الاتحاد

الملحق الثقافي

عميد حركة التنوير

“تنوير طه حسين”.. كتاب جديد يتناول أفكار عميد الأدب العربي د.طه حسين والبعد التنويري في حياته ومسيرته، وهو من تأليف المحرر الثقافي لصحيفة “الأهرام” الناقد سامح كريم، الذي سبق له أن التقى عميد الأدب العربي مراراً وتعامل معه عن قرب.
يعرف الكاتب التنوير بأنه حركة تعتد بالعقل، وتعتمد عليه، وتقرر أن وعي الإنسان هو العامل الحاسم، والشرط الأساسي في تقدم وازدهار مجتمعه. وبهذا المعنى قام طه حسين بأعمال تنويرية، التزم بها مثل التفكير العقلي وتنمية الوعي لدى الجماهير وقدم أفكارا وآراءً جديدة وجريئة.
لم تبدأ الحركة التنويرية في عصرنا الحديث بالأستاذ العميد طه حسين، بل تعود الى عدة أجيال سابقة، حيث الشيخ حسن العطار في نهاية القرن الثامن عشر ثم رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك مروراً بالأستاذ الامام محمد عبده وجمال الدين الافغاني وقاسم امين ولطفي السيد. وقبل هذه الحركة في عالمنا العربي كانت أوروبا قد عرفت حركة تنوير على ايدي مفكرين وفلاسفة كبار مثل ديكارت وفولتير وروسو وكانط، حيث شجعوا استعمال العقل بجرأة وبلا خوف، كانط هو القائل “فكر بنفسك” وقال ايضا “التنوير هو تحرير الإنسان من عجزه عن أعمال العقل بغير مرشد خارجي وهذا العجز مردود الى فقدان الشجاعة والتصميم على إعمال العقل بغير موجه” ولكن للإنصاف فإن التراث العربي عرف مفهوم التنوير مبكراً وقبل اوروبا بقرون عدة، صحيح انه لم يتحول الى حركة عامة، لكنه كان موجودا بين بعض المفكرين مثل ابي حيان التوحيدي وابي العلاء المعري.. الذي قال في بيتين له:
زعم الناس ان يقوم إمام
ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الزعم لا إمام سوى
العقل مشيراً في صبحه والمساء
وعلى هذا فإن تنوير طه حسين كان مبنياً على العقل وعلى العلم والمعرفة، وكان شديد العداء للجهل والتفكير اللاعقلي والخرافة والشعوذة، وسعى الى التجديد بمعناه الشامل.

ثلاثة أركان
قام التجديد لدى طه حسين على أركان ثلاثة لخصها في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” الذي صدر عام 1938، الأول متابعة النهضة الأوروبية بمناهجها وأفكارها والثاني إحياء التراث العربي الإسلامي وقد قام بدور كبير في ذلك. والثالث إحياء الشخصية المصرية بمكوناتها الحضارية والثقافية الممتدة. وقد عرضه ذلك، خاصة الركن الأول وكذلك الثالث، لانتقادات حادة وقاسية حيث اتهم بانه يعادي العروبة ويتابع الغرب على طول الخط، خاصة حين رفض القول إن العقل المصري عقل شرقي وانه اقرب الى الفكر اليوناني وثقافة البحر المتوسط وقال بوضوح إن الشرق الذي يعنيه هو الهند والصين، أو ما نسميه الان الشرق الاقصى. اما المحيط العربي، فقد دافع طه حسين عن الأدب والثقافة العربية، واعترف بأن جذور مصر الثقافية عربية وتم تمصيرها منذ القرن الأول الهجري وصارت الفسطاط مثل الكوفة وبغداد ودمشق.
وكشف تقديمه لكتاب “على هامش السيرة” عن عمق توجهه العروبي يقول “اذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى ويلفتهم الى سذاجتها ويسرها جمالاً ليس اقل روعة ولا نفاذا الى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة فأنا سعيد موفق الى ما أريد”. ويقول ايضاً “واذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب الى استغلال الحياة العربية الاولى، واتخاذها موضوعا قيما خصبا للإنتاج العلمي في التاريخ والادب الوصفي وحدهما، بل كذلك للانتاج في الادب الانساني الخالص فأنا سعيد موفق الى ما أريد”.
ويعلن د. طه حسين أننا لا يجب ان نرفض القديم لكونه قديما فقط، ولا ان نرحب بالجديد لكونه جديدا ومعاصرا لنا، بل هناك معايير تحكم الاختيار.. ان القديم لا ينبغي ان يهجر لانه قديم، وان الجديد لا ينبغي ان يطلب لانه جديد، وانما يهجر القديم اذا كان بريئاً من النفع وخلا من الفائدة.. فإذا كان نافعا مفيدا فليس الناس اقل حاجة اليه منهم الى الجديد.
وبهذا المعيار اتجه د. طه حسين الى اعادة كتابة التاريخ الإسلامي، فهو الذي وضع مع صديقيه احمد امين وعبدالحميد العبادي مشروعا في إعادة تناول وكتابة التاريخ الإسلامي، وكان من المقرر ان يكتب العبادي التاريخ السياسي ولم ينجزه، واحمد امين يتناول تاريخ الفرق والتطور العقائدي والفكري، وهو ما قام به في موسوعته فجر الإسلام ثم ضحى الاسلام وظهر الاسلام.. وتولي د. طه حسين تقديم التاريخ من وجهة نظر أدبية ونقدية وتمثل في كتابه “على هامش السيرة” بأجزائه الثلاثة، ثم “الفتنة الكبرى” بجزئيه و”مرآة الاسلام” و”الوعد الحق” ثم “الشيخان” وكان يعتمد المنهج الاجتماعي والروح النقدية في تناوله لأحداث التاريخ وكان يسعى الى الموازنة بين مكانة الفرد في التاريخ ودور المجتمع، فهو القائل “الفرد ظاهرة اجتماعية وليس من البحث الجاد العلمي في شيء” أن نجعل الفرد كل شيء ونمحو الجماعة التي أنشأته وكونته محوا، انما السبيل ان تقدر الجماعة وان تقدر الفرد وان تجتهد ما استطعت في تحديد الصلة بينهما، وفي تعيين ما تطلب من أثر في الاداب، والآراء الفلسفية والنظم الاجتماعية والسياسية المختلفة”.
ومن أولى القضايا التي أثبت فيها د. طه حسين تمسكه بالعقلانية ومنهج الشك أي الاستنارة، موقفه من الشعر الجاهلي كما جاء في كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926 وقد أثار هذا الكتاب عليه الكثير من الانتقادات حيث اتهمه البعض في عقيدته ودينه، واتهمه البعض الآخر بأنه سطا على بحث للمستشرق الانجليزي مرجليوث، في نفس الموضوع، ولو تريث هؤلاء لأعادوا النظر في كل اتهاماتهم فقد ثبت ان الشك في الشعر الجاهلي وان به اشعارت منتحلة قال به ابن سلام الجمحي، في كتابه “طبقات فحول الشعراء” وقد وقع الانتحال لاسباب قبلية واخرى سياسية، ووضع د. عبدالرحمن بدوي كتابا كاملا في هذه القضية بعنوان “دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي”.

