الاتحاد

الملحق الثقافي

مرثية الدَّم والعسل

في الحرب لا شيء ينتصر سوى الحرب (أرشيفية)

في الحرب لا شيء ينتصر سوى الحرب (أرشيفية)

لينا أبوبكر

بين فارقين، تبدو الأقطاب ممغنطة بالتنافر، فهو جاذبية الجاذبية حينما يضعك بين فكي كماشة: الحب والحرب، وكلاهما معتصمان بحبل الموت، كفارقين لا يفترقان! أسبغت الميثولوجيات على الحرب طابعاً مقدساً، أخصبه المخيال الشعري بقدرات سحرية. جعلت من الغناء سبيلاً لترويض قلوب آلهة العوالم السفلية المتحجرة، حتى أن ولادة ملوك الأولمب جاءت من دم قيثارة!

إنها الهاوية التي كان الشاعر الإنجليزي «Edmund Blunden» شاهد عيان عليها، بعد تفويضه للانضمام كملازم في الفرقة البريطانية الملكية في إحدى الإقطاعيات، ليدون شهادته المريرة بتعويذة الخراب الذي تؤول إليه كل حروب التاريخ على وجه الأرض: «في نهاية اليوم، ترى طرفي النزاع محاطين بأرض مدمرة ورجال مذبوحين، فلم ينتصر أحد، ولم يربح أي منهما الحرب، الحرب وحدها هي التي ربحت، وستستمر بكسب المعارك وحدها على الدوام».
Wilfred Owen في آخر رسائله يقول: «بعين شعراء هذا القرن يصبح الحديث عن حرب طروادة التي عددت مناقب البطولة والمجد والقوة، موجعاً فلا يمكن لرجل أن يصفها دون أن ينتحب»..
بينما يتصور Walter De La Mare الحرب من زاوية التقاط معاكسة، وتحديداً من هناك.. من عالم الساسة المرصع بالتيجان والأنخاب الارستقراطية والجثث في صناديق هدايا ملكية، إنه عالم نابليون الذي هتف في القصيدة:
(ما هو العالم أيها الجنود؟
إنه أنا!)
يا لك من ساحرة عابثة أيتها الحرب، تقفزين من حنجرة «مونك» كلعبة رعب، أو مغامرة آكشن، تخوضين معركة المتعة بكبسة زر، تُخرجينَ «آريز» و«مارس» من صندوق عجائبك الإلكترونية، وتطلقين أخاطيب القاع في ساحة الدم، ثم تتفرجين على مشهد القيامة من وراء جثة شفافة هي السماء. تباً!

الحرب أنثى الغواية
حين راقصها في ذلك المقهى، لم تكن الحرب قد قامت بعد.. هي: مسلمة، هو: صربي، والطقس غارق حتى الثمالة بالموسيقى والقبلات... ياه... ما أجملك أيها الحب لما تسبق العاصفة! فلو وضعنا حرب البوسنة والهرسك جانبا، واختطفنا هذا المشهد وحده بكل حميميته من الفيلم قبل انفجار المكان، لساورنا اليقين أن الحب هو القنبلة!
عموما لا تستغرب ما دمت «في أرض العسل والدَّم»: البوسنة.
ثم إنها أنجلينا جولي، صاحبة هذه الأرض التي سرقتها من كل حروبها لتضمها إلى فيلمها السينمائي «في أرض الدَّم والعسل» الذي كتبت قصته وأحداثه متولية إنتاجه تاركة عليه إمضاءها الأخير كبصمة أولى في عالم الإخراج، وربما يكون هذا الاستئثار التام بالعمل من وراء الكاميرا أنانية مشروعة كونها تأثرت بأوضاع البلاد والضحايا الناجين من الحرب أثناء أدائها مهامها الإنسانية كسفيرة للنوايا الحسنة للأمم المتحدة، لتبدأ رحلتها بالبحث عن الحرب في أروقة المكتبات والأرشيف الإخباري مستعينة بنخبة من الساسة ورجال المخابرات العسكرية، على رأسهم البروفسور الدبلوماسي والمحرر الصحفي Richard Holbrooke الذي ٍكان مسؤولاً رفيعاً في حكومة كلينتون– الفرع التنفيذي للحكومة الفيدرالية الأميركية، وهو في ذات الوقت مهندس اتفاقية «دايتون» التي وضعت حدا لحرب البوسنة، حيث بدأت لمساتها الأولى في مدينة دايتون وتحديداً في القاعدة العسكرية الجوية هناك، إلا أن التوقيع عليها دشن في باريس عام 1995.
وكان لـ «ويسلي كلارك» دور أيضاً بتزويد جولي بمعلومات مهمة عن مجرى الحرب، خاصة أنه مدير الخطط الاستراتيجية والسياسية لوزارة أركان الدفاع المشتركة، بالإضافة للمراسل Tom Gjelten من محطة البث الإذاعي الوطنية العامة «NPR»، المختص بالشؤون الأجنبية. من هنا جاء الإصرار على تولي المهمة بالكامل، لتسلط الضوء على الضحايا الناجين من المذابح والذين يأخذون مواقعهم في التاريخ المعاصر.
وزعت نسخ من السيناريو على طاقم العمل بعد أن تعمدت جولي إخفاء اسمها، ليتفاجأ الجميع بعدها بأن بطلة هذا الحقل المدمى بالقنابل والرصاص ما هي إلا ملكة الإغراء وأكثر الجميلات غواية في هوليوود، فكيف رأت هذه الفاتنة الحرب وصورتها؟ لمن انحازت في النهاية: للحب أم للجاسوسية، للخراب أم للجمال؟
قد تفاجأ كثيراً- عزيزي المشاهد- حين تصل بعد انتهاء المتابعة إلى نتيجة يتيمة تنبعث من غبار القيامة، تؤكد لك أن الحرب على مر العصور ستظل أنثى!.

الأبطال.. ضحايا ناجون
«جولي» كانت تبحث عن حرب حقيقية، لم تكن تريد فقط أن تبتكر حكاية سينمائية لتعبر عن تعاطفها مع الضحايا، ولهذا اعتمدت أبطالاً عاشوا الحرب، ونجوا منها ليشهدوا على مراراتها، ليس هذا فقط، إنما كانت تستحث ذاكرتهم، وتغوص عميقاً في مسابر الوجع، وهي تتبادل معهم الحديث عن زمن الحرب، أرادتهم أن يعيشوها ويستدعوها من جديد ليراهنوا على نجاتهم من لعناتها، بالتالي تنجح هي بتوظيفها لصالح رسالة العمل، الذي أُنجز بنسختين لغويتين محلية وإنجليزية، ولهذا كانت البطولة النسائية للممثلة البوسنية Zana Marjanovi? وهي ذاتها «ألما» بطلة الفيلم البوسني الذي حصد نجاحا باهرا عام 2008 والذي وثق لحقبة اختفاء الرجال خلال الحرب، وذهب بالزمن إلى خريف 1997، حيث كان البوسنيون لم يزالوا يبحثون عن موتاهم وينتظرون عودة مفقوديهم..
ماريانوفيتش، بطلة قامت بالعديد من الأدوار المميزة في أعمال تلفزيونية وسينمائية، توجتها في فيلم جولي الذي لم يحظ يوم افتتاحه 23 ديسمبر 2011 سوى بعرض مسرحي محدود في الولايات المتحدة الأميركية.
شاركها البطولة Goran Kosti? (حبيبها الصربي في الفيلم) وهو من صرب البوسنة، ممثل ومنتج ظهر في العديد من أفلام هوليوود، ولكن بطولته الحقيقية جاءت في «بلاد الدم والعسل».
قام بدور أبيه القائد العسكري للصربيين الممثل العالمي القديرRade Sherbedgia، الذي حظي بالعديد من البطولات المساندة في علامات سينمائية مثل: مهمة مستحيلة وهاري بوتر في جزئه الأول، الرجال الغامضون، درجة أولى وغيرها، توج مرحلة الستينات والسبعينات كأكثر الممثلين شعبية، فمن يجرؤ على أداء هاملت لا بد أن يكون على قدر عزمه الشكسبيري وقد فعلها «سيربيديزيا» في العام 1974 ليتوّجه بطل شكسبير رجل هذه الحقبة.
«رادي» حسب تصريحاته، مصاب بعوارض «يوغو الحنين» وهي ظاهرة نفسية وثقافية انتشرت بين مواطني جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الاشتراكية، ورغم أن جوانبه الأنثروبولوجية والسوسيولوجية لم تسجل إلا أنه عند البعض صفة إيجابية وعند البعض الآخر تسمية مهينة... وهو غير الإيديولوجية اليوغسلافية السلافية، فهو يخص أكثر المجموعات الموسيقية اليوغسلافية والأعمال الفنية والعروض المسرحية.

عقوبة حرب
لم تخل هذه الدراما الرومانسية من منغصات سبقتها أو تلتها، بل تعامل معها البعض كجريمة حرب، وهو أمر لا بد تتوقعه وأنت ترى كيف يمكن للصراع والانقسام والتطرف أن يتحولوا من آثار لحرب خمدت إلى أسباب لحرب مختلفة يستعر أوارها في قدور جديدة.
الحرب لم تنته بعد، بل ربما هي على وشك أن تبدأ الآن، وتحديدا في يوليو 2010 بمجرد وصول طاقم العمل إلى مدينة الإعلام في صربيا للتحضير لتجهيزات الصوت والأداء ولزوم ما يلزم، هنا يصدر مديرها وقطبها الأكبر?eljko Mitrovi? بياناً صحفياً يعلن فيه رفضه التعامل مع فريق العمل، مفاده أنه «كان يكن كل احترام لشخص أنجلينا جولي كإنسانة وفنانة، ولكنه للأسف اكتشف بعد أن اطلع على الفيلم أنها متحيزة جداً ضد الصرب، وأنه لا يريد أن يكون جزءاً من تحيزها ضد قوميته والتي تقدم أبناء عرقه كنماذج سيئة لما لا يعد ولا يحصى من الزمن».
وهذه أول عقوبة حربية دفع الفيلم ثمنها، وقد أخذ ضحاياه- الأبطال وطار بهم ليحط رحاله في أكتوبر من نفس العام بين بودابست والعاصمة القديمة لهنغاريا Esztergom. بعد شهر واحد فقط من مواجهة الفيلم لعقوبة حربية أخرى تمثلت باتهام الكاتب الكرواتي Josip Kne?evi? المعروف باسم «برادوك» الكاتبة أنها سرقت عمله الذي نشره في ديسمبر 2007 باسم الروح المرتجفة أو المحطمة، وادعى أنه حاول الاتصال بطاقم الإنتاج ولكنهم تجاهلوه، وبعده أعلن أنه سيحاكم جولي في ديسمبر 2011، وبعض شركات الإنتاج التي مولت الفيلم، أمام المحكمة الجزئية الأميركية في شيكاغو، وهو ما دفع جولي في مقابلة مع «لوس أنجلوس تايمز» لرفض ادعاءاته، موضحة أنها لم تر عمله قط، وأن هذه الاتهامات أصبحت سمة أو ربما قصدت ألاعيب دعائية ومكسبية يمارسها المدعون، واعترفت بأنها اقتبست من أعمال الصحفي بيتر ماس وتوم جيلتن، وقالت: إنها قصص متشابهة يعيشها أشخاص مختلفون..
ظلت القضية سارية حتى مارس 2013 عندما قررت المحكمة أنه لا خرق لقانون النشر ولا تشابه بين القصيتين، لأن قصة الفيلم عن الخيانة والحب والانتقام وتعقيدات العلاقات العاطفية خلال الحرب، وهي تراجيديا سوداء بلا أمل، بينما قصة المُدعي عن العائلة والحب والقوة، وأن أي تشابه وارد في هذا النوع من القصص والأفلام التي تتناول الحرب، بينما أصر برادوك على السرقة ولم يقبل بتبرئة جولي فاستأنف القضية في العام 2014 بحجة خطأ الترجمة.

