الاتحاد

الملحق الثقافي

سناء الشعلان: التجريب ترنيمتي وتميمتي

يلقبونها بصائدة الجوائز أو على الأصح بحاصدتها فقد حازت خلال مشوارها الأدبي ستا وثلاثين جائزة وطنية وعربية ودولية في حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال، وهذا رقم قياسي بالنسبة لأديب أردني، ولها 24 مؤلفا منشورا بين كتاب نقدي ومتخصص ورواية ومجموعة قصصية.

هذه باختصار الدكتورة سناء الشعلان الأديبة والناقدة الأردنية التي ظفرت بدرع الأستاذ الجامعي المتميز لعامي 2007 و2008. تصف نفسها بأنها إنسانة معجونة من اللعنة والبرية والأمنيات والجموح.. منذورة لحب الناس.. قادرة على المقامرة بحياتها مقابل حلم طفل. هنا قراءة بلسانها في تجربتها الإبداعية بمحطاتها:

? كيف ترين المشهد الثقافي في الأردن وما هو تقييمك لبعض الإصدارات الممولة التي يرى البعض أنها لاتستحق طباعتها؟
? أراه مشهداً غنياً من ناحية، وفيه الكثير من الأقلام العملاقة والتجارب الريادية من جهة ثانية، وشبيهاً بأيّ مشهد ثقافي وإبداعي في هذا العالم، بمعنى أنّه خليط من المبدعين والمجربين والمتطفلين والمرضى الذين يريدون أن يقنعوا أنفسهم بمواهبهم المزعومة، وفي النّهاية يزول الجميع وينسون، ويبقى الإبداع خالد، والمبدع وحده هو من يحالفه الخلود، ويخلص له، ولذلك نستطيع أن نطمئن إلى أنّ أيّ عمل غثّ حتى ولو تسلّق على غير سلم الإبداع، ونال فرصته بالنشر بطريقة أو بأخرى، فإنّه في النهاية سيسقط في الظلّ، ويلاقي مصيره الطبيعي، وهو الانقراض.

ضد التصنيف
? يقال إن الأدب النسوي بحاجة لإعادة اكتشاف فماذا ترين؟
? أعتقد أنّ الإبداع الذي تكتبه المرأة، ولا أقول الإبداع النسوي، فأنا أتحفّظ على هذا المصطلح الاستلابي والاستعلائي يحتاج إلى المزيد من الحضانة لينضج كما يجب في كثير من الحالات، ولكن هذا لا ينفي وجود أقلام نسائية استطاعت أن تلد نفسها بنفسها، وأن تخلق لها البعث الجديد، وتكفل لها الخلود والبقاء.
? هل أنت متحررة من نون النسوة؟
? أنا متحرّرة من أيّ تصنيف “جندري” قد يحرمني من أصالتي الإنسانية ومنحازة بحق إلى كلّ موقف إنساني وحاجة بشرية، ولذلك أنا امرأة بامتياز وفي الوقت نفسه رجل بامتياز مادام هذا الانحياز يحقق في لحظته المعيشة أو الآنية إنسانيتي ووجودي ويتماشى مع قيمي وآرائي ومنظومتي الفكرية والأخلاقية والإنسانية.
? وأين موقع الرجل في قصصك؟
? الإنسان هو قضيتي ومشكلتي وحالتي وحقيقتي، ولذلك أنا مخلصة له وبه وفيه أكان رجلاً أم امرأة، ومادمت أنبض بشعلة الحياة فأنا مخلصة لكلّ رجال الدنيا ونسائها؛ لأنّ ذلك هو باختصار إخلاص لوجودي وذاتي ومعنى كينونتي بل وغاية خلقي قي هذا العالم، رسالتي باختصار هي الإنسان.
? بعض الأدباء صنعتهم الأحزاب أو موقف ما أنت بالذات من صنعك بالتحديد؟
? أنا صنعني توفيق الله وإيماني بنفسي وعملي الدؤوب وقيمي الثابتة وموهبتي التي أعمل عليها بلا توقف وحبّ أسرتي ودعمها ودعاء والديّ لي.
? هل أنت في مصالحة أم مواجهة من النقاد وهل لك رأي محدد في الحركة النقدية؟
? أنا آخر من يفكّر في المصالحات مع أيّ قوى وسلطات خلا قيمي ومحدداتي، ولذلك أنا لست أسيرة أيّ قلم ناقد، ولكن لحسن الحظ حتى الآن أدبي يُقابل بتصفيق النقاد وإشادتهم وإعجابهم، وهذا أمر أقدره لهم، وأقدر اشتغالهم على أدبي ولكنّني في النّهاية أكتب لنفسي وللمجتمع لا للنقاد وقضية المصالحة أو الكتابة في ظلّ رضا النقاد لا تعنيني أبداً ولا أسعى لها بأيّ شكل من الأشكال، فأنا بطبعي كائن بري غير قابل للتدجين أو الاستلاب.
? هل تأثرت بالعولمة التي يرى البعض أنها تلغي الثقافة الوطنية؟
? من الصّعب استلابي وأنا كما ذكرت آنفاً ضدّ التدجين والاستهلاك ولكنّني استثمرت بعض إيجابيات العولمة وجعلتها نافذتي العريضة على البشرية جمعاء وخلقت من الحداثة والتجريب لعبتي الجميلة والسّحرية وترنيمتي وتميمتي في فكّ طلاسم البشرية وإطلاق كوامنها الخالدة.

وظيفة المثقف
? ماذا يريد المثقف من السلطة؟
? المثقف الحق الذي لم تعبث به الوصوليّة والمصلحة، وبقي نظيفاً بعيداً عن الانحياز والبيع والشّراء والاستجداء والتكسّب على حساب المصالح الوطنية والاعتبارات الإنسانية هو باختصار أنموذج الإنسان التقدمي الطليعي الحالم بغد أفضل للجميع، وهو بذلك يطالب السّلطة بما تملك من قيمة اعتبارية وأدوات إدارة وسلطة وتحكّم أن تقوم بدورها الطبيعي في إحقاق الحق، وإدارة مقدّرات الوطن عبر حمايتها واستثمارها وتنميتها ليعمّ خيرها على أكبر عدد من أبناء الوطن عبر منظومة عملية عادلة تحقق العدل والإخاء والاحترام لإنسانية كلّ فرد من أفراد منظومتها الوطنيّة عامة، إلى جانب رسم خطط تنموية وسياسية تحدّد ملامح العلاقة مع الذات والوطن والآخر بما يصون كرامة الوطن أولاً، ويحترم إنسانيّة الإنسان في كلّ مكان ثانياً، فالوظيفة الأولى للسّلطة يجب أن تكون وظيفة حيوية إحيائية تبغي البناء والإصلاح والتنمية والحماية، والمثقّف عليه أن يكون الرّقيب الذي لا يغفل ولا ينام ولا يساوم على هذا الحق، ويكون الضمير الضّابط للسّلطة لتضطلع كما يجب بهذا الدّور الخطير والأساسي.
? ما الذي يجعل الجماعة تفقد ثقتها في المبدع؟
? الجماعة فقدت ثقتها بالمبدع الوصولي الزائف المتسلّق الذي يتاجر بالمواقف والأفكار والمثل وصولاً إلى فائدته، لذلك سهل على الجماعة أن تكتشفه وتحتقره وتكفر به، وتحفظ تماماً نموذجه الكاذب، وهي في الوقت نفسه قد انحازت إلى المبدع الثابت على مبادئه المخلص لقيمه، الذي يطوّع موهبته ووعيه من أجل مصلحة الجماعة ومن أجل إيمانه بإنسانيته وبإنسانية الآخرين، وهذه الأرضية الأخلاقية الإنسانية القائمة على أرض الوعي والإبداع هي من تجعل الجماعة ترفض المبدع الوصولي،شأنها شأن المبدع الحق، وتقبل على المبدع الملتزم القوي ضد المغريات.
? هل المشكلة في المبدع أم في المحيط أم في السلطة؟
? المشكلة في المشهد كاملاً فالسّلطة في كلّ مكان تزداد تورّطاً في الفساد والانتهازية والعبثية والسّقوط وهي بذلك قد باتت مفضوحة لا تجد في نفسها غضاضة في أن تتحالف مع المبدع الفاسد الوصولي ولا تتوانى عن تجنيد كلّ قوتها وبطشها وسطوتها في سبيل محاربة المبدع الرافض للظلم في وسط مشهد جماهيري يمتاز بالسلبية والانحناء والجبن والسقوط في الصمت والخوف. لذا بات المشهد كلّه مداناً بشكل ما.
? ما الإجراءات السوسيو ـ ثقافية التي يجب أن يقوم بها المبدع ذاته لاستعادة ثقة الجماعة (القبيلة)؟
? على المبدع ابتداءً أن يقيّم ذاته، ويرصد مزالقه وعيوبه ومثالبه، وذلك كلّه في ضوء مقدار الخدمة والإصلاح التي يقدمها لمجتمعه، ووفق ذلك، عليه أن يبدأ أولاً في تربية نفسه، وفي تقويم المعوجّ منها، ويمكنه أن يستعين بالنماذج الإبداعية الإيجابية الحاضرة والموروثة في سبيل ذلك، فإن استطاع أن يحقّق المطلوب فسيكون جاهزاً لاستعادة احترامه لنفسه فضلاً عن ثقة الجماعة.

