممكنا فقط، بل وحتميا أيضا·
البداية من رجل يدعى روبارت دي سوربون، ولد في القرية الفرنسية التي حمل اسمها عام 1201 وسط عائلة تعمل في زراعة الأرض، وقدم إلى العاصمة باريس عام 1215 بعد أنهى تعليمه الأساسي، وبالرغم من عدم توفر الوثائق اللازمة يمكن تخيل مسيرته اللاحقة: أستاذ للآداب عام 1220 معلم للتربية الدينية عام ،1235 وأيضا مرشد ديني تقليدي، بحكم كونه كاهنا محايدا متغاضيا عن التجاسر الفلسفي الذي مارسه العديد من زملائه، ليصير لاحقا أحد الفاعلين في البلاط الفرنسي، ممن يطلق عليهم اسم ''مستشار محنك''، وهو لقب ينطوي على قدر لا يستهان به من المديح·
نقطة الانطلاق
بحلول عام 1254 كان روبرت دي سوربون قد انتهى من تجهيز مشروع المعهد الذي حمل اسمه، وهو عبارة عن مجموعة من المباني التي يتبرع بها أحد رجال الخير لإيواء بعض الطلبة الفقراء، حيث تؤمن لهم المبيت المجاني فقط، في وقت لاحق تمكن الكاهن الطموح من الاستحواذ على بعض الأبنية المتاخمة لمعهده، كان الملك لويس التاسع قد خصصها لإقامة دير أو مستشفى، قبل أن يصرف النظر عن المشروع، وكان ذلك يعني خطوة إضافية على الدرب الطويلة نحو الرحلة الشائكة·
في العام 1269 أمكن للمعهد الناشىء أن يتحول إلى نقطة تجمع لطلاب مميزين في مستواهم الأكاديمي، وكان على روبرت دي سوربون أن يصيغ لوائح أساسية هي عبارة عن تعليمات موجهة إلى طلابه تتضمن طرائق الأكل واللباس والرحلات وغير ذلك، وتعلن انبثاق طائفة تعليمية خاصة موحدة ومستقلة·
فتش عن المكتبة
يكمن سر التميز الذي حازته السوربون بالدرجة الأولى في مكتبتها التي انطوت على آلاف الكتب، وكانت تضاهي المكتبة البابوية، ويظهر سجل الاستعارة المحفوظ منذ العام 1402 ارتيادا كثيفا لمكتبة الجامعة، التي كانت أغلبية مؤلفاتها من الكتب الدينية، إضافة إلى الفلسفة والفنون الحرة، وأيضا بعض كتب الحقوق·
تنوع الحضور الاثني في الجامعة الناهضة: فرنسيون ألمان هولنديون، وكذلك سجل تدفق كثيف للطلبة الاسبان في مرحلة زمنية لاحقة، بين هؤلاء الطلاب كثيرون مارسوا لاحقا التدريس في الجامعة، مثل جون ستاندوك الذي أدخل علم أصول التدريس لطائفة إخوان التعايش الجماعي، كذلك النورماندي بيار دي لاهزاريار صاحب مؤلف البلاغة، وغيوم فيشيه الذي كان يلقي محاضرات متنوعة في الطلاب، ومدرس علوم النحو جون هاينلين، وهو ألماني الجنسية، وقد تمكن بعض هؤلاء من إنتاج أول الكتب المطبوعة في فرنسا عام 1470 الأمر الذي منح المؤسسة كفالة لحقوقها الفكرية·
السوربون في أبوظبي
يوضح البروفيسور جان فيرجيه، أستاذ مادة تاريخ العصور الوسطى في جامعة باريس السوربون، أن افتتاح فرع للجامعة في أبوظبي يشكل خطوة غير مسبوقة على امتداد التاريخ الطويل للمؤسسة التعليمية العريقة، وهي تأتي في إطار تجسير الصلة بين الحضارات في عالم اليوم، بعد ما شهدت من ارتداد موغل نحو الماضي السحيق على مستوى العلاقات الناظمة لأبنائه، ويقول فيرجيه في حوار مع الاتحاد الثقافي: ''السوربون تحمل رؤية لثقافة عالمية مشتركة، كان العرب مساهمين أساسيين في صناعتها ذات مرحلة، ويمكن لبعض التمعن في النتاجات الأدبية والفكرية التي أنجزتها الجامعة أن تشير بوضوح إلى بصمات عربية مؤثرة في صياغتها، هكذا لا يعود مستغربا، أو مستدعيا للتساؤل، أن يقام فرع للجامعة في أبوظبي، التي تنهض حاليا بأعباء إحياء المشاريع الثقافية المتنوعة والمثيرة للاهتمام·''