حكاية العمل
موعد غرامي هي الحرب، تفرق بين العاشقين وهما يلملمان الجثث التي تنتمي لسمائهما. كل شيء قابل للتلاشي، للهزيمة أمام الحرب، إنها أقوى من الحب، والدين، وحتى الموت. سيفترقان، لتصحو البطلة في صبيحة خطف الرجال على أوامر الجنود الذين يقتحمون المنازل ويخلونها لاختطاف ما طاب لهم من نساء البوشناق المسلمات كسبايا في مخيمات العسكر، وقد وقع الاختيار عليها. هي الآن في الحافلة وفوهات البنادق مصوبة إلى رأسها، النوافذ تطل على ثلج مسجى بالدم، أصوات الطلقات البعيدة للقناصة تخترق ظهور المارة أو الهاربين، إنهم يتساقطون، وإنهن الآن في المعسكر، كل شيء جاهز للافتراس!.
حفلات اغتصاب جماعي على الملأ، هنا تحس حقا أن الحرب بلا حياء، البذاءة في ساحة الرصاص في المقابر الجماعية فوق موائد الذئاب والغنائم والصفقات، الحرب قذرة لأنها تمرغ عفة الآلهة، وتتخذ من شرف النساء ملهاة ولعبة للتسلية والقهر والانتقام، فيا الله كم يغصّ المرء بالكلام!
إنه هناك، رآها فاتَّجهَ صوبها لينتشلها من بين يدي جندي يهم بها، نظرت إليه بحيرة، هل هو حبيب أم عدو الآن؟ ولكنها التقطت أنفاسها وقد أنقذها من حفل التعري البذيء، وأمر جنوده باصطحابها إلى غرفته، لأول وهلة ظنت أنه يريد اغتصابها هناك، لكنه طمأن قلب الحب، دون أن يخل بشروط الحرب، فأبوه قائد لفرق الموت، وهو يتخذها غنيمة... فكيف تصير الحبيبة سبية!
ذكاء جولي كان باقتطاف جمل خبرية من الأرشيف على لسان متحدثين باسم قادة الدول الكبرى يمتنعون عن التدخل، رغم سقوط ضحايا للحرب والجوع من النساء والأطفال، خلال هذا تنتقل الكاميرا إلى حبيبها وهو يصوب البندقية باتجاه أب مسلم يهرول وهو ممسك بيد ابنه، ولكنه يعجز عن التصويب لأنه يفكر بحبيبته التي يطلب استدعاءها ويشهر في وجهها بندقيته محتجاً على مخاطبتها له بالسيد، ومتسائلاً: لماذا يسهل على المرء أن يقتل الآخرين؟ وهل ستقتلينني لو حظيت بفرصة لذلك؟
إنها فنانة، وحبيبة قديمة وعدوة وهي الآن هناك، على سريره.. وفي يدها خطة للهرب أعدها لها... فهل تنجح؟
لن تنجح!
النساء دروع بشرية ورهائن، النساء حمالات حطب وجنائن، النساء وما أدراك ما النساء؟
في رأس السنة يلهو الجنود، ويثملون، وهذه ليلة الحرية، هي خارج مخيم القهر، مسجّاة بجثة قتيل، هكذا تنجو في الحروب، تبحث عن الموتى ليستروك من عيون القناصة..
يعثر عليها فدائي من طائفتها يصلها بأختها، ولسوء الحظ يلقى القبض عليه لاحقا فيشي بمكانها، ليعيدها دانيال إلى حظيرته ويهدي لها آخر حبة إجاص نجت من الجنة المحترقة..
تصل الأخبار لأبيه عن احتفاظه بالمرأة المسلمة، وخلف باب الغرفة الموصدة تبدأ الحرب بالانتقال إلى طرفي النزاع الحقيقيين: العاشقين! فمن بدأ الحرب؟ من القاتل؟ من الضحية؟ يضربها ثم يغادرها ناقماً ويعود إليها معتذراً، ثم راقصاً، يستكمل الرقصة التي بترتها القنبلة، فهل حقاً يستطيع أن يتم ليلة حبه الأخيرة قبل الحرب بعد أن فقد قلبه بعدها!
يقتحم أبوه غرفتها، وهي عارية في فراش الحب، يأمرها بارتداء ملابسها، يتبادلان حديثاً مختصراً حول الآباء وثاراتهم الدينية القديمة والموروثة، يأمر جندياً باغتصابها، في ذات الوقت الذي يأتي فيه دانيال، يظن في البداية أنها تعاشر زملاءه من ورائه، يهم بقتلها حتى يرى صورة أبيه في لوحتها. تخبره الحقيقة، يقتل زميله ويتوجه لأبيه، الذي يصفعه، ثم يحتضنه ويوصيه بتركها لأنها ستخونه بالنهاية، يلهث راكضاً إلى غرفتها يحاول ربطها إلى السرير واغتصابها ثم يهرب من جريمته الناقصة، بعد عمليات إعدام جماعي للبوسنيين يعود إليها باكياً: هل أثق بك؟ هل أخاف منك؟
يصطحبها إلى معرض للوحات ثم يخبرها عن مهمة تفجير كنائس وبعدها يتلقى أمراً من والده بالحضور إلى المقر على الفور ويذهب إلى مجلس الحرب تثير كلمات أبيه في نفسه توجسا خاصة أنه تركها تعود لوحدها دون مرافق.. فهل يصدق أبوه أم يكذب قلبه؟
يبدأ الفيلم بموعد غرامي وينتهي بموعد غرامي، أخبرها أن تنتظره بعد انتهاء مهمته بالكنيسة، لكنها في واقع الأمر لم تكن تفعل لأن التفجير الذي وقع إثر قنبلة وضعتها أختها لم يقض على حياته، بل أعاده إليها ليقتلها ويسلم نفسه كمجرم حرب لقوات حفظ السلام الدولية.. التي وصلها منهاراً باكياً محاطاً بالخراب والدخان والجثث، لقد انتهى كل شيء! لم يعد هناك أمان لأي شيء سوى للموت!

