الاتحاد

دنيا

إحياء المأثورات الشعبية حصن الأمان من ضياع الهوية

أحمد مرسي

أحمد مرسي

التقت “الاتحاد”، على هامش الملتقى القومي للمأثورات الشعبية الذي عقد بالقاهرة مؤخرا، مع عدد من أساتذة المأثورات الشعبية لمناقشة تراجع دور المأثورات في المجتمع. إلى ذلك، قال د. محمد حافظ دياب، أستاذ الانثرويولوجيا بجامعة بنها المصرية، إن المأثور الشعبي في الوقت الحاضر يتعرض لأخطار كثيرة يتصل بعضها بانحساره وبعضها بدعاوى تحريمه واخرى بقلة مردود الدراسات البحثية التي توليه الاهتمام والعناية وأخيرا شح وندرة الصيغ الابداعية التي تستلهمه وكلها وجوه تضافرت معا فجعلت مشهد هذا التراث ملتبسا ومهددا.
وأكد أن مظاهر المأثور الشعبي المصري تتهاوى حيث غابت الأعياد الدينية وحكاوي الأجداد ومهرجانات السوق والاجتماعات العامة التي كانت مناسبة لتظاهرات ثقافية، وأصاب نفس المصير الحكواتي ورواة السيرة والمقلداتي وشح المثل الشعبي وانحسر المسكن التقليدي والسامر وخيال الظل والأراجوز وفنون الفرجة وانطوى عصر الفنانين اليدويين الفطريين الذين كانوا يمارسون حريتهم في الإبداع والتكوين وحلت بدلا من ذلك أشكال تشوه التراث ممثلة في أغان هابطة ومبتذلة وعادات وتقاليد همجية وفنون للتسلية والإثارة.
وأوضح أن الغالبية العظمى من المصريين توجهت نحو الاستهلاك المحض وتعاظم الانكفاء على حياتها الداخلية وتفكك صلتها بالتراث الحضاري فضلا عن أن هذه الجماعات همشتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية وأدخلتها أزمة مزمنة مما منعها من النمو الفكري وحصرها في الاكتفاء بالبحث عن لقمة العيش وعدم الاعتزاز بالتراث وأدى كل ذلك الى انحسار العلاقات بين الأفراد وتحولها الى غرف معزولة ومقفلة، مضيفا أن كل هذه الأسباب جعلت المصريين لا يهتمون بتراثهم غصبا عنهم وزاد على ذلك جدل التقليد والتحديث بما يحمله من تناقضات فرضت نفسها على الثقافة الإعلامية وثقافة التغريب.

إلحاح التغيير

قال د. سميع شعلان، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون المصرية، إن المأثورات الشعبية تتحرك في مصر شفاهة بين الناس وما يقبلونه يأتي وفق حاجاتهم وما يرفضونه يندثر لكن التحدي الآن يتمثل في تغيير ثقافتنا بسبب إبهار ثقافات اخرى والتغيير وارد لأن الحياة تتغير ولكن ما نرفضه هو الإلحاح في تغيير ملامح الشعوب كي تكون مسخا مشوها بقصد الهيمنة التي تهدف إلى تغييب الإحساس بالهوية والانتماء وهناك اتجاهات ترغب في أخذنا الى التطرف واخرى تدفعنا للارتماء في حضن الغرب ولكن لا احد يفكر في استعادة ذاتنا الحضارية.
وأكد أن كل المأثورات الشعبية بمختلف فروعها وفنونها تمثل هوية واضحة للمجتمع المصري عبر التاريخ وهذه المأثورات تؤدي وظيفة في علاقة الناس بعضهم والجماعات دائما تختار ما يوافق رؤيتها للحياة والمأثورات الشعبية عبر التاريخ تتبدل وتتغير حسب ما يتوافق مع عادات الناس لأنها تمثل منظومة القيم والأصول.
وقال إن المأثورات الشعبية تتعرض لأخطار كثيرة حاليا بسبب التهميش المتعمد لها في وسائل الإعلام التي تحسب هذه المأثورات على الماضي المرادف للتخلف، والذي ينبغي نبذه ولا تهتم الوزارات المعنية بالتعليم بهذه المأثورات والحفاظ عليها ودورها في تأصيل الهوية داخل المجتمع، والمطلوب لكي ننمي امتنا أن نهتم بتراثنا الشعبي في مدارسنا وإعلامنا وان نستخدم هذا التراث الضخم في إمدادنا بالمعلومات والمؤشرات التي تفيد الأجهزة التنفيذية لحل مشكلاتنا وتنمية مجتمعاتنا.
وأضاف شعلان: “الحواديت الشعبية التي كنا نحكيها لأطفالنا زمان كانت تحتوي على قيم إنسانية مهمة فضلا عن ربطنا بجذورنا الحضارية ويجب أن نستعيد تلك الأشكال الشعبية من حواديت وألعاب بدلا من استبدالها بمسلسلات أطفال تحض على العنف ولا تحوي سوى قيم غريبة عنا من حيث المضامين والأشكال”.

