الاتحاد

الإمارات

أصحاء في مواقف ذوي احتياجات.. مخالفة قانونية وانحدار أخلاقي

مركبة تصطف في موقف خاص بالمعاقين (تصوير متوكل مبارك)

مركبة تصطف في موقف خاص بالمعاقين (تصوير متوكل مبارك)

يصارع سعيد ألمه وعجزه، ويستند إلى عكازيه ملبياً رغبة طفلته في اصطحابها للتسوق. تفرح الصغيرة وتقفز إلى المقعد الخلفي، وأبوها يجر قدميه في إثرها، مطمئناً إلى أن الدولة خصصت لمن هم في مثل حاله، مواقف مهيأة وقريبة إلى المداخل، تسهل عليهم قضاء احتياجاتهم وتقيهم حر الصيف ومطر الشتاء. وما أن يصل سعيد وابنته إلى مركز التسوق، حتى يصدمان بأن أصحاء قد احتلوا تلك المواقف، غير آبهين بأولئك الذين حرموا من نعمة العافية، وغير مبالين بعقوبة هذا الفعل التي تصل إلى ألف درهم وأربع نقاط سوداء. ورغم هذه العقوبة، سُجلت في إمارة الشارقة وحدها خلال العامين الماضيين أكثر من ألفي مخالفة انتهاك لمواقف ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يدفع «الاتحاد» لإلقاء الضوء على هذا السلوك الذي يعد تعدياً على القانون وحقوق الآخرين وقيم المجتمع.


