صحيفة الاتحاد

ألوان

العدل في الإسلام

الحمد لله، له أسلمت، وبه آمنت، وعليه توكلت، والصلاة والسلام على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد،
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، «سورة النحل: الآية 90».
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، أي يأمر بمكارم الأخلاق بالعدل بين الناس، والإحسان إلى جميع الخلق (وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى)، أي مواساة الأقرباء، وخصَّه بالذكر اهتماماً به (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ)، أي ينهى عن كل قبيح من قولٍ، أو فعل، أو عملٍ، قال ابن مسعود: هذه أجمعُ آيةٍ في القرآن لخيرٍ يُمتثل، ولشرٍ يُجتنب، والفحشاء كل ما تناهى قبحه كالزنى والشرك، والمنكر كل ما تنكره الفطرة، والبغي هو الظلم وتجاوز الحق والعدل (يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، أي يؤدبكم بما شرع من الأمر والنهي لتتعظوا بكلام الله»، (صفوة التفاسير للصابوني 2/139).
إن ديننا الإسلامي الحنيف تَضَمَّنَ مبادئ وأحكاماً، ومكارم وأخلاقاً، وإن من جملة تلك المبادئ والأحكام التي جاء بها الإسلام، مبدأ العدل والإنصاف بين الناس فيما لهم من حقوق وعليهم من واجبات، كما جاء الإسلام بمبدأ النهي عن البغي والجور على الناس، واعتبر الظلم ظلمات على صاحبه يوم القيامة وقد جمعتهما الآية الكريمة السابقة.

فضيلة العدل
إن فضيلة العدل من الصفات الكريمة التي دعا إليها الإسلام، فديننا الإسلامي يدعو إلى الالتزام العدل في شتى الأقوال والأفعال والسلوك، فالعدل هو وظيفة الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام-، كما أنه غاية الرسالات السماوية كلها كما جاء في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، «سورة الحديد: الآية 25»، ومن المعلوم أن العدل يملأ الدنيا خيراً وبركة، ويحفز الإنسان للاجتهاد والإخلاص في عمله، اطمئناناً منه إلى أنه سيحصل على ثمرة جده وإخلاصه، وإذا شاع العدل في أمة وأصبح كل فرد فيها من حُرّاسه، سعدت في حياتها وتقدمت غيرها، فبالعدل قامت السماوات والأرض، والعدل مفتاح الحق، وجامع الكلمة، وَمُؤلّف القلوب، ولأهمية العدل في الإسلام فقد وردت مادة «العدل» في القرآن الكريم «28» مرة، ووردت كلمة القسط المرادفة لها «25» مرة.
لقد كانت البشرية قبل بزوغ فجر الإسلام تعرف الظلم والعدوان أكثر مما تعرف الحق، والإنسانية وقتئذ في ظلمات بعضها فوق بعض، يفتك القوى بالضعيف، ويأكل القادر حقوق العاجز، ومع ذلك عرف العرب في جاهليتهم حلف الفضول.. «السيرة النبوية لابن هشام 1/133»، أن ينصروا المظلوم ويقفوا معه حتى يأخذ حقه من الظالم، وذلك الحلف الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ»، (أخرجه مسلم).
وجاءت رسالة الإسلام، رسالة العدل والمساواة، حيث أشرقت الأرض بنور ربها، وارتفعت كلمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»، (أخرجه مسلم).

أنواع العدل
من أنواع العدل الذي أوجبه الإسلام على المسلمين:
* العدل بين الزوجات: فإذا كان له زوجتان أو أكثر، فعليه أن يعدل بين زوجاته في الحقوق الزوجية من نفقة وكسوة وَحُسْن معاشرة وغير ذلك، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ»، (أخرجه الترمذي).
* العدل بين الأولاد: الذكور منهم والإناث على السواء، في الاهتمام بهم والعناية بهم جميعاً في تعليمهم وتربيتهم، كما يساوي بينهم في العطية والمعاملة، ولا يحرم أحدًا منهم من نصيبه الشرعي، لما ورد عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لا، قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ»، (أخرجه مسلم).
* العدل بين الناس: ومن العدل المطلوب من المسلم، أن يعدل كل مسؤول فيما هو مطلوب منه في رعيته، كالمدرس والمربي نحو تلاميذه وطلبته في التعليم وتقدير جهودهم، وكالمسؤول مع موظفيه ومساعديه في تقديرهم وتشجيعهم وإنصافهم في الحقوق، عملاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»، (أخرجه أحمد).
هذا هو الإسلام دين الحق والخير، دين العدل والمساواة، سبب السعادة والرخاء، لمن أراد أن يحيا حياة كريمة في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين