الاتحاد

الملحق الثقافي

خطاب انتقائي يخلط الفكر بالمنفعة

تأتي أهمية كتاب “الحوثيون” للباحث اليمني الدكتور أحمد محمد الدغشي كونه تناول موضوعاً هو حديث الساعة، في الإعلام العربي والعالمي، بعد تصاعد المواجهات بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية واتساعها إلى أطراف أخرى إثر تسلل الحوثيين إلى مناطق حدودية في السعودية، وتصريحات لمسؤولين إيرانيين لم يخفوا تعاطفهم مع هذه الجماعة.
الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار الكتب اليمنية ومكتبة خالد بن الوليد في صنعاء بحث فيه الدغشي عن نشأة وتكوين ما أسماه بالظاهرة الحوثية، والمسببات المحلية والخارجية التي كانت وراء ذلك.

قضية معقدة
في البداية أقر الباحث أن الحوثية قضية معقّدة “يختلط فيها الفكر بالسياسة، والتاريخ بالحاضر، والأيديولوجية بالمنفعة”. وكتعريف إجرائي فالحوثية هي “تلك الحركة أو ذلك المنتدى أو التنظيم الفكري التربوي (المدرسي) الذي أعلن عن نفسه في عام 1990 باسم: الشباب المؤمن. كإطار تربوي وثقافي في البداية، إذ اقتصر نشاطه في ذلك الحين على تربية الشباب وتأهيلهم بدراسة بعض علوم الشريعة، مع الأنشطة المصاحبة، وفق رؤية مذهبية زيدية غالبة، ثم ما لبث أن انتقل، بسبب بعض العوامل، إلى تنظيم مسلّح عسكري، بدءاً من منتصف عام 2004، بحيث صار (الحوثيون) عنواناً له”.
تحدث الباحث عن مذهبين رئيسين في اليمن هما الشافعية والزيدية، والأخير نسبة إلى زيد بن علي (ت122هـ)، الذي يخلو تراثه، حسب الدغشي، من “الزعم باشتراط نسبي أو عائلي أو حتى أفضلية لحصر الخلافة في البيت العلوي”. إلاّ أن المسألة اختلفت منذ قدوم الإمام الهادي، مؤسس الدولة الزيدية الأولى، إلى اليمن عام 284هـ حيث برزت فكرة اشتراط البطنين (الحسن والحسين) للخلافة، وغدت مسلّمة لدى الأئمة من بعده الذين أكدوا على حصر الإمامة في الفرقة الفاطمية.
ومع أنه “لم يؤثر عن الإمام زيد نيل من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر” بل أنه، حسب ما يقول الباحث، اشتهر “بالتبرؤ ممن نال منهما أو قدح في خلافتهما”، فإن فرقة من المذهب الزيدي الذي ينسب إليه، حملت اسم الجارودية، اقتربت “في جوهرها من الفكر السياسي الإثني عشري، من حيث الموقف السلبي من الصحابة وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الثلاثة”. وهذه الفرقة ترى أن النبي “نصّ على علي بن أبي طالب بالوصف لا بالتسمية، فكان هو الإمام من بعده، وأن الناس ظلّوا وكفروا بتركهم الاقتداء به بعد الرسول (صلى الله علية وسلم)، ثم الحسن من بعد علي هو الإمام، ثم الحسين هو الإمام من بعد الحسن”. وإذ أعاد الباحث جذور الحوثية إلى الجارودية، فقد كشف عن نظرتهم إلى الحكم الذي يرونه محصوراً في آل بيت النبي، ورؤيتهم السلبية للصحابة، من خلال شواهد عديدة نقلها من خطب ومحاضرات حسين بدر الدين الحوثي، ومن كتابات وتصريحات والده الذي يعتبر مرجعية عليا في الزيدية. إلاّ أنّه، لم يغفل الإشارة إلى معارضة البعض لاحقاً، من البيت الحوثي نفسه، لهذا التوجه، فأورد تصريحات لأخوي حسين (يحيى وعبدالملك)، وهما زعيما الحركة حالياً، أقرّا فيها بالنظام الجمهوري واعتبرا أن “المرحلة ليست مرحلة الإمامة”.
ناقش الباحث بعض الأقوال عن نشأة الحوثية، وأشار إلى ما يذهب إليه البعض من أنها قد برزت في مواجهة الموجة السلفية السنية التي اتسعت وبرزت على حساب المذهب الزيدي، خاصة في محافظة صعدة الموصوفة بكرسي الزيدية؛ ففي سبيل ذلك أسس منتدى الشباب المؤمن سبعة وستين حلقة ومركزاً، درس فيها ما يقرب من ثمانية عشر ألف طالب، في تسع محافظات يمنية. وكانت شخصية زعيم السلفية مقبل الوادعي (ت2001) قد اتسمت “بثقافة سلفية تقليدية هجومية حادة” تجاه مخالفيه، مما أنتاب بعض أبناء المذهب الزيدي إحساس “بالقضاء على مذهبهم وضياع تراثهم”، واستهدافهم من قبل الاتجاه السلفي القادم بقوة والمدعوم من وراء الحدود.

خطاب جذّاب
تناول الباحث انقسام منتدى الشباب المؤمن إلى فريقين، الأول وهو المعتدل، مثّله الأمين العام السابق محمد يحيى عزان الذي له نشاط فكري تنويري ملحوظ، والفريق الثاني ظهر مع عودة حسين الحوثي من دراسته في السودان عام 1999 والذي دعا أتباعه بعدها إلى التعاضد تحت شعار مشابه لشعار الثورة لإسلامية في إيران: “الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”. وأدى تزايد ترديد هذا الشعار في المساجد وفي الأماكن العامة إلى اندلاع المواجهة العسكرية مع السلطة عام 2004، قتل إثرها قائد الحركة حسين الحوثي.
واعتبر الشعار، وكذلك الاحتفال بيوم الغدير، حسب الباحث، من المؤثرات الخارجية على حركة الحوثيين، وإن كان يُرجع الاحتفال بيوم الغدير إلى تقليد يمني قديم بسمة وهدف مختلفين.
وأشار الباحث إلى تردد بعض الحوثيين إلى إيران للزيارة والتعليم، لكنّه أكّد على تميّز الرؤية المذهبية لديهم، وعدم قبولهم للكثير من أطروحات المذهب الإثني عشري في إيران، بل أنه أورد نصوصا لحسين الحوثي أنتقد فيها، بل وسخر، مما يقوله الإثنا عشريون عن الإمام الغائب، واستنكر مسألتي المتعة والخُمس عندهم.
في وصف الخطاب الفكري لقائد الحركة القتيل، قال الباحث إنه ذو “روح انتقائية ثورية متمرّدة، تبدأ من نقد الآخر المذهبي كأهل السنة عامة” إلى “نقد المذهب الزيدي” وهو ما أثار بعض أتباع المذهبين. و”تكوين حسين الحوثي الفكري والتربوي والسياسي نابع في الأساس من الفكر التربوي السياسي الزيدي الذي يعدّ الأصل الخامس عنده هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مستلزمات الإيمان به الرفض والتمرد والعصيان بل المحاربة والثأر على كل حاكم يُعتقد فسقه وفساده”؛ أمّا شخصيته فقد تميّزت بحضور لافت “لأسباب مختلفة لعلّ في مقدمتها تلك النزعة الثورية المتمردة، في واقع اجتماعي بائس” ولامتلاكه “خطاباً جذّاباً في أسلوبه، غير معهود، عادة، في الأوساط التقليدية، وفي مثل بيئته بوجه خاص؛ مما قدّمه شخصية (كارزمية) خارقة للعادة”. وحسب الدغشي، من “يتابع أطروحاته الشفهية، على سبيل المثال، لا يمكنه إلاّ أن يقرّ أن الرجل يأسر الفرد العادي بخطابه، إذ يسعى حثيثاً بكل الأساليب الممكنة للإقناع بفكرته، وفق منهج علمي، أيّاً اختلف معه المرء أو اتفق، مستخدماً أسلوب المثال والاستشهاد والمقارنة”.

اقرأ أيضا