الاتحاد

الملحق الثقافي

كسر القاعدة والشكل والمضمون

التّجريب من حقّ الجميع وليست له حدود لكنّ النّجاح لا يكون في متناول إلا من اكتسب الخبرة والحنكة ومارس حرفة الكتابة في مقاييسها الأصليّة ليتحدّاها بعد ذلك إلى ما هو مبتكر وحديث، ولعلّ الكاتب التونسي حسن نصر أحد هؤلاء. إذ فاجأنا بكتابه “سجلات رأس الدّيك” مازجاً فيه بين كلّ أجناس الكتابة وكأنّه أراد أن يفعل بنا ما فعله بنا من قبله شيخ الأدباء التونسيين محمود المسعدي في كتابه “السّد” الذي لم يحدّد كاتبه نوعه وظلّ يمثّل متاهة أمام النقّاد لسنين طوال، فكيف سنتعامل الآن مع هذا الكتاب وقد حسم صاحبه الأمر معلنا إياه “كرواية”. فهل سنتّفق معه أم أنّ تسميته هذه ستظلّ رأياً شخصيّاً؟

نفوس معقّدة
انطلاقاً من ذاته التي فضحت خباياها وتعرّت في المرايا عن طريق وجوه مختلفة، اصطفتها قريحة المؤلّف لحظة الكتابة. نفوس معقّدة تظهر مختلف أشكال الصّراع النّفسي التي تحبكها المخيّلة والبناء التّضميني للنّص. إن الكتابة لدى حسن نصر أصبحت وسيلة للخلاص، من خلالها يتحقّق الإنسان ويتحرّر ويصلح خراب نفسه التي بدت تائهة تشكو الخلل والحزن والعزلة والجنون.
لكنّ حسن نصر لا يذهب بالقارئ مباشرة إلى الفكرة المقصودة بل يترك له فرصة البحث والتّنقيب عن ذلك الخلل الذي قاد الشّخصيّة إلى الحياد عن الطّريق السويّ أو الضياع، أو الجنون، جاعلاً إياه يستشفّ ذلك من خلال ممارسات بعض هذه الشّخصيّات وتجلّى هذا في كلّ اللّوحات تقريباً.”هناك من يصبحون أقوياء في الموضوع الذي تلقّوا فيه الضّربة. ويصبحون أكثر شراسة وربّما ينقلبون عليك ويوقعون بك هزيمة نكراء”. نلاحظ أيضاً محاولة المؤلّف تبرير تصرّفات شخصيّاته، فهو يبدأ بعرض الخلل النّفسي الذي يحاصر هذه الشّخصيّة ثم يذهب بنا تدريجيّاً إلى المسبّبات. وهذا يجعله يغوص بالقارئ في أغوار تلك النفوس، دون أن يجهر أو يفسّر أو يقوم بدور المعلّم أو المرشد. بل يترك الحدث يتسلّل إلى المتلقّي والشّخصيّة تجهر بما في عمقها من آلام وحسرة.
“ أنهينا الكأس الأولى، فسألني: هل نتناول أخرى؟
قلت: هذه المرّة على حسابي.
أجابني وهو يغرق في الضّحك: هي بقيّة كأس نشربها ونمضي.
افترقنا بعد ذلك ونحن نمسح دموعنا من الضّحك. كانت لآخر مرّة أراه فيها، إلى أن قرأت خبر نعيه في الجريدة”.
اقترب المؤلّف من الإنسان في كلّ محنه ومشاكله الفكريّ منها والحضاريّ والسلوكيّ، رابطاً هذه التغيّرات والتقلّبات النّفسيّة بتغيّر العصر وتطوّر التكنولوجيا وانتقال الإنسان من الوثوقيّة العمياء والغوص في عالم الخرافات إلى التفسّخ والانبهار الذي عاد به إلى نقطة البداية فسقط من جديد في الضّبابيّة والجهل وانقلبت الأسطورة من القمر الذي يضيء ليالي العشّاق إلى قمر صناعيّ تتدلّى عناقيده على نوافذ البيوت فتشتهيها العيون والألسن في صورة أحمر شفاه جذّاب أو تفّاحة ذهبيّة مستوردة من عالم الجان أيّام زمان.
لم يترك المؤلّف شاردة إلا وأحاطها بصوره وفنونه جاعلاً منها موضوع نقاش، لمن سيفتح هذا الكتاب ويبحر فيه. وأهمّ المواضيع التي ركّز عليها كانت صراع الإنسان والزمن والموت.