تحقيق: أحمد مرسي

طالب عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة بفرض مزيد من الإجراءات الرادعة والقرارات الأكثر صرامة مع «المستهترين» من أصحاب المركبات ممن يجورون على حقوقهم دون وجه حق، ويقومون بركن مركباتهم في المواقف المخصصة للمعاقين في المراكز التجارية وأمام الأبنية والمنشآت الحكومية والسكنية.
وشدد هؤلاء على أهمية أن تطال تلك العقوبات المتحايلين والمزورين لبطاقات المعاقين، حيث يضع بعض الأشخاص الأصحاء بطاقات تفيد بأنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتالي تقعد على عاتقهم مسؤولية التزوير في أوراق رسمية وبالتالي ارتكابهم جريمة في حق أنفسهم ومجتمعهم أيضاً.
وقالوا إن مثل هذه التصرفات التي تصدر عن فئة مستهترة من بعض السائقين، تكلفنا كثيراً من المشقة والعناء في الوصول إلى الأماكن التي نقصدها لقضاء أعمالنا، وتضيف لأعبائنا عبئاً آخر في إيجاد مواقف لمركباتنا قرب وجهتنا.
تغليظ العقوبة
وقال خالد عبد الرحمن النومان، من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويعمل مخرجاً في تلفزيون الشارقة، إن التعدي على المواقف الخاصة المحددة لنا من قبل الجهات المعنية في المراكز التجارية والجهات الحكومية ووسط الأماكن السكنية، أمر يحتاج إلى تغليظ العقوبة ومحاسبة مرتكبيه بعقوبة تتجاوز الغرامة المالية، مثل حجز المركبة، وذلك لكي يكون هذا الإجراء رادعاً للمستهترين ممن يرتكبون تلك الفعلة التي تعتبر جريمة في حق أنفسهم والمجتمع أيضاً.
وتابع: هناك بعض الأشخاص، أنعم الله عليهم بالصحة والبنيان السليم، إلا أنهم مستهترون في تصرفاتهم ويقومون بركن مركباتهم في المواقف المخصصة لنا دون وجه حق، وهي ظاهرة تتزايد في مراكز التسوق الكبيرة التي تشهد إقبالاً كبيراً من الأهالي، خصوصاً في أيام العطل، دون أن يدركوا مدى المعاناة التي نتكبدها للحصول على مواقف لسياراتنا، والمعاناة الأبلغ في المشي خطوات إضافية للوصول إلى المكان الذي نقصده.
وأوضح النومان أن شباناً يصطحبون أقاربهم المسنين من حملة بطاقات ذوي الاحتياجات الخاصة، ويركنون في المواقف الخاصة بهذه الفئة، وهو أمر لا غبار عليه قانوناً، لكن من ناحية أخلاقية، فإن هذا الشاب قادر على إيصال المسن إلى مدخل المكان المقصود، ثم البحث عن موقف آخر غير مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة التي يكون شخص آخر بحاجة ماسة لها، خصوصاً أن هذه المواقف تكون مصممة بمواصفات معينة لتتوافق مع ظروف مختلف الحالات.
وبين أهمية وجود ثقافة مجتمعية لدى الأشخاص حول عدم التعدي على حقوق الآخرين، وألا يعطوا لأنفسهم حقاً لم تمنحه لهم الدولة ولا التشريعات ولا الوازع الإنساني، مطالباً بإجراءات حاسمة تجاه كل من يتهاون في هذا الأمر.
سرقة الحقوق
وصنّف ذيبان سالم المهيري الأمين العام لاتحاد الإمارات لرياضة المعاقين، وموظف بوزارة الداخلية، التعدي على مواقف ذوي الاحتياجات بأنه جرم يصل إلى رتبة السرقة أو اغتصاب حقوق الآخرين، وعليه يجب اتخاذ إجراءات رادعة تجاه المعتدين، وعدم الاكتفاء بالغرامة المالية المتبعة حالياً.
وأضاف المهيري أن مواقف المعاقين نفذت من قبل الجهات المختصة وفق مواصفات معينة تتلاءم وظروفهم من حيث توسعتها ووجود حواجز تساعدهم في عمليات الصعود والهبوط من المركبات وغيرها، وعليه فإن قيام أي شخص من الأصحاء جسمانياً أو ممن لجأوا لحيل لاستخراج بطاقات معاقين وهم غير مستحقين لها، وجب الأمر معاقبتهم على أنهم مجرمون مزورون متحايلون على القانون.
ولفت إلى أن الدولة قطعت شوطاً مهماً فيما يتعلق بتخصيص مواقف لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة في الدوائر الحكومية والجهات الرسمية وكذلك في الكثير من المراكز التجارية وبعض المناطق السكنية التي يعيش فيها أشخاص يحتاجون للأمر، وبالتالي بات من المهم الحفاظ عليها من قبل أفراد المجتمع وعدم التعدي عليها من قبل من لا يستحقها.
وبين أن الجهات المعنية من البلديات والمرور والأشغال تعاونت في الأمر، إلا أنه ومع زيادة أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة وجب تخصيص أعداد إضافية من المواقف، وكذلك توزيع اللافتات الإرشادية لتوعية الجماهير بأحقية المواقف لأصحابها ممن أنشئت من أجلهم.
علاج الخطأ بخطأ
وأكد عبد الله حسن بنادي دبي للمعاقين أن هناك تعديات واضحة وموجودة من قبل فئة مستهترة من الأشخاص على المواقف الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، لأن «من أمن العقوبة أساء الأدب»، مطالباً بتشديد العقوبات على أمثال هؤلاء المستهترين.
وروى: «تعرضت أكثر من مرة لمواقف يقوم فيها بعض الأشخاص بركن مركباتهم في مواقف المعاقين، خصوصاً في المراكز التجارية التي تشهد إقبالاً كبيراً، حيث قام أحد الأشخاص الذي لا تحمل مركبته علامات تدل على أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة بصف مركبته في موقف المعاقين».
وتابع: «تعمدت ركن مركبتي خلف مركبة هذا الشخص، لمنعه من مغادرة مكانه. أعلم أنني عالجت الخطأ بخطأ، لكن كنت أريد أن ألقنه درساً، وأجعله يعرف بأنه ارتكب خطأ كبيراً، وعليه تحمل تبعاته».
وزاد: «قضيت حوائجي في السوق، وعدت بعد فترة ليست قصيرة إلى سيارتي، ووجدت السائق المخالف منتظراً في مركبته، دون أن يجرؤ على انتقاد ما فعلت، لأنه أدرك أنه هو من أخطأ في البداية».
أسلوب حياة
اعتبر أحمد عبد الرحمن النابودة من مواطني الشارقة أن التعدي على مواقف المركبات الخاصة بالمعاقين أمر مرفوض اجتماعياً وإنسانياً ولا يقبله شخص متزن نفسياً وصحياً.
وطالب بتنظيم حملات توعوية مستمرة، خصوصاً لطلبة المدارس، بهدف التنبيه والتوعية بحقوق فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وزرع احترام هذه الحقوق في نفوس النشء، ليتطور معهم ويصبح سلوكاً وأسلوب حياة مستقبلاً، كما هو حاصل في الدول المتقدمة، التي قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال.
واتفق مهير الطنيجي من مدينة الذيد مع النابودة في ضرورة تكثيف التوعية بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة التي تشمل احترام حقه في ركن سيارته في المواقف المخصصة لهذه الفئة.
وقال إن الدولة استطاعت وخلال السنوات الأخيرة أن تحقق خطوات متميزة في تخصيص مواقف لذوي الاحتياجات الخاصة شملت كل الدوائر الحكومية في إمارات الدولة، ونفذتها بطريقة مدروسة ووفق المواصفات التي تتلاءم وأصحاب هذه الفئة. كما أن غالبية المراكز التجارية الكبيرة، إن لم يكن جميعها، وضعت هذا الأمر في الحسبان وباتت مواقف المعاقين هي الأقرب للمداخل والمخارج، «وهذا شيء من حقهم، ومن يتعدى عليه يجب أن يجازى وينال عقاباً رادعاً يجعله لا يكرر فعلته مستقبلاً».
وناشد الطنيجي الجهات المعنية من البلدية والمرور والأشغال بالاهتمام بتحديث اللافتات والعلامات التي تدل السائقين على المواقف والمسارات الخاصة بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، لكي لا يقع السائقون في المحظور عبر ركن مركباتهم في هذه المواقف بالخطأ.

