الاتحاد

تقارير

الركود الاقتصادي في أميركا... ومقاومة وول ستريت

الركود الاقتصادي في أميركا··· ومقاومة وول ستريت

الركود الاقتصادي في أميركا··· ومقاومة وول ستريت

في فترة ركود اقتصادي عادة تكون الإجراءات الواجب اتخاذها واضحة، إذ يتم نفض الغبار عن كتب ومؤلفات ''جون مينارد كينز'' -عالم الاقتصاد البريطاني الذي عاش في أوائل القرن العشرين-، ويخفض البنك المركزي الأميركي معدلات الفائدة، فيما يخفض الرئيس والكونجرس الضرائب قصد تشجيع الاستهلاك· ومع الوقت، يرتفع الإنتاج والقروض، ثم تعاد كتب ''كينز'' إلى الرفوف· وهكــذا، فإنــه لا يتم إدخال أي تغييرات كبيرة على الاقتصاد· هذه هي التدابير التي يتم اتخاذهــا في كل مرة يتعرض فيها اقتصاد الولايات المتحدة للركود منذ الحرب العالمية الثانية·
يدخل ''الجمهوريون'' و''الديمقراطيون'' في جدل حول أي نوع من الضرائب ينبغي أن يطاله أكبر تخفيض، وأي المشاريع ينبغي تمويلها؛ ولكنهم عادة ما يتمكنون تحت ضغوط الجمهور عليهم للقيام بشيء ما من إيجاد حلول وسط، ويتبنون حزمة من التدابير المحفزة للاقتصاد· واليوم، وحتى في الوقت الذي يسود فيه في واشنطن استقطاب حزبي كبير، فإن احتمال التوصل إلى اتفاق من هذا القبيل يظل كبيرا·
بيد أن هذه المرة مختلفة، وعلى المرء ألا يتوقع نهايةً للقصة على هذا النحو، ذلك أن فترة الركود المقبلة لن تكون عادية، والاقتصاد الأميركي ليس في وضع صحي أصلا؛ ولذلك، فسيتوجب على البلاد هذه المرة أن تصوغ أشكالا جديدة لبعض من الإصلاحات التي ابتكرها الرئيس ''فرانكلين روزفيلت'' بهدف إخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي بدأت في 1929 واستمرت على مدى ثلاثينيات القرن الماضي، ليس لأن شيئـــا شبيها بهذه الأزمة يلوح في الأفق، وإنما لأننا نواجه اقتصــــادا عرف تطورين لم نر مثيـــلا لهما منذ عهد ''فرانكلين روزفيلت''·
أما أول هذين التطورين، فهو ركود دخل الأميركيين العاديين، وهي ظاهرة بدأت منذ السبعينيات وتعايشت معها العائلات الأميركية عبر خروج كلا الزوجين إلى العمل والمراهنة على ارتفاع قيمة منازلهم؛ إلا أنه مع هبوط أسعار المنازل، وتراجع إمكانية إرسال الزوجات إلى العمل، وارتفاع أسعار الوقود والجامعة والصحة، فإن الإنهاك أصاب المستهلكين؛ ونتيجة لذلك، فقد كان شهر ديسمبر شهرا قاسيا على التجار الأميركيين الذين لم يروا مثيلا له منذ سنوات، كما أشار إلى ذلك ''مايكل باربارو'' و''لويس يوشيتيل'' في عدد يوم الاثنين من صحيفة نيويورك تايمز، فإن التأخر في دفع الأقساط المستحقة بخصوص بطاقات الائتمان وقروض السيارات والرهن العقاري عرفت جميعها ارتفاعا مضطردا على مدى العام الماضي·