حرب الصحافة
الصحفية البريطانية من أصول إيرانية «كريستيان أمانبور»، التي غطت حرب البوسنة والهرسك لـ (سي إن إن)، وصفت العمل بالشجاع، كذلك منظمات حقوق المرأة، واعتبر «ريتشارد كوهين» من الواشنطن بوست العمل فاضحاً لسياسات الولايات المتحدة الأميركية. وفي عرض خاص في سراييفو من غير الجمهور الصربي، لقي الفيلم استحساناً خاصة عند رئيس جمعية أسرى الحرب مراد تاهيروفيتش، وكذلك رئيس جمعية أمهات ضحايا مذبحة سربرنيتشا، محميدوفيتش الذي تحدث قبل الفيلم ضد أنجلينا ثم عاد وشكرها للاستثمار الفكري والمالي..
أما المخرج الصربي دراجوييفيتش فاعتبره: «سيئا ولا يستحق أبدا أي اهتمام، وإن لفت الانتباه فلأنه يحمل إمضاء نجمة سينمائية من هوليوود، وهذا عادة ما يأتي بنتائج عكسية، فهؤلاء الهوليووديّون يعيشون بانعزالية باذخة في بيفرلي هيلز، وبالكاد يدركون ما يحدث على بعد 15 ميلاً منهم فما بالك في النصف الآخر من العالم في البوسنة»؟ ووصفه بفيلم التقارير الإخبارية، مستغربًا ألا يملك أحد ممن يحيطون بالنجمة الجرأة لوقفها. وذهب البعض إلى اعتباره فيلم بروباغندا، أو محاولة مضللة لتجديد الوعي العام للصراع في البلقان، ثم أنه يجنح للابتذال، ويصدم المشاهد بعباراته وألوانه التي بدت شاحبة جداً إلى الحد الذي يثير الضحك.
«جيك كويل» من الأسوشييتد برس رأى أن جولي نجحت باستخدام اسمها للفت الانتباه لجرائم الحرب والتطهير العرقي، ولكنه يأخذ عليها الإغراق في السياسة على حساب الفنية كسفيرة للأمم المتحدة، ثم تركيزها على مشاهد العنف الداخلي بدل التقاعس الدولي. ولم يقتنع بعضهم بالعلاقة بين «أجلا ودانيال، في حين رأى فيه آخرون أنه فيلم للنوايا الحسنة التي ضلت طريقها»..
وسائل الإعلام الصربية بدورها اتهمت جولي بتجاهل ضحايا الحرب من الصرب، واحتجت على تقديمهم بهذه الصورة الشريرة، أما موقع الطماطم الفاسدة فكانت نتيجته إيجابية إذ حصد له 55% أي بمعدل خمسة وتسعة بالعشرة من عشرة.
تود مكارثي مراسل هوليوود قال: «لم أكن أتوقع براعة جولي بخلق أجواء قمعية وأحداث مروعة بهذا الشكل»، وأشاد كثر بجرأة جولي وكشف ما وراء الستار من خطط العقل المدبر المجرم ميلوسوفيتش، فكيف ردت جولي على كل هذا؟