صورة الذات
اهتمّ المؤلّف بجوهر الإنسان أكثر من ظاهره فدرس الذات في تمظهراتها المختلفة، كاشفاً ضعفها وانحرافها وتعبها وانهيارها. وتفرّعت هذه الذات إلى ذات فرديّة تعبّر عن الجانب الشّخصيّ المحدود لدى الإنسان في الجوانب الحياتيّة الحميمة التي لا يمكن أن تعاش إلا بطريقة فرديّة، وذات أخرى جماعيّة وهذه بدت أكثر شموليّة واحتواء لهموم أكبر.
ونلاحظ هنا كيف أنّ الحب قد كان إحساساً فرديّاً عندما تعلّق الأمر بحب “رجل و امرأة” وتجلّى ذلك في اللّوحة رقم 35 “روعة الحب”. “تبسّمت وقالت: الآن...الآن بعد مرور كل هذا العمر؟
أجبتها: الآن نكتشف كم كنا نخفي حبّنا عن بعضنا البعض.
فقالت مرّة أخرى: بعد أن كبرنا و شابت رؤوسنا.
أجبتها مرة أخرى: الحب لا يعترف بالشّيب.
أطلقتها ضحكة منشرحة: سنعوّض، إذن عن كلّ الذي فاتنا
فضحكت في انشراح معها: لا شيء فات، الحب يزداد روعة مع تقدّم العمر”.
بدا واضحاً في هذه اللّوحة تحيّز الحب إلى قلبين اثنين لا ثالث لهما وهو عكس ما نلاحظه في المسرحيّة رقم 65 “الحب بلا عنوان” حيث يشمل الحب بلداً ويتسع إلى أشياء كثيرة يمتلئ بها قلب عاشق غير عاديّ وتتجلّى عظمة هذا الشعور واتساعه في هذه السطور: “الحارس الثالث: ألهذا الحدّ أنت تحبّها؟
المتسكّع: إلى هذا الحدّ و أكثر (يشرع يديه كطائر يريد أن يطير) أحبها مع طلوع كلّ شمس، أحبّها في قسوة البرد في الشمال وفي اشتداد الحرّ في الجنوب... أحبّها في حقول القمح وفي غابات الزيتون...الخ”.
ورغم أنّ الحبيب هنا قد كان متسكّعاً والحبيبة بائعة هوى فإنّ قصد المؤلّف كان واضحاً فالحبيبة المتّهمة بالانحراف هي البلاد والحبيب الذي لم يستطع نسيانها رغم كلّ مساويها هو المواطن الصادق، الذي لم يثنه سوء فهم الحراس لشعوره ولا ردعهم له على مواصلة الغناء إلى من أحبّ وهكذا يصبح الحب هنا شعوراً جماعيّاً رغم اقترانه بالفرديّة ظاهريّاً.

الإنسان والزمن
شكّل الزمن بالنسبة لإنسان هذه النصوص عائقاً وخصماً، يخافه ويسعى إلى قهره وتجاوزه. ولاحظنا ذلك في لوحة “روعة الحب” عندما حاول المحبّ أن يتحدّى الزمن “لا شيء فات، الحب يزداد روعة مع تقدّم العمر”، وكذلك لمسنا قسوة الزمن في لوحة “تحوّلات” وحكاية جهاز الراديو القديم الذي مرّ من العزّ إلى الإهانة، بعد أن كان زينة الدّار ومحطّ الأسماع والأبصار أصبح في سلّة المهملات “وحين خسرت في تجارتي واضطررت إلى بيع داري والانتقال إلى شقّة صغيرة، أخذت أتخلّص من كثير من الأثاث. فجاء جار لي وطلب منّي ذلك الرّاديو.
سألته: ماذا سيفعل به؟
أجابني: سأتّخذه بيتاً ينام فيه الكلب في الحديقة”.
نلاحظ امتلاك المؤلّف لذاكرة فذّة قادرة على كسر المسافات الزمنيّة والرّحيل من الماضي إلى الحاضر، مجتذبة المستقبل عن طريق التأمّل و الرّؤيا الثّاقبة، كما أنّ حسن نصر له المقدرة على جعل الماضي قائماً متجدّداً في إطار الرّاهن، وذلك عن طريق مزج الأسطورة بالواقع، وكأنّه بذلك أراد أن يقول لنا إنّ ما أعدّه الإنسان القديم خوارق وعجائب لم يعد يعني شيئاً أمام خوارقنا وأساطيرنا المستخلصة من الواقع: فنجده يتعرّض إلى الاستنساخ والعولمة، والإنترنت، الأقمار الصّناعيّة وكأنّها حكايات بدأت في الماضي مع جدّاتنا لتكتمل الآن على أيدي المخترعين والعلماء والمفكّرين والساسة ومجرمي الحرب الخ...”. وبهذا التّمازج بين القديم والحديث، يصبح زمن هذه النصوص حلقة دائريّة، يحيل أوّلها على آخرها. وهو زمن تخيلي، ينبع من ذاكرة المؤلّف ومن مخيّلته.