المنتحلون
ابن سلام أشار في طبقاته الى من كانوا ينتحلون الشعر بالاسم ومنهم محمد بن اسحق بن يسار، وقال عنه “وكان ممن افسد الشعر وهجنه وعمل كل غثاء فيه: محمد ابن اسحق بن يسار. فقبل عنه الناس الأشعار وكان يعتذر عنها قائلاً: لا علم لي بالشعر، وكتب اشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط، ثم جاوز ذلك الى عاد وثموت فكتب لهم اشعاراً كثيرة.. وحين جاء طه حسين ليقول بهذا الذي قاله ابن سلام قبل قرون عديدة اتهم في عقيدته الدينية وفي عروبته”.
أما اتهامه بالسطو على بحث “مرجليوث” فإن المستشرق الانجليزي نفسه هو الذي برأ طه حسين، فحين صدرت الطبعة الثانية من كتاب طه حسين عام 1927 كتب عنه مرجليوث “تتشابه الفكرة الأساسية للكتاب والبحث الذي اتمه صاحب هذا المقال ـ مرجليوث ـ عن اصول الشعر العربي، الذي نشر في نفس الوقت الذي نشر فيه طه حسين كتابه وقد توصل الباحثان مرجليوث وطه حسين كل على حده إلى نتائج متشابهة. واستطاع الاستاذ العميد بمهارة فائقة أن يرصد الدوافع التي أدت الى تزييف الشعر في العصور الإسلامية ونسبها الى شعراء العصر الجاهلي.
كان مرجليوث قد نشر كتابه في يوليو عام 1925 ونشر طه حسين كتابه في عام 1926 لكن النقاد فاتهم ان كتاب طه حسين كان في الأصل محاضرات ألقاها على طلاب الجامعة المصرية قبل نشرها في كتاب أي انه من الناحية العملية سبق مرجليوث بسنوات.
وأهم جوانب التنوير في حياة طه حسين دعوته الى نشر العلم والمعرفة فهو الذي أسس جامعة الأسكندرية عام 1942، كما أسس جامعة عين شمس وكان اسمها جامعة ابراهيم عام 1950 حين كان وزيراً للمعارف ودعا الى مجانية التعليم ليكون كالماء والهواء في نفس الفترة، وخاض حرباً قاسية مع أنصار الملك فاروق والمحافظين في المجتمع المصري بسبب دعوته تلك واعتبروه شيوعياً لكنه لم يتراجع وتهكمت بعض الصحف المصرية عليه وقتها وأطلقت عليه لقب وزير الماء والهواء.
وكان قبل ذلك هو الذي أسس الإدارة الثقافية بوزارة المعارف حين كان نجيب الهلالي وزيراً للمعارف وهذه الإدارة كانت تهتم بنشر القراءة والمعرفة عربية ومترجمة واتسعت وكبرت وفيما بعد انفصلت عن وزارة المعارف لتصبح نواة وزارة الثقافة بعد ثورة يوليو 1952.

اقرأ أيضا