الخطير هو أن هذا التراجع في القدرة الشرائية لا يبدو موسميا فقط، ذلك أن الرواتب شبه متجمدة منذ وقت طويل، والفقاعة العقارية لن يعاد نفخها قريبا، والضغط المرتفع على أسعار النفط لن يزيد إلا ارتفاعا، ولذلك، فإننا في حاجة اليوم، وكما كان الحال في عهد ''روزفيلت''، إلى سياسة تدعم دخل الأميركيين وتجد حلولا جديدة لاحتياجاتنا للطاقة· لقد شملت الحلولُ طويلة الأمد لمشاكل الدخل في عهد ''روزفيلت'' الأمنَ الاجتماعي، و''قانون واغنر'' -الذي أتاح للعديد من العمال إمكانية الانضمام إلى النقابات- ومشاريع الأشغال العمومية كتزويد المناطق الريفية بالطاقة الكهربائية، واليوم، يمكن لسلسلة مماثلة من الحلول أن تتضمــــن تمريرَ ''قانــــون الاختيار الحر للموظف''، الذي من شأنه أن يمكِّن العمال في وظائف القطاع العمومي غير القابلة للتصدير، من تنظيم أنفسهـــم في إطــــار نقابات بدون خشية التعرض للإقالــة؛ ويمكن أن يتضمن كذلك برنامجا ضخما تموله الحكومة الفدراليــــة لتأهيل أميركا، وخلق عدة ملايين من ''الوظائف الخضراء''·
هناك فرق واضح بين الحزبين بخصوص هذه المواضيع، فـ''باراك أوباما'' و''هيلاري كلينتون'' و''وجون إيدواردز'' و''ديمقراطيو'' الكونجرس يفضلون هذه التدابير؛ و''الجمهوريون'' يعارضونهم - وإن كان ''جون ماكين'' قد بدأ مؤخرا على الأقل في الحديث عن خلق ''وظائف خضراء''؛ أما ما يفضله ''الجمهوريون'' فهو مزيد من التخفيض الضريبي، الذي لن يأتي بنتائج بخصوص المشاكل العميقة المتمثلة في توزيع الدخل والاعتماد في مجال الطاقة·
وجه الشبه الثاني بين فترة الركود الحالية والأزمة الاقتصادية لعام ،1929 هو الدور الذي يلعبه قطاعنا المالي المتحرر من المراقبة والضوابط؛ فاليوم، وعلى غرار الأمس، يتضح أن الأسس المالية لبنوكنــا الرئيسية ومؤسسات الإقراض الأخرى ضعيفة، واليوم، وعلى غرار الأمس، تمثل هذه الأخبار مفاجأة مخيفة ليس بالنسبة للمستهلكين فحســـب، وإنما بالنسبة للعديد من البنوك نفسها· واليوم، وعلى غرار الأمس، فإن البنوك خلقت مثل هذه الوسائل المالية المعقدة والغامضة بشكل مقصود·
في عهده، أجبر ''روزفيلت'' البنوك، من خلال ''قانون الضمانات والتبادل'' وتشريعات أخرى، على أن تكون أكثر حذرا وشفافيــة، غير أن ''وول ستريــت'' -أو قطاع المال الأميركي- أنشأت على مدى السنوات الثلاثين الماضية عددا من المؤسسات الجديدة غير الخاضعة لرقابة الحكومة، وبالتالي، فقد حان الأوان اليوم لفــرض بعض الشفافيــة والحذر بخصوص المؤسسات المالية التي كانت تجازف بأموال وحياة أشخاص آخرين· بيد أنه عندمـــا يتعلـــق الأمر بضبــــط ''وول ستريت'' وكبح جماحها، فإن ''الديمقراطيين'' غائبون قدر غياب ''الجمهوريين'' تقريبا ؟لأسباب ليس أقلها أن مرشحيهم الرئاسيين حصلوا على أموال كثيرة من ''وول ستريت''· إلا أنه من خـــلال رفضهــم مقاومة ''وول ستريـــت''، فإنهــــم يخســـــرون مــا يمكــن أن يمثل موضوعا قويا هذا الخريف ويضعــون الأسس لفترة ركود جديــدة·

هارولد مايرسون
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا