صحيفة الاتحاد

ثقافة

أنساب الكتب.. مرّة أخرى؟

ساسي جبيل (تونس)

تسنّى لكثير من القرّاء العرب المشغولين بالشّأن الثقافي أن يطّلعوا على جديد مجال التّوثيق التّاريخي للشّعر؛ بفضل ما نشره الكاتب أنطوان جوكي في «الاتحاد الثقافي» بتاريخ 16 مايو 2018 حول ما يطرحه كتاب الباحث الفرنسيّ أدّي بروي (Eddie Breuil, Du Nouveau chez Rimbaud, Paris, Honoré Champion, 2014). وقد يقتضي مثل هذا البحث رصد بعض التّفاعلات في الأوساط الثقافيّة والأدبيّة العربيّة لا من منطلق البحث عن الإثارة أو تحقيق السّبق؛ ولكن من منطلق تحريك السّواكن إزاء ما استقرّ في الذائقة الشّعريّة من أحكام وانطباعات قد تكون تلبّدت بعض الشّيء نتيجة التّهيّب من رجّ التّاريخ وهزّ جذوعه. وهذا مقتضى لا مناص منه إذا رُمنا تجديد أفقنا الثقافيّ، بما في ذلك أفقنا الشّعريّ الحديث الذي أسهم في تشكيل مساحته تأثّر شعرائنا المعاصرين، وإن بتفاوت، بشعريّة أرثر رمبو، وبشعريّات أخرى رأت النور ونضجت في أوروبا في القرنين التّاسع عشر والعشرين.
وعليه، فإنّه بغضّ النّظر عن قيمة ما انتهى إليه هذا الباحث الفرنسيّ الشابّ من نتائج لا نخالها ستفضي، على أيّة حال، إلى تعديل شهادة ميلاد ديوان «إشراقات» لرامبو، فإنّ أيّ جديد يتعلّق بصاحب «فصل في الجحيم» يعنينا مباشرة من جهة أنّ حساسيّته الشّعريّة أثّرت في مسعى شعرائنا المحدثين منذ النّصف الأوّل من القرن الماضي إلى تجديد الشّعر العربيّ تجديداً كان من ثماره التّأسيس لقصيدة النّثر تنظيراً وتجريباً، فضلاً عن نحت جماليّة جديدة للقول الشّعريّ صياغة وإيقاعاً، بل وتأنيس مفردات دخيلة.
وثمّة دواعٍ أخرى تسوّغ الاهتمام بكلّ جديد لا يتعلّق فقط بهذا الشّاعر الذي عرك جزءاً من حياته في أراضينا وماثلت قصائده بيارق تحرير الشّعر من سلاسله القديمة رفعها شعراء كثيرون في العالم، بما في ذلك بعض شعرائنا المحدثين؛ وإنّما تتعلّق بضرورة تسليط أضواء جديدة على ما استقرّ في خزائن كتبنا على أنّه من الكلاسيكيّات؛ فوحده تحريك الكتاب ينفض عنه الغبار الذي تسلّل إلى داخله، أمّا الاكتفاء بالتّرتيب عليه خارجيّاً بمنفضة فلا يعدو أن يكون غير تحنيط له...
لنأخذ، أحياناً، كتبنا بقوّة دون خوف على أنسابها..