أجناس مختلفة
إن الأسلوب هو الإنسان وهو معيار الفنّ الأدبي الجيّد وهو الضّمان الوحيد لنجاح الكاتب في التّواصل مع المتلقّي وإقناعه برؤاه. كما أن الهدف من الكتابة لا يقف عند الشّكل بل يتجاوزه إلى الهدف والفكرة والمخيّلة التي ستتعامل مع كلّ ذلك. أقول هذا وأنا أفرغ من قراءة أغرب كتاب قرأته في حياتي والغرابة هنا لا تخصّ الأسلوب الدّاخلي للنّصوص ولا الأفكار ولا الطّريقة الفنّية الجماليّة التي تمّ بها بناء هذه النّصوص بل تخصّ اجتماع أجناس مختلفة من الكتابة داخل كتاب واحد أطلق عليه صاحبه اسم (رواية) ورغم قناعتي بالتجديد وبالتّجريب فأنا لم أتوصل إلى مشاطرة الكاتب الكبير حسن نصر رأيه وسأظلّ في حيرة من أمري أمام هذا الكتاب الذي احتوى “الأقصوصة، والقصة الطويلة، والمسرحيّة، وما يشبه القصيدة الحديثة” وتجلّى ذلك في لوحة “الطائر الغريب” التي بدت مرصوفة على هيئة قصيدة كما أنّ بدايتها أعلنت عن نفس شعريّ:
“وانتظرناك مرّة أخرى،
هيّأنا أنفسنا إليك.
واستعددنا لاستقبالك
فتحنا غرفنا، وشرعنا النّوافذ”.
تميّزت اللّوحات القصيرة بقفلة طريفة، يكتنز فيها المؤلّف جوهر الموضوع. وهي طريقة عرفت لدى الأدباء الرّوس وخصوصاً تشيخوف. ما تميّز به حسن نصر فعلاً هو تحويله للأسطورة من مدارها العاديّ الحالم على واقع ملموس يتفجّر حياة وحيويّة. ونلاحظ أيضاً رغم تفكّك هذه اللّوحات اقترابها من بعضها البعض وتلاحمها حول موضوع واحد يستهدف الذات الإنسانية في صراعاتها المختلفة. نلاحظ أيضاً بأنّ المؤلّف بدأ بحكاية افتتح بها الفصل الأوّل والبطل “جوّال” وهو من سيحكي هذه الحكاية التي سيختمها في نهاية الفصل الثّالث بقوله: “هذه هي الحكاية أو الرواية من ألفها إلى يائها كما رواها السيّد جوّال. ربّما تكون طريقته الخاصّة في التعبير عن الفرح أو في تسكين بعض الألم، وربّما يكون استمدّها من حياة النّاس أو من تلك الحياة الأخرى التي تشظّت وتفرقت بددا. فكانت هذه الرواية المركّبة”.
إذا كان ما يعنيه مؤلّفنا هو الثّورة على العاديّ والخروج إلى هذا العالم اللامعقول عن طريق كتابة متداخلة الأجناس فهو قد أصاب الهدف وتمكّن من التّعبير عن مقصوده. فهذه العوالم التي دخلها وأدخلنا إلى ضجيجها وسكونها لم تكن عاديّة ولا مألوفة حتّى تعامل داخل مقاييس الممكن والمتداول. كما أنّ حسن نصر استطاع أن يشدّنا كعادته إلى نصوصه بما يتوفّر فيها من تقنيات عالية وتضمين وطرافة، جاعلاً الحياة تخطو حذو الإبداع وتتقلّد جماليته وروعة تعبيره وإشراقة صوره. ومهما يكن من أمر هذا الكتاب فهو قد جمع بين السّرد الرّائع والحوار المقنع الملائم لكلّ الشّخصيّات والصورة المعبّرة، المتدفّقة التي تفيض سحراً وشعرية. فليكن رواية أو أيّ شيء آخر. فهو تجربة جديدة من أديب كبير نفتخر به ونعتزّ بتجاربه و إبداعاته.

اقرأ أيضا