اختلاف المظاهر

قال د.محمد عبدالحافظ، خبير التراث الشعبي بأكاديمية الفنون، إن هناك فرقا بين المأثورات والتراث فالتراث انتهى في الماضي ولم يعد له استخدام في الحاضر بينها المأثورات الشعبية أو الفلكلور تعني التراث الذي لا يزال يعيش في اللحظة الراهنة ويستمر في المستقبل ويحتوي على معنى الحيوية والتجدد وهو ما يؤكد أهمية استمرار المأثورات الشعبية في الحاضر والاستفادة منها في حياتنا.
وأضاف أن هذه المأثورات تتعرض للتغيير وهي ظاهرة طبيعية تنسحب على أشياء كثيرة في الحياة وهي باقية ولكنها تتشكل وتندمج في المجتمع بصور مختلفة ومن خلال مظاهر جديدة فرسائل sms الشبابية نعتبرها كدارسين للتراث الشعبي مظهرا متطورا لفن الرسائل قديما، والشباب له صلة بالتراث فاليوم نجد شبابا كثيرين يحرصون على حضور عروض الرقص الشعبي مثل المولوية وعروض الزار وخيال الظل والفنون الشعبية الموسيقية وكلها أشكال للمأثورات الشعبية يتم توظيفها بشكل فني ومسرحي.
وأكد أن هذه العروض تعمل على إحياء المأثورات الشعبية وتسليط الضوء عليها لكنها جهود فردية وعلينا أن ندخل المأثورات الشعبية في أنشطتنا المدرسية والجامعية ومراكز الشباب والإعلام وتشجيع استلهام العناصر والفنون التراثية في فنون المعاصرة حتى لا تندثر تلك المأثورات التي يرتبط بعض أشكالها بحضور روائها مثل السيرة الهلالية التي ينتظر نهايتها برحيل روائها الشفاهيين فضلا عن جمع المأثورات الشعبية من مختلف المناطق وتدوينها وتوثيقها.
وقال عبدالحافظ إن المأثورات الشعبية بمختلف أنواعها وأشكالها مرآة صادقة تعكس ثقافة المجتمع والمأثور الشعبي لأي أمة يعد معلما من معالم شخصيتها القومية وهويتها الثقافية لكن يتعرض الكثير من ملامح التراث والمأثور الشعبي للاندثار بسبب عدم الاهتمام به والمسارعة بتوثيقه وحفظه وحمايته رغم جهود عدة مؤسسات حكومية وغير حكومية.

مطلب قومي

تحدث عبدالحافظ عن دوره في الإشراف على مشروع توثيق وتنمية المأثورات الشعبية الذي يسعى منذ عام 2008 إلى تسجيل المأثورات الشعبية بالصوت والصورة والكتابة من أجل الحفاظ عليها بشرط أن يكون توثيق المأثورات الشعبية قائما على أسس علمية وليس على الاجتهاد فقط. وشدد على أهمية الاستفادة من جميع التجارب التي تصب في بوتقة إحياء التراث لأننا في اشد الحاجة للحفاظ على هذا التراث من الاندثار الذي يتعرض له الآن بفعل عوامل كثيرة ترتبط بإهماله وعدم تسليط الضوء عليه وهجوم الثقافات الخارجية على المجتمع وتمسك المجتمع بثقافات وهويات وقيم وأفكار دخيلة لا تعبر عن هويتنا وحضارتنا.
من جهته، قال د. أحمد مرسي، رئيس الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية، إن المحافظة على المأثورات الشعبية أصبح ضرورة كونها البوصلة التي توجه دوما إلى كل ما هو أصيل وتحتوي على قيم إيجابية مثل الشجاعة والمروءة والكرم وحب الجيران والارتباط بالدين بشكل سمح.
وأضاف أن المأثورات الشعبية بكافة أشكالها وأنواعها من الحكايات إلى الأمثال إلى فنون الفرجة والغناء تحوي فضائل كثيرة تترسخ في وجدان الناس طالما هي موجودة وتكشف تطور الشعوب ورقي سلوكها وثقافتها وتؤدي وظائف اجتماعية وروحية، مؤكدا أن التمسك بهذه المأثورات ليس رفاهية ولكنه مطلب قومي للحفاظ على هويتنا وثقافتنا أمام طوفان العولمة والتغريب، خاصة أن دول العالم المتقدم حريصة على مأثوراتها الشعبية وهويتها الحضارية والحفاظ عليها.

اقرأ أيضا