التناغم بدلا من الصراع
يتابع محدثنا قائلا: ''في زمن العولمة وتطور وسائط الاتصال، والتقارب الكوني غير المسبوق، كان منطقيا ومشروعا أن ينصب الاهتمام على مواطن التلاقي والتقاطع بين الحضارات العالمية المختلفة، عوضاً عن الانخراط في مقولة الصراع المزعوم، وكانت التجربة معبرة عن صوابية التوجه، حيث استطاعت جامعة باريس سوربون أبوظبي، بعد سنتين من تأسيسها أن تستقطب عدداً وافراً من الطلاب، الذين ابدوا اهتماما بالعلوم الإنسانية التي تدرسها الجامعة، من آداب وتاريخ وفنون وغير ذلك، وأدركوا ضرورة الانحياز إلى منطق العصر، من باب تمثل العلوم والمدارك التي توثق الصلة بين الناس، على اختلاف انتماءاتهم الجغرافية والعرقية، وسائر معايير التباين الأخرى·''
الإنسان أولا
المسألة، برأي فيرجيه، يمكن اختزالها إلى بداهة الإيمان بالقيم الإنسانية الشاملة، وتأسيسا على هذه المقولة، التي يسعها الدفاع عن صوابيتها، يصير وجود السوربون في أبوظبي أمرا بمنزلة الضرورة، فالعلم هو وسيلة الإنسان لاكتشاف نفسه أولا، والنفاد من خلالها إلى معرفة الآخر، الذي لا يصير غريبا أو مختلفا إلا بمقدار ابتعاد الفرد عن الجوهر الإنساني لذاته·
لا يتردد فيرجيه في القول إنه وإن كان لدى السوربون ما تعلمه لطلابها في أبوظبي، فان أمامها أيضا الكثير مما يسعها أن تتعلمه حول السمات العامة للفكر العربي، الذي يشكل احد الروافد الرئيسية والهامة للمنجز العالمي الشامل، وهو هنا يشير إلى عملية تأقلم مزدوجة لا بد من تحققها: أن يتمثل الطلاب خلاصة المعارف العالمية التي تمكنت السوربون من استخلاصها طيلة مسيرتها الطويلة من جهة، وأن تضيف الجامعة إلى مخزونها العلمي ما فاتها من خصوصية الشخصية الحضارية العربية، من جهة أخرى، لتؤول العملية برمتها إلى انخراط فاعل في مسيرة التطور الكوني الشامل، وتلك هي إحدى مهام العلوم الإنسانية، التي لا يسعها ادعاء الانسجام مع حقيقتها الجوهرية دون إنجازها·
بين التعليم والثقافة
البروفيسور فيرجيه، وبالرغم من خلفيته الأكاديمية، يدرك تماماً أن التعليم ليس العامل الوحيد الذي يرسم شخصية الفرد، وإن كان يساهم بصورة فعالة في تشكيل تلك الشخصية، ثمة عناصر أخرى تتدخل في تشكيل الذات البشرية: الأسرة، والحراك الاجتماعي، إلى مؤثرات أخرى تفرضها الحدود الجغرافية المتضائلة للعالم المعاصر، والنفوذ المتزايد للثورة التكنولوجية، لذلك هو يرجح أن يكون للجامعة القادمة من باريس اهتمامات ذات طابع ثقافي شامل، لكن الهاجس الرئيس سيكون أكاديمياً بالدرجة الأولى إذ ان البعد الأكاديمي يبقى العنصر الأساسي في تكوين أي هيكلية تعليمية، بما في ذلك السوربون·

اقرأ أيضا