الاتحاد

الملحق الثقافي

طائر خرافي بأكثر من جناحين

يناقش كتاب “إيران: جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية؟” الصادر عن مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع الأزمة الإيرانية الراهنة من زاوية أنها ليست أزمة مؤقتة، بل أزمة انقسام عميق في بنية المجتمع وفي نخبته السياسية. ويصوّر الكتاب الذي يضم دراسات خمس أعدها د. وحيد عبد المجيد، ود. مصطفى اللباد، ود. محمد السعيد عبد المؤمن، ود. مدحت حمادو ومحمد عباس ناجى، الصراع في إيران بأنه على تحديد اتجاه المستقبل: فهل تكون إيران جمهورية إسلامية داخل حدودها أم سلطنة خمينية تسعى إلى وراثة السلطنة العثمانية بصورة حديثة؟.
ويركز الدكتور وحيد عبد المجيد في عرضه على نقطتين رئيستين الأولى: النظام الإيراني الآن شبه جمهوري أو نصف جمهوري، والصراع هو بين من يتطلعون إلى جمهورية كاملة ومن يريدون نظاما سلطانيا يتمدد في الخارج؛ والثانية: الخلاف على حدود (ولاية الفقيه) يرتبط بالصراع على المستقبل: أنصار الولاية المطلقة هم “السلطانيون” والداعون إلى تقييد هذه الولاية هم الجمهوريون.
ويلقي الدكتور مصطفى اللباد في دراسته الضوء على أن النظام الإيراني لم يعد طائرا عاديا بجناحين (إصلاحي ومحافظ) وإنما تحول إلى طائر خرافي ثلاثي الأجنحة، ويركز على أن أجنحة النظام الإيراني الآن كلها يمينية بينما يضمر الجناح اليساري.
ويستعرض الدكتور مدحت حماد في دراسته: “النظام السياسي الإيراني خماسي الأضلاع يتضمن إلى جانب السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) مؤسستين أكثر أهمية هما مؤسسة الولي الفقيه (أو المرشد الأعلى) ومؤسسة مجلس الخبراء”.
ويناقش الدكتور محمد السعيد عبد المؤمن في دراسته: قضية الشرعية في إيران ترتبط بموقع الحكومة الإسلامية من الأحكام الشرعية والعلاقة بين الثوابت والمتغيرات وإشكالية مواجهة النظام العالمي والعلاقة بين الغرب والشرع. ويبحث محمد عباس ناجي في دراسته اتجاه التغيير في إيران لا يقتصر على الإصلاحيين وإنما يشمل أيضا بعض المعتدلين من الجناح التقليدي في التيار المحافظ.

بين النخبة والشارع
يبدأ الكتاب من الأزمة التي أثارتها انتخابات الرئاسة الإيرانية الأخيرة والتي خلفت انقساما في بنية المجتمع ونخبته السياسية والثقافية. وما أن حلت ذكرى اقتحام السفارة الأميركية في طهران، في 4 نوفمبر، حتى تجدد المشهد في الشارع الإيراني الذي جرى لعدة أسابيع بعد انتخابات يونيو الماضي، حيث تحولت إيران إلى ساحة مواجهة بين أنصار النظام ومعارضيه. وانقسمت المظاهرات يومها بين شعارين: (الموت لأميركا) وهو شعار أنصار النظام، بينما رفع المعارضون شعار (الموت للديكتاتور).
ويناقش الكتاب طبيعة النظام السياسي الذي أقامته الثورة الإسلامية. وهو نظام فريد أقيم على ولاية مطلقة عرف التاريخ أشكالا منها وألوانا. وليست ولاية الفقيه إلا امتداداً لظاهرة الولاية المطلقة، ولكن بشكل مختلف وفي صورة حديثة تمثل الانتخابات الدورية أحد أهم مظاهرها. وقد شغلت إيران العالم بممارسات هذا النظام لثلاثة عقود.
ولعل أهم تداعيات الأزمة، التي توفرت لها مقومات الأزمة الاجتماعية والسياسية الممتدة، هو طرح السؤال عن مستقبل إيران على نحو لا سابق له. فإذا استبعدنا أسئلة ساذجة أُثيرت في مناسبات مختلفة بشأن قدرة نظام الجمهورية الإسلامية على الاستمرار، حيث تأكدت قدرته على ذلك، فهذه هي المرة الأولى التي يثار فيها السؤال جديا عن الطابع الذي سيغلب على هذا النظام في المستقبل. وقدم الدكتور مدحت أحمد حماد صياغة جديدة يصف من خلالها النظام السياسي الإيراني بأنه نظام سياسي خماسي الأضلاع، من بينها ثلاثة تنتمي إلى العصر الحديث وتمثل قوام جمهوريات هذا العصر سواء الصالحة أو الفاسدة، والديمقراطية منها والتسلطية والشمولية على حد سواء. أما الضلعان الآخران الأكثر أهمية فهما منبتّا الصلة بالنظام الجمهوري، وخصوصا مؤسسة الولي الفقيه أو القائد أو المرشد الأعلى. ويتضح أن الصراع بين اتجاهين عريضين يضم أولهما من يتطلعون إلى نظام جمهوري كامل أما الاتجاه الثاني فهو يشمل من يرغبون في تكريس النظام شبه أو نصف الجمهوري، ومن يذهبون إلى مدى أبعد في التزامهم بالولاية المطلقة في الداخل والتمدد في الخارج على نحو قد يجعله أقرب إلى نظام سلطاني. وهكذا يبدو الإسهام الرئيسي لهذا الكتاب، والذي بلوره د. وحيد عبد المجيد في قراءته لمستقبل إيران، وهو أن الصراع سيتصاعد بهدف تحديد اتجاه هذا المستقبل، وهل تتجه إيران نحو جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية.
ومؤدي النظام السياسي الإيراني الذي يحلق بثلاثة أجنحة، بحسب د. مصطفى اللباد أنه لم يعد طائرا عاديا بجناحين (إصلاحي ومحافظ)، وإنما تحول إلى طائر ثلاثي الأجنحة، أي خرافي. وهذه الأجنحة كلها، عنده، تقع في اليمين، وتمثل التيارات الثلاثة داخل المعسكر المحافظ، في حين يضمر الجناح الواقع إلى اليسار.

اتجاهات التغيير
وربما يظن البعض أن ثمة تناقضا بين هذا التحليل العميق وتحليل آخر لا يقل أهمية في دراسة محمد عباس ناجي. فوفقا لهذا التحليل، تشهد إيران صراع اتجاهات يبرز منها اثنان رئيسان: أولهما اتجاه التغيير الذي يقوده المعتدلون المنتمون إلى التيار الإصلاحي والجناح التقليدي في التيار المحافظ. أما الاتجاه الثاني فيقوده الجناح الأصولي المتشدد في التيار المحافظ. ومؤدى ذلك أن الصراع في إيران إنما هو بين الاتجاهين المحافظ والإصلاحي على نحو يعطي انطباعا أوليا بالتعارض مع ما ذهب إليه د. مصطفى اللباد.
ويشرح د. محمد السعيد عبد المؤمن بوضوح وعمق في معالجته لقضايا مثل موقع الحكومة الإسلامية من الأحكام الشرعية والعلاقة بين الثوابت والمتغيرات ودور قوات الحرس الثوري وإشكالية مواجهة النظام العالمي والعلاقة بين العُرف والشرع: هل يشرّع العرف أم يُعرّف الشرع.
وإذا كان كل من طرفي الصراع على مستقبل إيران يرفع الخمينية شعارا ويتدثر بها ويشهرها سلاحا في وجه الآخر، فالاتجاه الطامح إلى جمهورية كاملة هو الأبعد عنها دون أن يخرج من إطارها. فالجمهورية التي يريدها هذا الاتجاه إسلامية على مبادئ الخميني، ولكن مع تفسير أكثر اعتدالا وانفتاحا على نحو لا يخلو من تأويلات تحملّها أكثر مما يمكن أن تتحمله أو تضفي عليها أبعادا قد لا تتسع لها.
أما الاتجاه الآخر، والأقوى في إيران وفق ما تدل عليه التفاعلات التي اقترنت بأزمة انتخابات 2009 الرئاسية، فهو الأقرب إلى الخمينية وأسسها الأيديولوجية التي تقوم على تقديس الدولة القوية المهيمنة على مجتمع محصور دوره في تجديد العهد مع “إمام الزمان” الغائب والولي الفقيه الذي ينوب عنه في غيبته، وتمجيد الدولة المتمددة خارج حدودها اعتمادا على أذرع تبسط لها نفوذها بالوكالة السياسية مادام التوسع الجغرافي صار تاريخا مضى وانقضى.
وهكذا تدخل إيران الإسلامية عقدها الرابع وقد تنامى الصراع على مستقبلها بين اتجاهين عريضين يفوق أحدهما الآخر ولكنه لا يقدر على إلغائه. وبغض النظر عن الخلاف المشروع على تحديد طابع هذين الاتجاهين، وما إذا كانت ثنائية إصلاحي - محافظ تكفي لفهم مختلف أبعادها، فهناك من المعطيات ما يكفي لفهم الخلاف بينهما في إطار الصراع على مستقبل إيران وهل تكون جمهورية إسلامية أم تصبح سلطنة خمينية؟

اقرأ أيضا