الاتحاد

قطر.. تنتحر

قطر.. تاريخ حافل بنقض العهود

في عام 2014، كان الكيل قد طفح من سياسات قطر وموقفها من القضايا والأحداث العربية، حيث قامت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومملكة البحرين، بسحب السفراء في مطلع مارس عام 2014، عقب قرار اتخذ إثر «فشل الجهود كافة في إقناع قطر بضرورة الالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواءً عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي وعدم دعم الإعلام المعادي». واعتبرت الدول الثلاث آنذاك في بيانها أن قطر قد أخلت بتنفيذ اتفاق وقّع في الرياض في 23 نوفمبر 2013 بحضور الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت. وهو الاتفاق المعروف باتفاق الرياض، الذي نص (بحسب تسريبات وسائل إعلام شبه رسمية) على تعهد قطر بتنفيذ سبعة بنود، أولها «التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول الخليج»، و«عدم تجنيس أي مواطن من دول مجلس التعاون»، و«إبعاد كل العناصر المعادية لدول المجلس والمطلوبة قضائياً عن أراضيها، خصوصاً جماعة الإخوان»، وكذلك «وقف التحريض في الإعلام القطري، وعدم السماح لرموز دينية في قطر باستخدام المساجد ووسائل الإعلام القطرية للتحريض ضد دول مجلس التعاون»، و«وقف دعم جماعة الإخوان ووقف التحريض ضد مصر»، وهي تعهدات يبدو من الواضح أن تآكلت تماماً ونكصت الدوحة بوعودها بمرور الوقت ولم يتبق منها سوى إغلاق قناة «الجزيرة مباشر مصر». بل تمادت قطر في دعمها لجماعة الإخوان الإرهابية ومعاداة الدولة المصرية، وشن حرب إعلامية ضد القيادة المصرية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في البلاد، وما تلا ذلك من احتضان رموز الجماعة في الدوحة وتمويل خططهم المضادة للاستقرار في مصر، ومنها تمويل المظاهرات وأعمال العنف والتحريض سعياً لنشر الفوضى في مصر.
لم تنكر قطر هذه الاتهامات في ردها عام 2014 على موقف الدول الخليجية الثلاث الداعمة لمصر، بل جاء ردها بمنزلة اعتراف ضمني بدورها، وما وجه إليها من اتهامات، حيث اعتبر البيان القطري، أن الخطوة التي أقدمت عليها الدول الثلاث «لا علاقة لها بمصالح وأمن واستقرار الشعوب الخليجية، بل باختلاف في المواقف حول قضايا خارج مجلس التعاون الخليجي»، متجاهلة في ذلك أن أمن دول وشعوب مجلس التعاون هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر وشعبها، وهو الرد ذاته الذي كررته في الأزمة الحالية، عبر الإصرار للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق والتركيز على تسويق فكرة «الضحية» أو «المظلومية» التي استوحتها الدبلوماسية القطري من أدبيات تنظيم «الإخوان» الإرهابي!
ورغم نجاح الوساطة الكويتية آنذاك في احتواء مظاهر الخلاف، في نوفمبر عام 2014، حيث ارتأت قمة دول مجلس التعاون عودة السفراء إلى قطر مقابل التزام الأخيرة ببنود اتفاق الرياض، الذي حدد بدقة آلية واضحة لإنهاء الخلاف بين الدول الخليجية الثلاث وقطر، وأعلن فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الدوحة. ولكن ما حدث أن قطر قد استغلت وفاة العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله، وبروز بعض التباينات في السياسات السعودية المصرية، وعادت إلى سابق عهدها وطوت تماماً صفحة هذا الاتفاق، ولعبت على وتر تأجيج الخلافات السعودية المصرية، ونفخت في نار الفتنة والوقيعة، رغم أن السياسات الرسمية السعودية لم تكن تنطوي على ما يشير إلى وجود أزمة معلنة بين القاهرة والرياض، ولكنها توترات مرحلية سرعان ما كان يتم احتواؤها عبر زيارات متبادلة وإجراءات تعلي المصالح الاستراتيجية للبلدين الشقيقين.
ومن السرد السابق، يتضح أن جوانب الخلاف في العلاقات الإماراتية القطرية، تتصل بالأساس بالرؤية الاستراتيجية للأوضاع الإقليمية، ولا تتصل بملفات تخص العلاقات الثنائية في نطاقها الضيق، فالإمارات تؤمن بأن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، وأن هناك خطراً داهماً يتهدد الأمن والاستقرار الإقليمي بسبب موالاة قطر لجماعات الإرهاب ودعمها إعلامياً ومالياً وسياسياً، وتوفير حاضنة لاستضافة قادتها في الدوحة، وفي ظل نزوع إيران التي تمتلك قطر علاقات خفية معها، إلى استغلال الفوضى الإقليمية لمصلحة تنفيذ أجندة توسعية للهيمنة على المنطقة، وقد تحقق بالفعل جزء كبير من هذه الخطة، في ظل غض الطرف دولياً عن مشروعات إيران التوسعية لإتاحة الفرصة لإنجاح المفاوضات التي كانت تجري وقتذاك حول البرنامج النووي الإيراني، فترك لإيران «الحبل على الغارب» كي تنفرد بالعراق وسوريا ولبنان، وتباهت بسيطرتها على عواصم الدول الثلاث، وسعت إلى ضم صنعاء إلى حيز السيطرة الاستراتيجية الإيرانية، ولكن هذه المرة جاء قرار «عاصفة الحزم» ليجهض الخطة الإيرانية لاستكمال طوق الاحتواء الاستراتيجي لدول مجلس التعاون من لبنان شمالاً إلى اليمن جنوباً.
كانت الخطة الإيرانية، ولا تزال، تمضي بالتعاون مع قطر، رغم مظاهر التعارض الشكلية في الأهداف والمصالح، حيث تقدم الحالة السورية نموذجاً دالاً على ذلك، فقط تمول تنظيمات الإرهاب الموالية لـ «القاعدة» كجبهة النصرة وغيرها، التي يفترض أنها تخوض صراعاً ضد الجيش السوري المدعوم من إيران، ولكنك تجد تعاوناً وقنوات مفتوحة بين قطر والميلشيات الشيعية في العراق التي يقودها جنرالات الحرس الثوري الإيراني! كما شاركت قطر ضمن التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن، ولكن خطوط اتصالها المفتوحة مع جماعة «الحوثي» منذ عام 2006، لم تنقطع! ولم يثبت للقوات القطرية مشاركة فاعلة في اليمن، الأمر الذي أثار الشكوك دوماً في حقيقة نوايا قطر، ودورها المشبوه في أزمات المنطقة.
الثابت أن قطر تمتلك علاقات خفية مع تنظيمات الإرهاب والدول الكبرى تعرف ذلك، ومنحت الدوحة الضوء الأخضر على هذا الصعيد، كي يتاح لقطر لعب دور الوساطة مع هذه التنظيمات إبان الأزمات، وقد لعبت قطر بالفعل دور الوسيط في الإفراج عن العديد من المختطفين الغربيين في سوريا وغيرها، ولكن قطر استغلت الفرصة، وطورت هذه العلاقات للتأثير في أمن دول مثل ليبيا ومصر والسعودية والبحرين، عبر تحريض وتمويل عناصر الإرهاب من أجل شن هجمات واعتداءات إجرامية في هذه الدول.

* كاتب إماراتي

اقرأ أيضا