الاتحاد

تقارير

العنف الطلابي في الســودان

فتح حادث اغتيال طالب بجامعة الجزيرة السودانية مؤخرا مرة أخرى وبشكل واسع خلف ما اتفق على تسميته ''بالعنف الطلابي'' وهو ملف لم يغلق أصلا قبل وبعد اغتيال طالب الجزيرة، لكن ردود الفعل الواسعة والتظاهرات والمواكب الطلابية والأهلية التي فجرها هذا الحادث الأخير، أعادت الأمر إلى صدارة الهموم السياسية السودانية ليس لبشاعة الطريقة التي قتل بها الطالب، لكن لأن الحادث وقع بعد أن كانت جميع الاتحادات الطلابية قد توافقت على ميثاق وبيان نشر على الملأ في العام الماضي يدين فيه استعمال العنف بديلاً عن الحوار السلمي والجاد في دوائرهم الطلابية، وتعهدوا خلاله على نبذه ورفضه في محاولة ثمنتها كافة القوى السياسية باعتبارها نقطة بداية لإغلاق باب وباء كاد أن يعصف بمكتسبات الحركة الطلابية ممثلة باتحاداتها، وهي حركة ذات قدم راسخ في تاريخ السودان، تمتد جذورها الى ثلاثينيات القرن العشرين·
الأصل أن ممارسة العنف الذي أفضى للقتل العمد مرات ومرات، أمر دخيل على ممارسات العمل السياسي السوداني بصورة عامة، وعلى النشاط الطلابي بصفة خاصة، وليس الهدف الآن هو استعادة تاريخ هذه الظاهرة الدخيلة على حياتنا السياسية وتوجيه الاتهام؛ لكن ومن أجل المساهمة في العمل الفكري الهادف لإزالتها وتجريمها واستعادة السلوك الديمقراطي القويم، وترشيد سبل الاختلاف في الرأي والفكر، لابد من الاعتراف بالحق أن التنظيمات الطلابية التي اتخذت في مرات عديدة العنف والإرهاب ضد الخصوم، والتي قامت بأعمال منكرة في الجامعات في العقدين الأخيرين من حياة السودان، فأحرقت ودمرت مكتباتها ومكاتب أساتذتها، ومارست أشكالا من البلطجة ضد الطلاب لتعطيل وإلغاء الانتخابات في بعض الجامعات -التي كان لطلابها موقف سياسي معارض لها- هي من نتاج وتربية اتجاه سياسي فكري آمن بالعنف وسيلة للعمل السياسي، وأسس لرفض الديمقراطية وممارستها، ليس في محيط العمل الطلابي، ولكن في محيط وفضاء السودان السياسي وتطوره ونمائه، حتى وصل به الانقلاب العسكري مركبا للوصول إلى السلطة والثروة·
والخطر الذي يجب أن يدركه كافة الناس وما نبهت له عملية اغتيال الطالب مؤخرا، أن مدرسة العنف السياسي هذه قد رسخت أقدامها وستصبح العائق الأكبر، حتى أمام ما يعلن الحزب الحاكم اليوم، أنه مؤمن به وساع إليه من تحول نحو الديمقراطية، وما يجب أن يسبقه ويصحبه من وفاق ومصالحة وطنية؛ ومن نافلة القول إن ما كتبه وصرح به أخيرا كتاب ومثقفون إسلاميون بأن الشباب كانوا يربون منذ بداية تربيتهم العقائدية على فتوى أن ''التزوير والتدليس'' في انتخابات الاتحادات الطلابية، هو نوع من أنواع الجهاد المشروع دينيا، قد صار واقعا تحتاج الى مواجهته وإزالة آثاره -الضارة على الحياة السياسية السودانية كلها- إلى ما هو أكثر من مواجهته بقوة القانون الجنائي الذي يجرم القتل والاغتيال· إنه يحتاج على صعيد الفكر والعمل والتربية السياسية إلى جهد أكبر وأصعب، تتشارك فيه كل القوى السياسية المستنيرة والديمقراطية التي تطمح إلى تحقيق التحول الديمقراطي وتوطيد أركان السلام في السودان·
حادث اغتيال طالب جامعة الجزيرة الذي فتح ملف العنف الطلابي ودفع به إلى الصدارة، يجب أن لا يتوقف عند الإدانة والشجب والمطالبة بملاحقة القاتل -القتلة جنائيا وذلك حق وواجب- لكن سيبقى قاصرا إن توقف عند هذا الحد؛ فالمجتمع السوداني مطالب بأن ينظر بالعمق الواجب، وأن يعمل بالقوة اللازمة لاجتثاث جذور هذه الظاهرة الخطيرة في حياته، والتي سيقود استشراؤها لخطر مريع على الحياة المدنية السودانية·
وحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي سارع بإعلان براءته من دم القتيل، مطالب أكثر من غيره بعمل جاد على جهة اجتثاث هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة، ذلك إذا كان حقا وصدقا هو راغب في التحول السلمي الديمقراطى، فالعنف الذي تميزت به سياساته في مرحلة من مراحل حياته كتنظيم سياسي، ووجد له منظروه ومبرروه، لم يعد مجديا له، ناهيك عن السودانيين الآخرين؛ لأنه بالعنف السياسي لم ولن يحقق مشروعا حضاريا ولم يحصد سوى هذه الصورة الكريهة والذكريات الأليمة التي يحملها له السودانيون·

اقرأ أيضا