الاصطفاف في مواقف ذوي الاحتياجات إما مخالفة أو جريمة
أشار المستشار القانوني صلاح مبروك إلى أن الغرامة المقررة بموجب القانون لمخالفة وقوف المركبة أمام فوهات الحريق أو الأماكن المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة تبلغ 1000 درهم بالإضافة إلى 4 نقاط مرورية طبقاً للمادة 23 من قانون المرور.
وتابع أن تحايل بعض السائقين بوضع علامات تدل على أنهم معاقون دون أن يكونوا كذلك، أمر لم يتطرق له قانون المرور، إنما يحاسب هذا الشخص بتهمة تزوير شعار رسمي أو ختم جهة رسمية.

2227 مخالفة انتهاك مواقف ذوي الاحتياجات خلال عامين
أكدت القيادة العامة لشرطة الشارقة أن إجمالي عدد مخالفات انتهاك مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة في الإمارة خلال عامي 2012 و2013 وصل إلى 2227 مخالفة.
وكشفت شرطة الشارقة عن أن عدداً من السائقين وأصحاب المركبات الخاصة قاموا بالتعدي على القانون من خلال إيقاف مركباتهم بصورة عشوائية أمام فوهات الحريق ومواقف ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن عدداً كبيراً من هذه المخالفات تمت بصورة طبيعية من خلال قيام البعض بإيقاف مركباتهم في مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة بذريعة عدم وجود أماكن للتوقف، في حين تم الكشف عن وجود بعض المخالفات الاحتيالية، حيث يقوم بعض الأشخاص باستخدام علامات مضللة تدل على أن السيارة المتوقفة تعود لأحد ذوي الاحتياجات الخاصة أو يقوم بعضهم باستغلال سيارة تعود لأحد أقربائه أو أفراد عائلته من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقالت إن بعض مرتكبي تلك المخالفات أشخاص أصحاء لكنهم أنانيون في التعدي على حقوق الآخرين ما يجبر فئة ذوي الاحتياجات الخاصة على إيقاف سياراتهم بعيداً عن المكان المتجهين إليه، وهو ما يشكل عبئاً عليهم، كما أنه يحول بينهم وبين حقوقهم التي كفلتها لهم الأنظمة والقوانين.
وتابعت: «أما بخصوص المخالفات المسجلة للوقوف أمام فوهات مضخات الإطفاء، فإن كثيراً منها تم رصده من أفراد عاديين يبلغون عنها لاستشعارهم خطر الوقوف أمام هذه المضخات، ولما في هذه التصرفات من خرق فاضح للقوانين ينبغي وضع حد له، في حين قامت وحدات الدفاع المدني بتسجيل بعض المخالفات التي عرقلت عملها، وأدت إلى إعاقة التدخل المبكر للتعامل مع الحرائق، أما المخالفات المتبقية فقد تم رصدها من قبل دوريات المرور والدوريات الأمنية المكلفة برصد ومراقبة مثل هذه المخالفات».
وقال المقدم أحمد بن درويش مدير إدارة المرور والدوريات بالإنابة إن وقوف المركبات أمام فوهات الحريق والأماكن المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة يعد انتهاكاً لحقوق الآخرين وسلوكاً غير حضاري يرفضه المجتمع، حيث إن مواقف ذوي الاحتياجات الخاصة خصصت لغرض إنساني وهو خدمة هذه الفئة وتسهيل حياتهم وحركتهم، أما وقوف المركبات أمام فوهات الحريق فيعرقل من عمل وحدات الدفاع المدني، لاسيما أن عامل الوقت مهم جداً وبدرجة كبيرة لهم، حتى يقوموا بواجباتهم على أكمل وجه.
وأكد أنه خلال العامين الماضيين بلغ عدد المخالفات المسجلة لوقوف المركبات أمام فوهات الحريق والأماكن المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة 2227 مخالفة، وتزداد نسبة المخالفات في الفترة الليلية بعد العاشرة مساءً، حيث يعتقد بعض الأشخاص أن الرقابة تغيب في الليل، وأن خلود العائلات للنوم يضعف فرص نشوب حرائق، وتبريرات أخرى للاستيلاء على موقف ذوي احتياجات خاصة أو فوهة حريق.
وتابع: إن هذا اعتقاد خاطئ، فدوريات الشرطة المكلفة بالسهر ليلاً تراقب مثل هذه المخالفات وتقوم بمخالفة مرتكبيها، كما أنه يتعين على كل من يشاهد مركبة مخالفة أن يبادر إلى الاتصال بغرفة العمليات، وهم بدورهم سيتولون المتابعة واتخاذ الإجراءات اللازمة حيث إن التصدي لهذا النوع من المخالفات يحتاج إلى تعاون المجتمع مع الأجهزة الشرطية.

اقرأ أيضا

محمد بن راشد: عقلانيتنا أفضل خطة في زمن كثر فيه الغوغاء