الاتحاد

الملحق الثقافي

الحياة مزحة لمرة واحدة

فوتوغرافيا للمصور البولندي Maciej Skawinski (أرشيفية)

فوتوغرافيا للمصور البولندي Maciej Skawinski (أرشيفية)

تقديم واختيار - رضاب نهار

العمر يستدعي السخرية.. الحياة كلها، بمفاهيمها وشخوصها وعلاقاتها مدعاة للتهكم، وتنسج أثواباً بمقاسات مختلفة تختبئ بين ثناياها كوميديا سوداء منهكة.
يمكن لهذا الوصف أن يكون الخلاصة التي تخرج بها من نتاجات الكاتب التركي عزيز نيسين (1915 – 1995) واسمه الحقيقي محمد نصرت نيسين، إذا ما قرأت بعض مؤلفاته، وهو الذي قضى عمره يكتب ساخراً ومنتقداً، يبحث في أصول مجتمعه، ويفتّش عن تلك الخبايا التي تربط وتنظّم العلاقات بين الفرد والمنظومة الاجتماعية متمثلةً في الحكومة والسلطة وفي الوعي الجمعي لجميع المواطنين.. وزاد عليها البحث في الأسس التي تقوم عليها كثير من الدول، مؤكداً أن شدة الرقابة وانعدام الحريات وتفشي الفساد والبيرقراطية، أسباب تدعو إلى هلاك البلد وأبنائه في الوقت نفسه. ليس فقط من وطنه الأصلي وإنما من العالم كله، استقى نيسين حكاياته، وجعلها تقرأ الوجوه والنفوس وتصوغها بروح ساخرة لاذعة وفاضحة. وجعل المفارقة ختاماً لكل نهاية ليجبرنا على ابتسامة الألم فيها رديف للضحك. وأخذ يبسّط المفاهيم السياسية والفلسفية الكبرى، ويقترب من التاريخ ويختصر الجغرافيا من خلال قصص تحدث في القرى والبلدات البسيطة لبلده، يخوضها أبطال بسيطون تتراوح شخصياتهم بين النمطية المطلقة وبين الخصوصية والفرادة بشكلها المطلق أيضاً. أثّرت حادثة سجنه ونفيه إلى «بورصة» في أدبه المنجز؛ فقد راح يوثّق تجربته مأخوذاً بالتفاصيل التي حاول أن يسردها ليمنحنا فرصة التماس مأساته وعيشها، ولو عن بعد. ونستطيع القول إنّه قام بتعرية الحقيقة محوّلاً إيّاها إلى قوالب سردية، تضجّ بالدراما الواقعية والعبثية، جاعلاً نفسه راوياً خفياً لكل ما يكتبه. حصل على عدة جوائز منها: جائزة اللوتس الأولى من اتحاد آسيا وأفريقيا عام 1975، جائزة المجمع اللغوي التركي العام 1969. وله عدة مسرحيات ومجموعات قصصية من بينها «سرنامة»، «مجنون على السطح»، «حكاية البغل العاشق»، خصيصاً للحمير و«مزحة حمار».

الاعتدال ضروري.. ضروري حتى في الدراسة.. انظر كيف درست حتى الأصفاد؟
***
إن مشاهدة إنسان، يسقط بسبب حركة خرقاء، غالباً ما يثير الضحك. وليس غريباً، أن المهرجين في السيرك، يتعثرون ثم يسقطون. فكلما صعد الإنسان إلى الأعلى: ارتفعت مكانته، وكلما أصبح سقوطه مضحكاً أكثر، ولو أن ذلك يحصل مع إنسان عادي، فإن المارة، سيأسفون عليه، ثم يتابعون سيرهم. لكن ماذا سيحدث لو أن موظفاً مهما تشقلب على قفاه أمام عرض عسكري؟ المسألة واضحة: سننفجر من الضحك.
***
الناس يعجبهم متابعة المعركة بين الثور الهائج والمصارع. وهم يتظاهرون، أنهم يتمنون النصر لمصارع الثيران. لكن ذلك، ليس إلا نفاقاً. فهم في أعماقهم، ليسوا ضد أن يمزقه الثور إلى نتف. لكن، وبما أن مصارعة الثيران غير واردة عندنا، فإن الناس يستعيضون عن ذلك، بمشاهد أخرى لسفك الدماء. والاستعاضة موجودة.
***
الخوف كنبتة العليق.. تلتصق بك ولا تقدر على قلعها.
***
أعتقد، أنه من العدل، لو أن الإنسان المنفي، يغرق في سبات شتوي.
***
إن حرية الاختيار، وحرية الكلمة موجودتان طبعاً، وكل واحد باستطاعته أن يفكّر ويفعل كما يحلو له؛ لكن القواعد تتطلب الإذعان لها.
***
كتبت في نهاية دفتر مذكراتي المخصص لفلسفة الحياة هذه العبارة: «الحياة مزحة لمرة واحدة».
بدأ يذهب إلى مقبرته يومياً كذهابه إلى العمل في الصباح الباكر. ويجلس جانب القبر بسعادة لأنه أصبح صاحب قطعة أرض. كان ينزع الأعشاب الضارة، ويزرع الأزهار، وكأنه ينتظر بشوق وحسرة يوم أن يبقى مكانه هنا.

