الاتحاد

الملحق الثقافي

الهجرة إلى الشرق

موسم الهجرة إلى الشرق

موسم الهجرة إلى الشرق

الفنانون المغاربة وبعد أن ارتحلوا طويلا باتجاه الغرب، أدركوا ضرورة الاتجاه شرقاً بحثاً عن المشترك في الإرث الحضاري، وعن المادة الأولية المشكلة للمخيلة، ولعل نظرة متمعنة إلى المعرض من شأنها أن تتيح الكشف عن الكثير من نقاط التقاطع في الرؤى الصائغة للخلفية الإبداعية، ثمة ما يمكن اعتباره متشابهاً، بل ومتماهياً بين الرافدين التشكيليين، وإن كان هناك الكثير أيضا مما يمكن وضعه في خانة التباين الخلاق المؤدي إلى تناقض ثري، تناقض يضفي على اللوحة الجامعة بريقاً مميزاً، هو نفسه المتأتي عن تضافر الألوان المختلفة سعياً وراء الاحاطة بالمشهد الواحد·
تجربة مخضرمة
شكل المعرض، في بعض تجلياته، فرصة للإطلالة على الواقع التشكيلي في المغرب العربي، وكانت لمشاركة شيخ الرسامين المغاربة، الفنان عبد اللطيف زين أن سلطت الضوء على تجربة مخضرمة تنوعت فصولها بين التراث المغربي الفائق الغني وبين الإرث العالمي الواسع الطيف، أما اللوحات التي وقعها الزين فقد آلت إلى محطات تأريخ للتجربة الفذة، وفق قاعدة الأخذ من مختلف الأمكنة (والأزمنة) ببعض طاقاتها الإيحائية، هكذا أمكن للوحة الواحدة أن تكون أقرب إلى معرض عالمي، يختزن المتنوع، والمختلف من الرؤى في بوتقة فنية مؤطرة، أو لعلها تبدو كذلك للوهلة الأولى، قبل أن تتشظى في عيون الناظرين إليها، لوحات شتى مفتوحة على قدر لافت من الخروج على النسق الواحد، بمقدار ما هي متكئة إلى حاجتها من الانتظام والانضواء·
إعادة تظهير
في سياق تقييمه للتجربة يقول زين إنه يميل إلى ترك المشهد يملي تداعياته على تقنية الرسم، ويدعه يتصرف بحرية الكينونة دون تدخل من جانبه إلا للحد من بعض جموح التداعيات، هكذا يكون الرسام مجرد أداة إضافية من أدوات الرسم، فيما تفعل الرؤى فعلها الخلاق في إبداع الشكل الذي سيتحول بعد إنجاز المشهد، ليصير مجرد أصل للمكافئ اللوني الذي آل إليه، اللوحة وفق هذه الرؤية هي إعادة تظهير للأشياء، أي إعادة تشكيل لها·
الفنان زين يدعو زملاءه من أهل التشكيل إلى عدم البحث عن النجاح والتفوق في الأماكن القصية من العالم، إذ ''ليست نيويورك ولا أمستردام ولا سواهما من المدن الكبيرة هي التي تصنع الفنان، لكن الدرب إلى ذلك واضحة بقدر ما هي شائكة إذ يكفي أن ترسم من قلبك حتى تصل إلى قلوب الناس''·
الفنان المغربي يشدد على أن ليس للفن الحقيقي من حدود دقيقة يجب السير عليها، وليس له من طابع محدد عليه الالتزام به، قد تكون هناك بعض التقنيات والأساليب، التي يمكن استلهامها، لكن الأساس يبقى في الإحساس الذي يعبر عن الفنان، ومن خلاله عن الإنسان·
العودة إلى التشخيص
الناقد التشكيلي المغربي عبد الرحمن بن زهرة يشير إلى ظاهرة مهيمنة في الفن المغربي راهنا، تتمثل في العودة إلى التشخيص على حساب التجريد، بهدف إبراز ما يسميه الناقد ب ''مغرب الأشياء المتأنقة، الصادقة، الحيوية والمشرقة''، حيث يظهر الوجه الحقيقي للكائنات والأشياء، وهو الوجه الذي عجز التجريد عن بلورته·
ويضيف بن زهرة: ''أن مشاهدة أعمال فنانينا، بمختلف تقنياتهم، لحظة متعة وتأمل، وحين نحلل اتجاهاتهم تشد إعجابنا النزعة المسماة بالتشخيصية الجديدة، حيث اللعب بالأضواء، على تبايناتها الجمة، وفوارقها الكثيرة على مستوى الألوان، أما المحتوى فيظل دائما ملائما لمتطلبات الشكل''·
بالإشارة إلى موضوع الحروفية، يرى بن زهرة أنها تساهم في الحركة الإبداعية عموما، حيث يعمل الفنانون المتبنون لها على تطوير حركية تطبعها روحانية جلية، تنهل من التقاليد العربية والإسلامية، مؤسسين لتجارب تسعى الى تحرير الحرف من خطيته المعيارية والمتصنعة·
غرام بالأصل
من جانبه الفنان أحمد زبيطة يحرص في لوحاته على تجذير الانتماء، العودة إلى الأصل فضيلة يقول، واصفا نفسه أنه مغرم بكل ما هو أصيل·
هذا التوق نحو البدء قاد الفنان زبيطة نحو الصحراء التي شكلت بالنسبة إليه نوعا من المرجع المعرفي البالغ الثراء، الخيل والجمال، وبيوت البدو في الأماكن القصية، جميعها منحت الفنان مصدراً للدهشة لا ينضب·
أبجدية كونية
بدوره الفنان محمد بستان يشير إلى تخصصه في الحروفية بوصفه مشروعاً متجاوزاً لرمزية الحرف نحو مساره الفكري، ويقول: ''أنا أتعامل مع الحركية التي يمارسها الحرف، وليس مع الحيز الذي يشغله في المساحات الجاهزة''· أما عن الهدف البعيد المدى فيتحدث بستان واثقا عن مشروع يصفه ب ''الكاليغرافي''، وهو يهدف إلى تأسيس أبجدية كونية، لم تتضح ملامحه وأبعاده الكاملة بعد، لكنه يستند إلى مبدأ تجريد حركية الحركة، وهو مفهوم فلسفي أكثر منه فني· يضيف قائلا: ''أنا لا اعتبر نفسي حروفيا، لأنني أتعامل مع المفاهيم المؤسسة على النفس والفكر، وهما لا نهائيان مما يضعني في لانهائية الحركة·''
الأمل دائما
منظمة المعرض الفنانة ابتسام أبو عنان لا تتردد في إعلان انحيازها المبدئي إلى بعض الألوان في مواجهة أخرى: ''الأزرق مثلا هو لون الأمل، ولا أملّ من استخدامه''· ليس اللون وحده هو الذي تحرص أبو عيان على اصطفائه، هي تبدي اهتماما خاصا بالخيول العربية كذلك، وتعبر بواسطتها عن مشاعر إنسانية مركبة، ثمة متسع للكلام عن شموخ وشجاعة وقوة وصبر وسوى ذلك من الطباع الآدمية، بواسطة عيون الخيل ونظراتها· الفنانة أبو عنان تودع لوحاتها بعض مكنونات ذاتها: ''المتابع للوحاتي يستطيع التيقن من أنني انتظر شيئا ما، لعله الأمل الذي لا أغادره مطلقا، وإذا حصل أن غاب فجأة فأنا أظل بانتظاره واثقة انه سيعود ذات لحظة، لا يهم متى، المهم أن يجدني أصنع لوحة احتفاء بعودته''·

اقرأ أيضا