منذ “عباءة الموسلين” ومروراً بـ “سنابل النيل” و “إلا حبيبي” و”من ناره” وغيرها أخذت الشاعرة اللبنانية هدى ميقاتي على عاتقها مهمة الدفاع عن الشعر، والحفاظ عليه والارتقاء به من مصائد المتآمرين عليه. كما كرست حضورها الشعري كشاعرة تتميز بالحس المرهف القادر برهافته العميقة على أن يترجم الواقع وما فيه وما حوله في القصيدة، بوصفها مساحة الكلمات المتفاعلة بصورها وبلاغتها ومقامها مع الآخرين. الشعر في حياة هدى ميقاتي مساحة جمالية لا يمكن لأحد أن يدخلها رغم كثرة المتطفلين، أما هي فقد سعت إلى دور نهضوي متمسك بالأصول الحضارية العربية ومعانيها سلاحاً في طريق الانفتاح. هنا حوار حول تجربتها وآرائها: ? أمام المتغيرات الحاصلة في العالم، هل تغير الشعر أيضاً؟ ? لا شك أن الشعر اليوم في أزمة البحث عن دوره، ويعيش حالة من التشرذم والضياع يصعب معها الإمساك به، ويصعب معها إيجاد تعريف له متفق عليه بين الشعراء والأدباء والمثقفين. فبعضهم يرى أنه مضمون لا يتأطر في شكل بعينه، والبعض الآخر يتمسك بالشعر وزناً وقافية، وهناك من يرى فيه مجرد جمل وخواطر مفككة تشبه الهلوسات، ويسمح للشاعر باسم الحداثة أن يدلي بها دون قيد، وهذه الفئة الأخيرة ساهمت في ابتعاد الناس عن الشعر. الشعر ونقيضه ? أين مكانة الشعر اليوم في زمن العولمة؟ ? هو رأس الفنون فعلياً ولكنه اليوم آخر الفنون واقعياً. فقد أصبح الشعر مقتصراً على نوادٍ للشعراء والرواد اللغويين بعد أن كان يقود الحركة الثقافية والاجتماعية والسياسية ويحرك الجماهير، ويفرض سلطانه على كل النفوس التي تنبض بحب الجمال والكلام الجميل. ? هل دخلت قصائدك التيار الجديد أم هي في الخط المناقض له؟ ? قصائدي هي الشعر بعينه، فإن كان هناك تيار مناقض له فهو اللاشعر. هناك نصوص نثرية تحمل في طياتها نفساً شعرياً، وبعض الومضات الشعرية، أتذوقها واستمتع بقراءتها، لكنني لا أدرجها في خانة الشعر لكوني اكتب النثر وأكتب الشعر، وأعرف الفرق تماماً بين الحالتين. القصيدة تتركب من عناصر ثلاثة معنى ووزن وقافية تماماً كالماء إذا فقد أحد عناصره يخرج من حالة الماء إلى حالة مفككة. ? ما هي أولى اهتمامات الشاعر؟ وأين بات الصفاء في زمن الصخب؟ ? أولى اهتمامات الشاعر الجمال، وكم هو صعب أن يبدعه في هذا الزمن الجريح القبيح الذي يعيشه عالمنا العربي، والعالم بأسره ربما، ولكن هذا قدرنا أن نبحث عنه حتى في مستوعبات القمامة وفي أهوال المجازر وتحت وقع أصوات الانفجارات. نعم لقد افتقد الشعر الصفاء والأمان وافتقد السكون والحلم الجميل، ولكنه لم يفتقد الأمل والحب والقدرة على ابتداع الجمال. من هنا فإنه قادر رغم كل المعوقات على استرجاع دوره. ? ما رأيك في البرامج التي تهتم بالشعر والشعراء؟ ? جيدة... وليت جميع الفضائيات تحذو حذوها وتعنى بالشعر كمادة تثقيفية وحضارية، وترفع من سوية برامجها بدلاً من البرامج التجارية المستوردة والمنسوخة عن البرامج الأميركية والأوروبية، التي تساهم في قتل روح الإبداع عند أبنائنا، وتغريبهم، وخلق جيل تائه لا يمت بشخصيته أو بلسانه إلى العروبة بصلة. وهنا أحيي تلفزيون أبوظبي على البرنامج الشعري الراقي “أمير الشعراء” الذي أعادنا إلى جذورنا وإلى هويتنا الصحيحة، وأمتعنا بما نشاهده من إبداعات شعرية وتعليقات نقدية هامة، وأتحفنا بشعراء موهوبين أخرجهم من دائرة الظلمة إلى دائرة النور. الشعر والقدس ? القدس المحتلة عاصمة للثقافة العربية، فكيف سيخدم الشعر ثقافتها؟ ? لن يموت شعب ما لم تمت ثقافته. وأظن أن “القدس عاصمة للثقافة العربية” ليس شعاراً مطروحاً للمؤاساة، بل هو في عمق الروح التي يعيشها الشعب الفلسطيني وأبناء القدس الذين لم يتخلوّا أبداً عن الإيمان بلغتهم وأرضهم وتاريخهم رغم كل الضغوطات النفسية والجسدية ورغم التضييق والقمع والإرهاب الممارس عليهم من السلطات الإسرائيلية. من هنا أرى أن الشعر لا يخدم ثقافة القدس لأن كل ما تفجر في شعرنا العربي هو من وحي بطولات أبنائها، فالقدس ملحمة عربية يتصارع فيها الصبر مع العدوان، ونحن مدينون لهذه المدينة بكل جراحها التي تزهر فينا شعراً وكل آلامها التي تزيدنا بها حباً. ? إن كانت بيروت عاصمة عالمية للكتاب، فماذا عن دواوين الشعر في عالميتها؟ ? الدواوين كثيرة لكن العبرة بالقيمة لا بالكثرة. لطالما عرفت بيروت بأنها عاصمة للشعر العربي، فلا عجب إن كان للشعر فيها رفوف وصفوف ولكن أين القرّاء؟! أظن أن الكتب السياسية والدينية والروايات وكتب الطبخ تلاقي رواجاً أكبر من كتب الشعر. ? ما جديدك في مسيرة القوافي؟ ? مجموعة قصائد للأطفال باللغة الفصحى، فأطفالنا بحاجة إلى ثقافة من صميم لغتهم لا إلى ترجمات عن قصص وأشعار أجنبية كما هو الحاصل في الواقع، كما أعد مسرحيات لهم تتخللها بعض الأشعار، هذا إلى جانب مجموعة نثرية وجدانية جاهزة لم أقرر بعد عنواناً لها. وهي تأملات روحية في الحياة والوجود.