على محكّ الجَرْح والتّعديل
الأكاديمي والناقد والمترجم التونسي المعزّ الوهايبي أكد لـ«الاتحاد» أنه قد يكون من الجدير التّعاطي مع هذا المستجدّ بشأن إشراقات رامبو انطلاقاً من زاويتين: أولاهما تتعلّق بانعكاسات هذه المراجعة التي قام بها الباحث الفرنسيّ (أدّي بروي) Eddie Breuil لهذا الدّيوان وتأثيرها على الدّراسات التي تناولت هذا الثر على أنّه منسوب إلى رامبو وينخرط في عالمه الشّعريّ. وثانيتهما تتعلّق بنا نحن العرب الذين تأثرّ بعض شعرائنا المحدثين بالأفق الشّعريّ الذي فسحه أمامهم (رامبو)، وربّما ساروا فيه على غير هدى.
الواقع ما يلفت الانتباه في كتاب الباحث الفرنسيّ «جديد لدى رامبو»؛ [وربّما الأصوب «نوفو لدى رامبو»، خاصّة أنّ الغلاف يراعي القاعدة الفرنسيّة في كتابة اسم العلم في حرفه الأوّل بحجم كبير] هو كونه يراوح بين ما يمكن أن نعتبره من قبيل التّحرّي البوليسيّ وما يمكن أن نعتبره من قبيل الاستنطاق الأستيطيقي. فهو يدقّق في بعض المخطوطات التي نسخها (رامبو) بيده، سواء تعلّق الأمر بنصوصه هو أو بنصوص غيره، فضلاً عن تجريحه في شهادة (فرلين) التي يقول فيها بأنّه بعد خروجه من السّجن سلّمه (رامبو) نصوص الإشراقات مخطوطة وطلب منه أن يبحث عن (جرمين نوفو) ليمكّنه منها، أو على الأقلّ هو ينسّب هذه الشّهادة لكونها ملتبسة الصيّاغة فيما يخصّ علامة الملكيّة التي ترد في الفرنسّية محمولة على معنى من اثنين: ملكيّة (نوفو) للنّصوص أم ملكيّة (رامبو) لها! يضاف إلى ذلك تحرّيات وتدقيقات أخرى قام بها (بروي) في بحثه هذا الذي يحمّل فيه المسؤولية لناشري هذا الديوان وليس للشّاعر.
وفضلاً عن ذلك، فإنّه لم يدّخر جهداً أيضاً في حشد حجج أستيطيقيّة وبلاغيّة من أجل بيان أنّ روحاً تشكيليّة تعتري أسلوب إشراقات كما تغلب عليها استعارات مسرحيّة، وهو ما يتناسب في تقديره مع اختصاص (نوفو) الذي كان رسّاماً ومسرحيّاً، فضلاً عن كونه شاعراً، فقد راجع بعض المفردات ودلالاتها مبيّناً تناسبها مع أسلوب (نوفو)؛ من ذلك، مثلاً «الحرارة»، أو «الصّيف» اللّتين يصاحبهما الشّعور بالسّعادة لدى (رامبو) على خلاف (نوفو). ولعلّه كان بذلك يردّ على حيرة عبّر عنها ذات مرّة (أندريه بريتون) وهو يتساءل عن حجم تأثير كلّ منهما في الآخر..
وبغضّ النّظر عن ردود الفعل متفاوتة الحماس أو البرودة إزاء هذا الموقف؛ فإنّ ما يقتضيه مثل هذه البحوث التي تراجع أنساب الكتب والآثار الفنّية، إذا رجحت قيمتها وثبتت صدقيّتها، هو ما ينتظر النّقاّد والباحثين من أعمال ودراسات لمراجعة كلّ ما أنجِز من تأويلات وتحليلات لمدوّنة يلزم استكمال جرحها بالتّعديل المطلوب.
أمّا الزّاوية الثانية، فتتعلّق بنا نحن العرب؛ فلئن كان الشّكر واجباً للكاتب أنطوان جوكي ولـ«الاتحاد الثقافي» على بسط هذا الموضوع أمام القارئ العربيّ، فإنّ ذلك يثير كثيراً من الأسئلة تتعلّق بالهمّ
الشّعريّ لدى شعرائنا ونقّادنا، الشباب منهم على وجه الخصوص، الذين لا ننكر اطّلاع كثيرين منهم على المدوّنة الشّعريّة العالميّة وعلى تأثر بعضهم بالحساسيّة الشّعريّة التي خلّفها زمرة «الشّعراء الفرنسيين الضّالين»، ومن بينهم (رامبو)؛ ومع ذلك فقد عليهم هذا البحث الذي نشر منذ أربع سنوات مرور الكرام.
ربّما تحتاج مدوّنتنا نحن أيضاً، شعرها ونثرها، إلى إعمال آلة الجرح والتّعديل التي طالما برع فيها أسلافنا، وهم ينخلون طحين معارفنا..