الصورة والنص
? هل سرق (نص الصّورة) الأضواء من النّص الثقافي المكتوب؟
? ليست القضية قضية تراجع قيمة إيصالية للنّص في إزاء الصّورة، أو تعاظم دور الصّورة في مشهد تواصلي يؤمن بالأداءات المتنوعة والسّرعة والاختزال، ولكن القضية باتت دون شكّ قضية ثقافة جمهور وعولمة ذوق عام، يكاد يصنعه الأقل ثقافة والباحثون عن الرّبح والترويج والتّحرر المزعوم الذي يتوارى خلفه الجهل والتعهير واضمحلال الأخلاق والكسب السّريع والتأثير المصنوع على الرأي العام. وهذا الجمهور المتواضع الثقافة والمصنوع والموجّه الذّوق رجّح كفّة الصّورة ضمن حسبة إحصائية، ولكن ذوق الصّفوة بقي منحازاً إلى الكلمة التي تحمل إرثاً عملاقاً من الفكر، ولها جذور تاريخية وثقافيّة ضاربة في جذور الفكر الإنساني والمنجز الإنسانيّ.
? ماهو تابو المرحلة رغم الانفتاح إن كان هناك انفتاح حقا من وجهة نظرك؟
? العولمة هي الدّين الإجباري الرّاهن لكلّ العالم إبّان هذا القرن الموبوء المأزوم، والخروج عن ركب العولمة هو تابو هذا العصر الذي يستدعي ـ للأسف ـ الفتك دون رحمة بالنّاس والبلاد والحضارات تحت مظلة الادعاءات الأميركية المصنوعة المزعومة مثل محاربة الإرهاب، انتهاك حقوق الإنسان، وغيرها من الحجج الكاذبة المصنوعة والمفروضة على العالم شاء أم أبى.
وتابو العولمة ليس محدّداً معرفيّاً وثقافيّاً يريد أن يقدّم الحضارة والرّقي لكلّ البشريّة كما تزعم أميركا، بل هو نموذج أميركي بالدّرجة الأولى يريد أن يفرض نمطاً فكريّاً وسياسياً واقتصادياً على كلّ العالم بما يخدم مصالح أميركا بالدّرجة الأولى والأخيرة، وهو يستدعي بالضرورة إرهاب العالم، وقمع الحريات، وسحق الشّعوب، ودفن القوميات والأديان والموروثات الثقافية والحضاريّة.
وكلّ من يحاول أن يهدّد مصالح هذه العولمة، أيّ مصالح أمريكا، يكون قد تجاوز تابو خطير، وعليه أن يتوقّع حرباً شعواء عليه،حتى وإن كان حكومة أو دولة فضلاً عن أنّه شخص فرد أمام سلطة عملاقة قاسية.

النص والفخ
? يلجأ المبدع بصفة عامة للكتابة عن إبداع الآخرين هل لسد الثغرة التي يتركها غياب النّقد أم هي غواية النصوص؟
? النّقد البعيد عن الاعتباط والاعتساف والسّقوط الاختياري الإرادي دون امتلاك أدوات النّقد النّاضج البناء، هو مستوى من مستويات الإبداع، فكما أنّ إنتاج النّص الإبداعي هو منزلة عليا من الإبداع، فأنّ النّقد هو مستوى آخر ورفيع من الإبداع الذي يمثّل مستوى من مستويات التلقّي، وكثيراً ما نعجب عندما نجد النّقد حالة إبداعية وإدراكية وفكرية أرقى وأجمل وانضج وأوسع رؤية من النّص الإبداعي نفسه، وهذا يؤكّد على أنّ النّقد هو حالة موازية للإبداع، وقادرة على تجاوزه أحياناً، وليس حالة هامشيّة وأقل تأثيراً وقيمة إلاّ عندما يكون النّقد تعبيراً عن رؤية عاجزة، وأدوات خاملة، وموهبة ضئيلة أو عاجزة أو مزعومة لا غير وإن دخل المبدع في دائرة النّقد، فهو بشكل أو بآخر يؤدي دوراً راقياً ومتفاعلاً ومسؤولاً في التلقّي المبدع الذي يتجاوز التلقّي السلبي أو الساكن، لاسيما أنّ المبدع الناقد أو الناقد المبدع هو أقرب النّاس المتلقيين إلى فهم النّص، وفك شيفرات إبداعه؛ لأنّه يملك بحكم الموهبة الفطرية التي تكون معّززة في كثير من الأحيان بالدّراسة والخبرة والتخصّص، أدوات الإنتاج والتحليل والتركيب والأنساق والأسلوبيات للمنجز الإبداعي، ولذلك فهو الأقرب إليه، والملامس لجوانياته، والقادر عن نقله من حقيقية لغوية نصّية مغلقة على شكل نصّ منجز إلى حقيقة لغوية مفتوحة على الدّراسة والتأويل والإحالات والتحليل بعد التّركيب، دون الإحالة إلى المبدع أو الاستعانة بأدواته، بل عبر الاستعانة بأدوات المبدع النّاقد.
? متى يصبح النّص فخاً لمبدعه؟
? النّص الإبداعي يملك في الغالب كيمياء الإفصاح والإحالات الصّادقة نحو جوانيات منتجه، ولذلك فهو في الغالب يفصح عن حقيقة منتجه، ويخفق في أن يتواطأ معه على الادّعاء أو الكذب أو التلفيق، ليس لأنّ منتجه غبي، وليس لأنّه صادق، وليس لأنّ الإفصاح قصدي في النّص، بل على العكس أحياناً، فقد يكون التستّر والإخفاء والكذب والادعاء هم غايات النّص الأساسية، ولكنّ النّص يعجز في الغالب عن أن يقوم بغايته، لأنّ من الخصائص العجيبة القهرية والملازمة للنّص أنّه يقول حقيقة منتجه مهما بالغ في التخفّي خلف مهارته اللغوية، وأعتقد أنّه قادر على تجاوز نفسه عبر حقيقته اللغوية المصنوعة في منجز نصّي طليعي وتكون المفارقة الفاضحة عندئذ في أنّ النّص يغدو الفاضح الحقيقي لصاحبه، وفخه غير المتوقع، ووثيقة إدانته واتهامه. وعلى ذلك يمكن أن يتوارى المرء خلف أيّ شيء من الأقوال الكاذبة أو الأفعال الملفّقة، أمّا النّص، فهو فخ فاضح، لا يمكن تجاوزه مهما بلغ المبدع من نضوج وموهبة، ومهما امتلك من ملكات وأدوات.
? كيف نرسم طريقاً إلى سماء لم يرها نجم؟
? لا نحتاج إلى سماوات لم يرها نجم، فقد تكون تلك أحلاماً وأوهام يريد الآخر أن يبيعها لنا، أو نريدها أن تكون بديلاً عن واقع خاذل مهزوم، من يحتاج إلى سماء وهو لا يملك أرضاً ليقف عليها أو أجنحة ليطير بها إلى سماواته البعيدة؟! أعتقد أنّ علينا أن نبحث عن أرضٍ يعرف سكانها معنى الحبّ والإخاء والسّعادة والعدالة، وهذه الأرض لا يمكن أن تكون في غامض الغيب أو غياهب المجهول، بل هي موجودة تحت أرجلنا، نعيش عليها، ونستطيع أن نجعلها جنتنا الأرضية بالعمل والإخلاص والتمّسك بحقنا بالحياة والكرامة والمساواة والسّعادة.

اقرأ أيضا