الاتحاد

الاقتصادي

البحث عن الثروة الاقتصادية الحقيقية

متداولون في سوق الأسهم الأميركية التي كانت في قلب الأزمة العالمية

متداولون في سوق الأسهم الأميركية التي كانت في قلب الأزمة العالمية

انطوت الأزمة المالية الراهنة على تشوش جوهري لفهم الثروة الحقيقية. ولفهم كيف حدث هذا التشويش، دعنا نفكر فيها من وجهة نظر أحد سكان المريخ حين يرى غرفة مليئة بسبائك ذهبية ورزم من عملات ورقية وأرقام على شاشة كمبيوتر. سيبدو احترامنا لهذه الأشياء في كوكب الأرض بالنسبة له غريباً جداً.
تتألف الثروة من بضائع ومنتجات نود استهلاكها أو من أشياء (مصانع أو آلات أو قوة عاملة مدربة) تكفل لنا القدرة على إنتاج المزيد من هذه البضائع والخدمات. وتنشأ الأصول المالية من الرغبة في إرجاء الاستهلاك بحيث يمكن توفير النقود سواء لأسباب احترازية أو لاستثمارها بحيث يمكن استهلاك مزيد من البضائع والخدمات مستقبلاً. فإذا نظرنا إليها على ذلك النحو لا تعتبر الأصول المالية “ثروة” في حد ذاتها، بل “حق المطالبة” بثروة حقيقية. فإذا تضاعفت تلك المطالبات أو زاد سعرها فإن هذا لا يعني أن إجمالي الثروة قد زاد. فعلى سبيل المثال، إذا قطعنا فطيرة الى ثماني شرائح بدلاً من أربع لا يعني هذا أن هناك مزيدا من الطعام. وذا أعطي كل شخص جالس حصته في الفطيرة وارتفع سعر الحصة من دولار الى دولارين ستظل الوجبة كما هي بنفس حجمها.
ولعل السبب الجوهري في ارتفاع سعر الأسهم بمرور الوقت هو أنها مرتبطة بالبضائع والخدمات الجاري إنتاجها من قبل الشركات. ومع نمو الاقتصاد تزيد أيضاً إيرادات تلك الشركات. وإذا افترضنا ثبات الهوامش بمرور الوقت فإن الأرباح ستزيد أيضاً وستزيد كذلك التدفقات النقدية لأصحاب الأسهم. وتخفي الدورة التجارية هذه الحقيقة، الأمر الذي يترتب عليه تذبذب الإيرادات والهوامش ويساعد أيضاً على إخفائها تقلبات رأي المستثمر وعاطفته ما يؤدي الى تقليل سعر السهم وإعادة تقييمه (ما يعني زيادة وتراجع إيرادات الأسهم). إن ارتفاع أسعار الأسهم الناتجة عن إعادة التقييم لا تجعلنا أكثر ثراءً على وجه الإجمال ما لم تمثل عملية إعادة التقييم تلك توقعاً دقيقاً بارتفاع معدل نمو الاقتصاد طويل الأجل. إلا أن الناس يستخدمون أسواق الأسهم كمقياس للسلامة الاقتصادية، ولذا فإن الحكومات والبنوك المركزية يمكن أن تعتبرها (بل تعتبره فعلاً) دليلاً على تحرك الاقتصاد في الاتجاه الصحيح. وربما يؤدي ذلك الى أخطاء في السياسة مثل تسيب الوضع النقدي ثم وفرة نقدية غير منطقية. أما بالنسبة لقطاع العقارات، فهو أكثر تعقيداً من سوق الأسهم نظراً لأن الناس يحصلون على المنفعة من مساكنهم (المأوى والراحة.. الخ) وفي نفس الوقت يعتبرونها ضمن الأصول. ومع ذلك فإن ارتفاع أسعار المنازل بما يتجاوز نمو الناتج الإجمالي المحلي لا يجعل المجتمع أكثر ثراءً، بل إن كل ما يحصل هو انتقال الثروة من المشترين الأوائل الى البائعين الخارجين من السوق العقارية. ومن الناحية النظرية يمكن أن تزيد أسعار المنازل أسرع من نمو الناتج الإجمالي المحلي لفترة إذا قرر الأفراد تخصيص المزيد من دخولهم لخدمات الإسكان (ربما يفضلون شقة سكنية أوسع عن سيارة أكبر مثلاً). أما من الناحية العملية يصعب فصل تلك النقلات الهيكلية من المضاربة التي تشيع في كافة حالات الازدهار العقاري.
وقد نشأت الأزمة من الربط بين المضاربة وبين أسعار الأصول، حيث وجدنا أن إمكانية اقتراض النقود لشراء أصول قد أشعل ارتفاع أسعار الأصول. وكان من شأن وقع الأسعار المرتفعة الظاهر على الثروة إقناع الناس باقتراض نقود ليستطيع تحمل الاستهلاك.
من وقت ليس بالبعيد بثت إذاعة بي بي سي برنامجاً عن استخدام بطاقات الائتمان. وقال أحدهم إنه يشعر أنه أغنى لأنه منح حد بطاقة ائتمان قدره 5000 جنيه استرليني 8001 دولار). بالطبع ما أن استخدم البطاقة بات أكثر فقراً. فلم يكن عليه أن يسدد مبلغ 5000 جنيه استرليني فقط، بل كان مجبراً على أن يدفع فوائد باهظة أيضاَ، وبالمثل أولئك الذين يشترون أصولاً مفرطة التقدير بنقود مقترضة لم يجعلوا أنفسهم أكثر ثراءً، بل أكثر فقراً. يفيد أيضاً الحكم على الثروة بهذه الطريقة عند تدبير حزم إنقاذ الاقتصاد. فهل ستعزز هذه السياسات حجم البضائع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد في الأجل الطويل أم ستكون لها عواقب ستفيد فعلياً النشاط الاقتصادي؟ وهل من شأن التسهيل الكمي تنمية الثروة فعلاً أم مجرد خلق مزيد من المطالبات على مجموع الأصول ذاتها؟ وقد سبق مراراً وتكراراً أن تدخلت البنوك المركزية في العالم لإنقاذ الأسواق المالية أو الثروة الورقية على مدى الأعوام العشرين الفائتة. ولكن هل تمت الاستفادة من دروس كل أزمة اقتصادية ضربت أنحاء العالم فيما سبق أو العالم بأسره في هذه الأزمة الراهنة؟

عن “ايكونوميست”

اقرأ أيضا

حامد بن زايد: أفريقيا سوق جاذبة ونبحث آليات تخطي عقبات الاستثمار