نيكروفيليا.. بنزعة علمية متردّدة
الروائي والشاعر التونسي حافظ محفوظ أشار إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها شعر رامبو إلى مثل هذه الفوضى البحثية التي تنبع من مزالق تاريخ الأدب، بعيداً جداً عن النصّ بحدّ ذاته، ومهما يكن من أمر الإشراقات الإنجليزية المجموعة الأخيرة لرامبو، فإنّنا لا يمكن أن نعدم فيها شعريته التي تعود إلى كتاباته الأولى (حين كان تلميذاً في الثانوية) مروراً بفصل في الجحيم، أو القصائد الأخرى، والتي انتهت كلّها إلى حزم من الأوراق، يسلّمها رامبو إلى أحدهم مبتسماً ابتسامته الغريبة.
سينتظر الفرنسيون قرابة القرن ونصف ليلقوا هذا الحجر الصغير في (نهر السان ) نشداناً لتحريك دفّتيه، بعد أن ظلت ساكنة لأعوام، لم يقترب منها سوى صبية قلقين تجرّؤوا على وضع أقدامهم لتتبلّل قليلاً..
منذ سنة 1875 انشغلت الأقلام النقدية الفرنسية وغيرها في تقريض هذا الأثر الشعريّ البديع وأُلّفتْ حوله عشرات الكتب، بعضها في إبراز اللّغة الشعريّة الخاصّة لصاحب الإشراقات، الطفل ذي أحذية الريح، وقد ذهب في الظنّ أنّ تاريخ الشعر الفرنسي إنّما يأخذ لونه من بودلير ويأخذ شكله من رامبو وهو رأي نميل إليه كثيراً، لا غرابة فبودلير غيّر لدى رامبو ما غيّر مثلما فعل لوتريامون، وكانت نتيجة ذلك هذا الوهج الجديد الذي اتّبعه صاحب فصل في الجحيم في كتاباته الأخيرة؛ أي في قصائد الإشراقات إذا استثنينا منها قصيدتيه العموديتين، إن صحّت التسميةً.
إذا اتّبعنا هذا النهج النقدي سنشكّك في أكثر الشعر الفرنسي والعالمي الذي كتب في القرن التاسع عشر وما قبله، كما فعلنا نحن العرب مع تراثنا شعراً ونثراً منذ صرخة طه حسين، لكن بقي ما نُسب للبيد بن ربيعة للبيد بن ربيعة وما نُسب لامرئ القيس لامرئ القيس.
هناك رغبة نيكروفيلية في كلّ هذا، نيكروفيليا مغلّفة بنزعة علمية متردّدة.. لقد قاسي أرتور رامبو في حياته، وأصاب ما أصاب من الخيبة وها هو يلقى الأمر نفسه بعد موته، فلم يشفع له هروبه العدمي إلى حراري، ولَم يشفع له هروبه الهرمي من الشعر الفرنسي الموروث.

رسالة متأخرة إلى رامبو
الروائي والمترجم والناقد السوري نبيل سليمان كتب متسائلاً بعد أن حرك الأمر سواكنه، خصوصاً أنه قرأ رامبو منذ أكثر من نصف قرن فقال:
آرثر رامبو هو العزيز الذي يسحرني شعره، وتربكني سيرته: فبعد ست وخمسين سنة - أي منذ عام 1962 - أكتب لك يا رامبو هذه الرسالة التي أخرها أولاً السحر، ثم الزهد بها والنسيان، على الرغم من أنني ما زلت حتى اليوم أعود إلى شعرك/‏ سحرك، كل حين، والحين بات يتطاول قبضة من السنين.
في ذلك الصيف الذي حملت من البكالوريا الصناعية التي تشتهر بأنها لا تولي الأدب واللغة عناية، صادفت في المكتبة الوحيدة في مدينة جبلة كتاب صدقي إسماعيل «رامبو: قصة شاعر متمرد». قلّبت في الكتاب، قرأت سطوراً، اشتريت، وقبل أن أنام أتيت على الكتاب الذي لم يفارقني في نومي، ولا في أيامي التالية.
كان الكتاب - كما سأعلم من بعد - أول كتاب للروائي والناقد والمفكر الراحل صدقي إسماعيل (1924 ـ 1972). ولم تكن لقصيدة التفعيلة غوايتها، فكيف بقصيدة النثر، لكن سحرك لطشني، وسيتوالى اللطش في (فصل في الجحيم) بخاصة، وفي كل ما سأقرأ لك، ومنه (إشراقات) التي ينكرها عليك الآن أدي بروي، أو ينكر على الأقل أنها لك وحدك.
نكرانه جعلني أتساءل بصدد (إشراقات) كما بصدد أية حالة شبيهة، ما المانع في أن يكون ديوان ما غير متجانس لشاعر استثنائي، وما قيمة أن المخطوطة مكتوبة بأكثر من خط، أو أن الناشرين هم من هيأوها، وليس الشاعر، أو الشاعران؟ فليكن لجيرمين نوفو من (إشراقات) نصيب، فذلك لن يدمّر أيقونتك، ولن يبدد سحرك. لا تحزن. نحن أكبر ولعاً من أدي بروي بتدمير أيقوناتنا. كن بخير.