حملات تشويه
في لقائها مع الصحفية والإعلامية كريستيان أمانبور رئيسة المراسلين الدوليين ومعتمدة الشؤون العالمية في وكالة (إيه بي بي) الإخبارية، حائزة رتبة الإمبراطورية البريطانية، والأكثر متابعة من قادة العالم، أكدت جولي أنها درست أدق التفاصيل عن هذا الصراع، وأصرت على اعتبار حرب البوسنة هي أسوأ إبادة عرقية منذ الحرب العالمية الثانية، ثم تساءلت: ماذا كنا نفعل حينها؟ وهل قمنا بما يكفي؟ ولماذا لا نتحدث عن هذه المجازر بما يكفي؟
ورداً على تهمة عدم توازن الفيلم، قالت: إن الحرب أصلا ليست متوازنة، فكيف نطالب كل ما ينتج عنها بالتوازن، مستهجنة وجود هذا النوع من المتناقضين وغير المتوازنين، واعترفت بأنها قابلت صنفاً من الناس لا يريد أن يتذكر أو يذكره أحد بما حدث، قائلة هؤلاء سيغضبون بشدة.
الفيلم تعرض إلى حملة تشويه وكم كبير من الادعاءات الزائفة التي أدت لسحب رخصة تصويره، بالتالي إيقافه، حيث قدمت تقارير مزورة تقول أن قصة الفيلم مستنبطة من قصة امرأة بوسنية أحبت مغتصبها الصربي، فووجه بحملات احتجاج من جمعيات نسائية ألغي على إثرها تصريح الفيلم، مما حدا بالإنتاج لتقديم السكريبت لوزارة الثقافية البوسنية لإثبات بطلان الادعاء، بدورها أعادت إصدار التصريح.
لا شك أن مراعاة الجانب الفني لم تأتِ أولاً، وأن الجنوح للإباحية والبعد عن الرمز أفقد الفيلم- في مشاهده الجنسية تحديداً- شيئاً من قيمته... ثم إن إصراره لإثارة التقزز واستفزاز المشاعر الإنسانية فيه انحياز لمهمته الإنسانية أكثر من حسه الإبداعي وفي هذا ظلم مغفور للحدسين!.
إلا أن كل تلك الحملات الكيدية أثبتت أن إنجلينا جولي لم تظلم أحداً، بل بالعكس تماماً؛ لقد فضحتهم جميعاً أمام أنفسهم وضحاياهم والعالم، ولذلك حاولوا إسقاط شعورهم بالعار على ما أعرَّهم وعرّاهم، فإن كان القصد من هذه السينما الإنسانية مكافأة العار بالعار لأن البادئ أظلم؛ فهذا وحده كافياً لتتوج كأكثر الأعمال جرأة في تاريخ هوليوود..
هل بعد هذا كله ستلوم «جولي» على سوداويتها؟ ألم تكن رجلاً بل فاقت الرجال في هذا العمل وهي تخلع عنها صفتها الهوليوودية «أنثى الجمال» لتتحيز للخراب باعتباره دليلاً ثبوتياً على الجريمة؟ ثم هل ستستغرب لمعاقبتها بهذا الشكل وشن كل هذه الحروب عليها وإثارة حملات الشائعات وتقديم التقارير المزيفة قبل التصوير لإجبارها على إيقاف المهمة، ولم تيأس!
اعتدنا على جميلات يُقتلن في سبيل الحب ويدفعن ثمن تعلقهن برجال السياسة كما حدث مع مارلين مونرو. اعتدنا على جميلات يظهرن عاريات على أغلفة المجلات، وجميلات يحصدن الجوائز والقبلات وينشغلن بالموضة وعمليات التجميل وحشد أكبر رقم قياسي للمتابعين والمصفقين، ولكنا لم نعتد أن نرى جميلة ترمي وراء ظهرها هذا المجد المريح وتتجه إلى موقع الجريمة، تنفض التراب عن أكوام الجثث في المقابر السرية، وتبدأ بتشريح معاهدة السلام لتستدل على بصمة الحرب.. فيا الله ما أجمل الجمال لما يتنازل عن نفسه لصالح ضميره، حتى لو كان الثمن: وأده!

