الاتحاد

الملحق الثقافي

تدفّقات.. نورانيّة

«نور على نور» للفنانة رشا قاسم

«نور على نور» للفنانة رشا قاسم

عصام أبو القاسم

كل دورة جديدة من مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية هي مناسبة لاستعراض واختبار المزيد من الحدود والرؤى والأفكار التي أمكن للفنانين المنخرطين في هذه الهوية الفنية أن يصلوا إليها، رؤية وتقنية، وكل دورة هي أيضا مناسبة لفاصل طويل من الأخذ والرد في الكلام حول أشكال التقاطع والتداخل بين ما يُنتج هنا، أي في الشرق، من أشكال وأساليب فنية، وما ينتج في الغرب، وحول كفاية المصطلح «الفنون الإسلامية» في حد ذاته، كإطار أو توصيف فني لهذه النوعية من العروض القادمة من بلدان متوزعة على أركان الدنيا الأربعة.

لم تغب مثل هذه الشواغل والأسئلة عن أذهان كثير من زوار متحف الشارقة أو سواه من المواقع التي اختارها المهرجان في مدن الإمارة لعرض أنشطته، وخصوصاً عند معاينة الأعمال المعروضة في إطار الدورة 18 التي اختتمت فعالياتها أخيراً، بعد مرور شهر على انطلاقتها تحت شعار «النور»، فلقد بدا على مدى الوقت، وكأن حضور الفنون الإسلامية في المشهد الثقافي العام، العربي أو الغربي، لا يتعين إلا بصفته مناسبة لطرح تلك الأسئلة الآنفة الذكر، وخصوصاً في وقتنا الراهن الذي يتميز بحالة من الانفتاح والتواصل بين الشعوب والثقافات في مختلف البلدان.
إن تجربة مشاهدة الأعمال، التي أنجزت مستلهمة لثيمة النور، لا تمكن الرائي من فرز خصائص أو سمات هويّاتية محددة، ولكنها تبدو ملفتة بأحوالها الفنية المتنوعة، وخصوصاً في مقاربة أو محاورة عنصري الضوء والظل، سواء كانت هذه الأعمال مجسمات أو لوحات حروفية أو أعمالاً خزفية وتصويرية، في معظمها تقاسمت لعبة العتمة والنور.

توهجات النور الداخلي
في الديباجة الشارحة لثيمة المهرجان، يرد: «في طيات هذا المفهوم «النور» يتداعى لنا منسوبان أساسيان بين الشكل والمضمون، فالنور بمعناه العميق أبعد مما نتخيل، نشعر به رضا ذاتيا، ومصدر إبداع وإلهام وفكر، وبارقة أمل، ينبع من الداخل ليرتقي بالواقع المحسوس، ويرفع من شأن الإنسان، ومن خلال الثيمة تتجسد الرؤية الفنية لهذا المفهوم «النور» بعين الفنان الرهيف، الذي يختبر بشكل متواصل عوالم الضوء المادية، هذا الضوء الذي يختزل كل الألوان المرئية».
ولو أمكن القول إن مفهوم المهرجان للنور يتضمن بعده الروحي أو دلالته الدينية، وبخاصة في الثقافة الإسلامية، فإن الأعمال المقدمة توجهت في غالبها إلى استلهام المفهوم على نحو تقني أو جمالي، عدا بعض الأعمال القليلة التي وجدت في السجاد وعمارة المساجد والمحراب ما يلخص معانيها ويضفي عليها مسحة روحانية.
فلقد بدت معظم الأعمال المعروضة شبيهة بمشاريع تجريبية للتعاطي مع مواد وحلول تقنية جديدة ومختلفة، استناداً إلى ثيمة النور، أكثر من أي شيء آخر.
لعل أوضح مثال على ذلك، العمل الموسوم بـ «النور» لزامير سليمانوف وآيدان ميرزافيفا من اذربيجان، والعمل الذي أنجز بالتشارك بين الفنان والفنانة يتكون من لافتة كهربائية مضاءة، تضم الرقم 24 محاطاً بمستطيل أحمر يظهر الضوء، ويرد في النص التعريفي أن فكرة العمل مصدرها الآية 35 من سورة النور، حيث تنص الآية على أن النور هو مكان التقاطع بين الشرق والغرب، وتشير اللافتة الكهربائية إلى دقة الغرب العالية ويشير العدد 24 إلى الآية رقم 24 من سورة النور أيضاً، في حين تشير المصابيح الـ 24 إلى حساسية الشرق وبعده البصري العميق، على ذلك يمكن القياس.