عندما يضع الإنسان ربطة عنق يصبح شيئاً آخر.
***
استنتجت أن في أميركا: الناس منفتحون والحيوانات غبية. ولكن في قريتنا الحيوانات منفتحة والناس أغبياء. فلو وضعت الدجاجات في طابور الإعدام بالرصاص، أو أجلستها على الخوازيق، فلن تنطلي عليها الحيلة.
***

وكأن هذه الديمقراطية لم تجد غير هذا الوقت لتدخل بلدنا.
***
ولك ديمقراطية.. من أين أتيت؟ ما كنا نعرف الديمقراطية على مر السنين الماضية، ما كنا نعرفها.. لم تكن موجودة. انتظرتِ.. انتظرتِ.. هل تخرب الدنيا لو أظهرتِ إنسانيتك وتأخر وجودك إلى ما بعد العرس.
***
إن شوقه إلى بلده تأجج في صدره وحسرة العودة إلى الوطن لازمته مدة طويلة. وكان يقول في نفسه: سأعود إلى الوطن وأتزوج وأبني عشاً جميلاً ويكون عندي أطفال. وهكذا تأخر في الرجوع وصار عجوزاً..
***
أفضل ما تقوم به في السجن كي تنسى همومك وتملأ أوقاتك هو الاستماع إلى مشاكل وهموم الآخرين.
***
كون المكان فيه حرية.. شيء جميل.. ولكن لو جلسنا في حفرة مستورة ألا يكون أفضل من هذه التلة المرتفعة.
***
دخل السياسي غرفة نومه.. نظر إلى المرآة الكبيرة.. فاحتار بأمر هذه الصورة.. هذا الوجه.. وجهه أيها المواطنون المحترمون.
***
كانوا يصرخون: «عاشت الديمقراطية» أنا الآخر صرخت: «أيها المواطنون.. اتركوني.. حاجة بقى.. لقد جعتُ كثيراً».
***
كان الخطاط أكثر الناشطين في دائرتنا. كنا نتكوّم فوق رأسه صباحاً ومساءً.. لنشاهد الممنوعات التي سيكتبها.
***
بعد أن وضعت اللوحات المانعة لدخول الكلاب إلى الحديقة. صارت الكلاب تضرب بطول الحديقة وعرضها لعباً.. وجرياً.. وعواءً.. وما حيّرنا أن أي كلب لم يكن ليدخل الحديقة قبل وضع اللوحة.
***

السياسة يا أخي تشبه القمار إلى حد كبير.. إذا علقت مرة لا تستطيع أن تتراجع أو أن تتمالك نفسك ثانية..
***
يا أخي لا يستطيع هؤلاء المسؤولون العيش من دون المتملقين والمتزلفين والمطبِّلين والمزمِّرين. لأنهم حال وقوعهم في خطأ لا يجدون سواهم من يلقون باللائمة عليه.
***
هذه قصة حياة الوجهاء عندنا.. كلهم غرباء.. كلهم جاؤوا من الخارج وصاروا أشرافاً.. والشكر لله.. وبما أن شعبنا ذوّاق وشريف وخلوق فلن يخرّج شريفاً واحداً..

***
مهما كانت كتب التاريخ صادقة في كتابتها إلا أنها تغفل بعض الأحداث ولا تذكرها بتاتاً.
***
كما هو معروف فإن دولاً عديدة حصلت على استقلالها، وهكذا راحت تتكون دول جديدة وبعضها تتشكل في أيامنا هذه، لذلك فالأطالس تشيخ بسرعة وتهرم لأن خريطة العالم السياسية في تبدل وتغير دائمين.
***
في قلب كل جسور ينام أسد.
***
يا للخسارة لن أستطيع كتابة كيف متُّ.. وأكثر ما يزعجني هو هذا الشيء. فالكاتب حتى لو دوّن كل لحظات حياته إلا أنه سيبقى عاجزاً عن كتابة موته. على الرغم من أن الموت من أهم حوادث الحياة، وها أنا ذا ذاهب دون تدوين أهم لحظة من حياتي.
***

وفي القرية لم يدخلونا المدارس، ولم يعلّمونا فمن أين لنا أن نعرف يميننا من يسارنا.
.......................................................
هامش: الشذريات مأخوذة من «ذكريات من المنفى» - «مجنون على السطح» - «ذنب الكلب» - «محمود ونيكار» - «يساري أنت أم يميني؟».

اقرأ أيضا