صدمة
نهاية الفيلم كانت صادمة، وبحسب فنانة كرواتية التقيتها، فإنها تتوقع للعمل الفني أن يتحيز دائما لانتصار الحب على الحرب، وهو ما تستغربه مع جولي، خاصة وأن المرأة بطبيعتها ترجح كفة الحب دائما.. فلماذا انتصرت الجاسوسة على العاشقة؟
يا الله كم يغيب الحب، حدَّ أنك لا تحس بوجوده، في لحظة صراعك مع قلبك، تقتلعه وترميه في مكب النفايات وتمضي إلى جريمتك بعزم!
في الحرب لا شيء ينتصر سوى الحرب، كل شيء يتهاوى: الأمومة، الحب، السماء، الوطن، الذاكرة، الموت، الحياة و...!

عالم خَرِب
حصد الفيلم في السوق المحلي ما يقارب 308.877 دولارا، حتى مارس 2012، وجائزة مهرجان سراييفو للأفلام.. ولو قارنته بما حظي به فيلم كباريه - مثلا - الذي يروج للعبث والشذوذ، واختارته مكتبه الكونغرس ليضم إلى ذخيرتها كأعظم فيلم في تاريخ السينما العالمية، وبين فيلم أنجلينا جولي لأيقنت حجم الخراب والدمار واللاإنسانية في هذا العالم، بل ربما لأدركت من وراء قتل مجرم الحرب في زنزانته، ومن حقاً يريد إخفاء معالم الجريمة!

العار بالعار والبادئ أظلم
منذ نتيجة الاستفتاء الذي انسحب منه الصرب وحصاد أكثر من 99 بالمئة من الأصوات المؤيدة لاستقلال البوسنة، عام 1991، وحتى معاهدة دايتون، والحرب مفتوحة في سراييفو، وصل عدد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب ما بين عشرين إلى خمسين ألفاً، وهجِّر أكثر من 2.2 مليون من البوسنة. الرجال كانوا يزجون بمعسكرات تعذيب وضرب مبرح وتنكيل، والنساء في مراكز اعتقال مهينة يتعرضن للاغتصاب المتكرر، عداك عن عمليات حرق المتاجر والبيوت والنهب والسرقة فإن سألت عن حصة الأسد فإنها من نصيب القتلى البشناق!
وبعد كل هذا يحدثونك عن التحيز والعنصرية والتحريض ضد الصرب!

اقرأ أيضا