الاتحاد

الملحق الثقافي

الإرهاب والاغتراب.. وضحايا «النعيم الوَهْمِيّ»

محمد سبيلا

الإرهاب ظاهرة مركبة يتشابك فيها ما هو إيديولوجي، بما هو سياسي، وبما هو ديني، وبما هو اجتماعي ،إلى غير ذلك من العوامل الطارئة.
ولذلك، فالمداخل إلى فهم الظاهرة كثيرة: المدخل النفسي، المدخل الاجتماعي، المدخل السياسي، وكلها مداخل تتشابك في النهاية مع مداخل أخرى، مما يُشرِط عملية الفهم بضرورة إيلاء الاهتمام للمكونات الأخرى.
إحدى المداخل التي نود من خلالها أن نطل على هذه العوامل في تشابكها هو المدخل الثقافي والنفسي الذي نحاول من خلاله تتبع ذهنية الإرهابي في وجهيها: الإدراك والمتخيل. وسأركز بالخصوص على الإرهابيين المسلمين الذين أرهبوا فرنسا في السنتين الأخيرتين وذلك من خلال التبئير على مفهوم الاغتراب (ورديفه الاستلاب Alienation).
كان مفهوم الاغتراب، أو الاستلاب قد اختفى تقريبا من مجال العلوم الاجتماعية ومن الفلسفة بعد الانتقادات الابستمولوجية التي تعرض لها على يد الكثيرين، ومنهم المفكر الفرنسي لويس ألتوسير L.Althusser الذي اعتبر هذا المصطلح غير ذي معنى، لأنه يحيل على ماهية غير موجودة، فهو في نظره مصطلح مثالي فضفاض يستحسن التخلص منه لأنه يرتبط بالمرحلة الإيديولوجية في مسار ماركس الفكري، ثم تم التخلي عنه تماما فيما بعد.
نعلم أن لمصطلح الاستلاب تاريخاً مديداً في الماركسية، فقد استعمل ماركس مفهوم الاستلاب بمعنى اغتراب العامل عن نفسه وعن مجتمعه نتيجة عملية الاستغلال (استغلال مجهود العمل) الذي يتعرض له، حيث يسلبه نتاج عمله، ويجعله بالتالي غريباً عن عمله، أي عن ذاته وعن نوعه الإنساني ذاته. مفهوم الاستلاب، إذن، يعني السلب والاغتراب، كما أنه يحيل على نوع من الجنون.
أسترجع هنا مفهوم الاغتراب لا بمعنى التغريب، بل بمعنى الغربة لأنه يبدو لي أنه أقرب المصطلحات لوصف حالة الحيرة والترنح التي تسم كل هؤلاء الشباب الحائر بين ثقافتين، وأقصد هؤلاء الذين دفعت بهم الحيرة والترنح إلى السقوط في النهاية في فخ الإرهاب.
ولد هؤلاء ونشأوا في المجتمع الفرنسي أو البلجيكي، ودرسوا في المدرسة العلمانية الفرنسية، وبعد أن شبّوا ارتادوا الحانات، وصاحبوا الفتيات الفرنسيات الجميلات، وارتادوا المسارح والمراقص، واستنفدوا كل متع مجتمع الحرية والمتعة، لكن الأعماق أو الجذور الثقافية ظلت بمثابة خلفية ثقافية عميقة لديهم تدعمها الصورة المجملة التي لا يكف آباؤهم وأفراد عائلتهم عن ترديدها عن المغرب والعادات المغربية في الأعياد واللباس والتزاور والعلاقات العائلية الدافئة والتي تزيدها الإقامة في بلاد الغربة توهجا.
ورغم أنهم لم ينشأوا في البلد العجيب، فإن «الحكاية الوطنية» في صيغتها الإسلامية تنغرس في رؤوسهم فتزيدهم تمزقاً وترنحاً بين ثقافتين أو بالأحرى بين قشرتين ثقافيتين: ثقافة المتعة والحرية وثقافة المعنى الروحي.
هذا التمزق والترنح لا يعود فقط إلى سوء التكيف الثقافي مع الثقافة المحلية الأوروبية بل تعود أيضاً وربما أساساً لمشاعر الدونية التي تولدت لديهم من خلال الوضع الاجتماعي لعائلاتهم التي تعيش على هامش المجتمع الفرنسي، فباستثناء الفرنسي الفقير البسيط فإن الطبقة الفرنسية الوسطى تتعامل مع المغاربيين بحذر يخفي نوعاً من الاستعلاء الداخلي الذي تحكمه أحكام مسبقة: أنتم من أفريقيا، ونحن من أوروبا، وقد كان أجدادنا يحكمونكم لقرون عدة... إلخ.
إن سكن المغاربيين والأفارقة عموماً على هامش المدن الكبرى، في مناطق تتحول تدريجياً إلى ما يشبه البلد الأصلي هو نتيجة فعل إزاحة اجتماعي، وهو رد فعل بتأكيد الهوية المجتمعية الأصلية ولو في شكلها الفلكلوري، إضافة إلى تعذر وصعوبة التسلق الاجتماعي أو التسلل إلى مواقع اجتماعية أو إدارية رفيعة.. كل تلك العوامل تجعل نفسية أبناء الجيل الثالث أحدّ وتخفي توتراً داخلياً عميقاً يؤهله للاشتعال. فعندما يفيق عليه اللاوعي التاريخي المكبوت ويتم استغلاله وتأطيره من طرف القنّاصين والدعاة المتشددين فيحولونه إلى مفرقعة قابلة للتفجر.
فالثقافة الدينية - التي التقطوها من هنا وهناك تزيد تمزقهم وترنحهم بين ثقافتين حيث تنتصر الثقافة الروحية الضامرة في المجتمع الاستهلاكي المبني على إشباع الحاجات والرغبات المادية، حيث تعطيهم الثقافة الروحية معنى للحياة وإحساساً بالدفء فيقفزون من الدورة الدنيوية إلى الدورة الأخروية بكل معانيها السامية، إذ يحس - إذا ما تم تأطيره - بقيمة فردية متميزة، ويخرج من كونه فرداً مغموراً وغفلا ورقماً صغيراً مجهولا إلى آفاق الإحساس القوي بالذات وبالنجومية الإسمية وبالمكانة وبالقيمة الرفيعة، ويتخيل أنه - تكفيراً عن ذنوبه المتعويَّة السابقة من جهة، ومن جهة أخرى ارتقاء نحو الفوز بحياة أخروية فردوسية ذات متع أدوم وألذ في إطار رسالة سامية وقدسية - سيقفز من مجال أو فضاء دنيوي إلى فضاء قدسي منجزاً أو محققاً في نفس الوقت بطولات خارقة ستجعل منه شهيداً في الدنيا، وبطلاً في الآخرة.
فالحيوية التي كان يتحرك بها هؤلاء الشباب خلال أدائهم للرسالة الإرهابية تعكس شعورهم وانتشاءهم بأنهم يؤدون - عن طريق القتل - مهمة قدسية سامية. هذه البطولة النينجويَّة تتضمن العديد من المركبات، أبرزها الانتقام من المجتمع الحالي القائم وهو انتقام تختلط فيه المشاعر السلبية الحاقدة بمشاعر الهداية والنور وتذوب فيه اختيارات العنف في أتون المتخيل القدسي الذي تم تصنيعه وتلميعه في مراكز صناعة الموت ،ثم تصديره ليؤدي ضحاياه – بشكل بهلواني - رقصات الموت القاتل بأمل الانتقال العاجل الى الجنة عبر أنهار الدماء.

اقرأ أيضا