نجوم أرضيّة
في معرض «وهكذا تصعد إلى النجوم» للفنان الأميركي إريك ستاندلي الذي شكّل أعماله من تراكيب ورقية صممت في أشكال دائرية، تتوسطها خطوط ومنحنيات وألوان متوازية ومتقاطعة، وقد وضعت بحيث يراها المشاهد في صالة منخفضة الإضاءة، ففي العتمة الخفيفة وما بين خيوط الضوء الهاربة يمكن للرائي أن ينتبه لإيحاءاتها اللونية والشكلية الدقيقة والبديعة كما يمكنه أن يراها في هيئة نجوم السماء.
يتوضح الأمر أكثر في معرض الأميركية ايلانا هرزوج، الموسوم بـ «تحولات المعيار، تعديلات الرؤية»، فلقد جمعت هرزوج مواد من مدينتي نيويورك والشارقة، هي عبارة عن سجاد ومواد أرضيات، متعددة في أحجامها وألوانها، ومقطعة ومرصوفة في تدرج متفاوت بين الانخفاض والعلو، لتكوّن بذلك أرضية غير منتظمة، يتساقط عليها النور من مداخل جانبية، ليبرز أكثر تباين وحداتها المتوزعة في مستطيلات تفصل بينها بعض الفراغات، ليبدو شكلها العام متداخلاً ومتنوعاً في عناصره البنائية ودرجاته اللونية ودلالاته، بين الألفة والغرابة.
ومن التجارب الملفتة في هذا السياق أيضا، ثمة العمل التركيبي «باب إلى الجنة» للفنان المصري سامح الطويل الذي صمم فضاء عرضه بحيث يربط بين صورة الباب الواقعية وتلك المتخيلة المتعلقة بأبواب الجنة، ونشاهد في العمل، المصحوب بمؤثرات صوتية، العديد من المداخل الخشبية المفتوحة أما على سلالم أو على مداخل أخرى تشبهها وقد تميزت بسطوع الضوء على تفاصيلها الشكلية، زجاجها وهامتها ومقابضها.من جانبها، قدمت الإماراتية شما سالم بن سيف عملاً تركيبياً زاوج بين الظل والضوء في سطحه الذي تقاطعت فوقه الأنماط المعمارية الشرقية والغربية، وقد اعتمدت بن سيف على الخشب والحديد في تركيب أعمالها، ما أكسب حلولها ظهوراً أكثر.
وفي «تسليط الضوء» للإيطالي فابريزيو كورنيلي، تتعقد طريقة الاشتغال الفني على ثيمة المهرجان أكثر، إذ إن كورنيلي عمد إلى استخدام الأشكال المعدنية ثلاثية الأبعاد لتخليق أخيلة وصور على الجدران، مستخدماً الأشعة الضوئية الصناعية التي يستظهر عبرها جماليات المواقع والأشكال، بخاصة تلك التي تتكون من مواد مشكلة من الألومنيوم والنحاس والزجاج والمرايا، وقد ضم معرضه لوحات لمواقع، مثل «ساحة المعجزات» و«نافذة مسجد كيغون».

حروفيات
في جانب الاشتغال الحروفي، ثمة أعمال الفنانة السعودية لولوة الحمود التي قدمت مقترحاً بصرياً آلياً استناداً إلى الحرف العربي. تعمد الحمود إلى تفكيك الحروف العربية باستخدام مربع رياضي يستولد العديد من الأشكال الرمزية للحرف، راسماً خطاطة هندسية ملفتة للنظر بأبعادها المتعددة وتدرجاتها على الحلقة الدائرية بين المركز والهامش.
وفي «تدفق الضوء» للإيراني وحيد عزت، نطالع طريقة مختلفة في معالجة الحرف عبر وسائط متعددة. «إكسو خط» هو توصيف هذا الأسلوب الذي يستخدمه الفنان الإيراني، ونرى في أعماله الحروف وقد صممت هندسياً بحيث تتدفق خطوطها على نحو رأسي أو افقي في هيئات دائرية، مشكلة تكويناً حلقياً مفعماً بالألوان النابضة.
إذن، يمكن القول إن أعمال المهرجان هذه السنة جاءت متنوعة ومنفتحة في أغلبها ولم تقتصر على تلك الأعمال التي ينظر إليها عادة بوصفها تمثل الفنون الإسلامية، مثل الخط والزخرفة والمنمنمات وسواها، لعل رهان المهرجان تمحور على مضامين الأعمال ومعانيها وليس أساليبها أو أشكالها، فلقد ضمت الأعمال المعروضة العديد من الأشغال التركيبية والتجهيزية والوسائطية وعروض الفيديو والصور، ولعل مما ينسجم مع هذا التوجه للمهرجان حضور هذا العدد العديد من الأسماء الفنية الأميركية والأوروبية في معارضه.

أرقام
استضافت الدورة الثامنة عشرة من مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية 48 معرضاً فنياً، في مقدمتها المعارض الرئيسية في متحف الشارقة للفنون، والتي بلغت 33 معرضاً دولياً، بمشاركة 17 دولة، ووصل عدد الورش الفنية التي نظمت 98 ورشة فنية تفاعلية، كما استضاف المهرجان 25 محاضرة وندوة، وعرض 23 فيلماً وثائقياً، إضافة إلى الأنشطة الفنية الأخرى. كما استقبل المهرجان 40 فناناً في الفعاليات المختلفة، التي وصل عددها الإجمالي إلى 223 فعالية.

اقرأ أيضا