الاتحاد

الملحق الثقافي

شهوة الحياة

كان بشار يدرك بعمق أن شهوة الحياة المتدفقة بنهم في عروقه، والمتجسدة بإبداع في شعره، أعنف وأقوى من أن يتم إشباعها بالكلمات فحسب، ولعل ذلك ما جعل أخباره ونوادره تشغل الباحثين وتفسر كثيرا من غرائبه وشوارده فيعجب بها بعضهم ممن يتوافقون مع نهجه في التسامح والمرح وحب العبث والدعابة ويضيق بها آخرون ممن لا تروقهم نزعة الخفة ولا يطيب لهم الميل إلى الاستهتار وإن لم يستطع أن يخفي هؤلاء إعجابهم بشعره وإشفاقهم من عنفوانه.
يروى أنه شهد مرة مجلسا فقال لمن معه “لا تصيروا مجلسنا هذا شعرا كله، ولا حديثا كله، ولا غناء كله، فإن العيش فرص، ولكن غنوا وتحدثوا وتناشدوا، وتعالوا نتناهب العيش تناهبا” ولعل هذا أن يكون ترجمة حيوية لبيته الشهير الذي يقول فيه:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

غير أن هذا الجموح في تتبع الشهوات كان لابد أن يوقعه في كثير من المآزق والمواقف الحرجة، وقد اختلط لنا الرواة بشواهد عديدة على ارتطامه بجدار الأعراف والتقاليد. من ذلك ما يروى من أنه عشق امرأة فكان يبعث بغلامه إليها وهي تتمنع، فلما أضجرها عرفت زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا، ففعلت، وجاء بشار مع امرأة أنفذتها إليه، فدخل زوجها جالس وهو لا يعلم، فجعل بشار يحادثها ساعة ثم قال:
أمامه قد وصفت لنا بحسن وإنا لا نراك فألمسينا
فأخذت يده ووضعتها في حجر زوجها، ففزع بشار ووثب وقال:
علىّ آلية ما دمت حيا أمسك طائعا إلا بعود
ولا أهدى لأرض أنت فيها سلام الله إلا من بعيد
طلبت غنيمة فوضعت كفي على “شيء” أشد من الحديد
فخير منك من لا خير فيه وخير من زيارتكم قعودي

وتمضي الرواية المصنوعة لتقول إن الزوج قد قبض عليه، ولكن أخذته الرأفة به وقال: ههممت أن أفضحك فقال بشار: كفاني، فديتك، ما فعلت”.
ومع ما في الرواية من طرافة فإننا نلاحظ عليها أمرين:
أحدهما: أنها لاتقف عن ذكر الأعضاء الجنسية صراحة، شأن الكتابات القديمة كلها، وأن المحدثين أشد تجملا وأرقى ذوقا في استخدام الكناية وترك التصريح. وثانيها: أنها ظاهرة التلفيق، لأن الموقف لا يمكن أن يحتمل عقب المفاجأة المذهلة لبشار أن يرتجل أبياتا شعرية يصف فيها ما لمسه وهو معرض للضرب وربما القتل، وإذا كان البيت الأول من شأن بشار أن يعده ليقول للحسناء كي تجعله يلمس مظاهر جمالها وأنوثتها فإن الأبيات التالية تحتاج عقلا يفكر فيها في لحظة جنونية لا مجال فيها لأي تفكير أو بديهة، لكن استهتار الشاعر وجرأته على البيوت والأعراض اشتهرت في زمنه فدفعت الرواة أن يخترعوا القصة، وربما الأبيات أيضا.

اقرأ أيضا