الاتحاد

الملحق الثقافي

ثقافة الجوائز وجوائز الثقافة

بعد هذه الدورات التي مرت على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، عرف الجمهور الأدبي والفني والتربوي والأكاديمي، أسماء الذين قدمتهم كفاءاتهم إلى الصفوف الأمامية، وليس الحظ أبدا، مثلما امتدت هذه الحالة إلى أوسع قطاع متعلم في مجتمعنا، ودار نقاش علني وخافت في العديد من المؤسسات والمجالس حول هذه الجوائز والفائزين بها. لكنه نقاش لم يرق إلى مستوى ثقافة الجوائز بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث إن قائمة الجوائز الرسمية والأهلية تطول، ولا يبدو أن هذه الجائزة التي تديرها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ـ وهي واحدة من عدة جوائز ـ ستكون الأخيرة. إ

ما يدعو أصحاب الشأن، أي قطاعات الآداب والفنون والعلوم والتربية والرياضة، إلى أن يتنادوا لبناء مستلزمات عملية ثقافية تكون الجوائز التي يستحقها أصحابها، من بين أحد عناصر “ثقافة الجوائز” الغائبة عن تلك المستويات.

الثواب والمثاب
ما أتناوله اليوم في هذا المقال، أرى أنه يأتي في سياق ثقافة الجوائز في تاريخنا البعيد والحديث. ففي القديم من أيامنا كانت الجوائز تعبيرا عن الثواب، وتقديرا للمثاب. وكانت الجائزة مالا نقديا، أو مطية، أو عقارا. وفي الغالب كان ولي الأمر هو المانح، بينما دخل إلى هذه الحلبة كبار الوزراء والوجهاء مثل الفتح بن خاقان وغيره. (واتخذت الجائزة في مجتمعنا المحلي أحيانا، اسم “الوزارة”).
ولكل مقام مقال.

والمقال اليوم أن تتصدى وزارة لهذه المسؤولية أو تخططها مؤسسة أهلية. أو أن ترتبط باسم شخص بعينه في أحد مجالات العمل الثقافي والاقتصادي والعلمي والرياضي والأكاديمي.
ذكرت قبل قليل أن قائمة الجوائز في مجتمعنا بتزايد مستمر. ويبدو أن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، قد دخلت إلى هذه القائمة بمبادراتها الخاصة المرصودة منها، أو تلك التي في طريقها إلى الإعلان. وهو ما يدعونا إلى مباركة هذا الجهد الطيب. وفي الآن ذاته يفرض الواجب الوطني على المتابع الحريص أن يشير إلى المناطق المعتمة التي دخلت إليها الجوائز الثقافية والفنية والعلمية والأكاديمية في البلدان العربية، حيث هناك عزوف عن تسلم بعضها، وحديث عن فساد في اختيار الذين منحت لهم، كما أن قطاعات واسعة من المجتمع الثقافي والأكاديمي والعلمي والعربي، لا تبدو معنية أبدا بتلك الجوائز.
نحن نسير قدما في ثقافة الجوائز، وسط هذا المستوى العربي الناقم والناقد والشامت والخارج والمتبرئ وغير المكترث، ما يدعونا إلى إيجاد منطقتنا الخاصة بنا، بحيث نباشر منظومة منح الجوائز الرسمية والأهلية، كما لو أنها إحدى مفردات العمل الوطني الإماراتي، وأن يقارب هذا الخيار السمعة الطيبة التي حصلت عليها بلادنا بالتجربة الاتحادية المباركة. وهذا يحصل من عاملين: منظومة إدارية وتنظيمية، وعلانية وشفافية غير محدودتين.

أما المنظومة الإدارية، فهي لجان التحكم.
والجائزة هي للجنة التحكم، وليس الفائز فقط.
ولنا في الدول التي سبقتنا إلى ذلك فائدة مشهودة.
أرشيف نوبل

منذ تأسيس جائزة نوبل سنة 1867، على يد ألفريد نوبل، تخضع استحقاقاتها في ميادين الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد والأدب والسلام إلى سرية تامة. ويكون الخريف عادة من كل سنة فصل حبس الأنفاس، وتسارع أبرز وأكبر دور النشر في نيويورك ولندن وباريس وبكين، لملاحقة أعمال الخمسة المرشحين المفترضين، فيما يكون قرار لجنة التحكيم المؤلفة من 14 عضوا يسير في اتجاه معاكس. إن يوم الخميس من شهر أكتوبر من كل عام هو يوم الحسم. ويوضح السكرتير العام للجنة نوبل هوراس انغدال، جوابا على سؤال كيفية التوصل إلى أن نكون مرشحين للجائزة، بقوله: “إن الشرط الأساسي لأن نكون مرشحين لجائزة نوبل، هو أن نختار من نريد من الكتاب والمؤلفين والأدباء الذين يرسلون لنا مؤلفاتهم، ونحن نقرر الأمر أخيرا”.
إن الأمر غاية في التعقيد. فنجيب محفوظ بقي على لائحة المرشحين لنيل جائزة الآداب منذ سنة 1985، كما أخبرني الصديق الأميركي البروفيسور روجر آلان أستاذ الأدب المقارن بجامعة بنسلفانيا الأميركية ومستشار الأكاديمية الملكية السويدية.
يقول انغدال بعدما تتم تصفية الأسماء ويبقى علينا اختيار اسم واحد، أختفي في مكتبي، ثم اتصل بالكاتب الذي وقع عليه اختيارنا، وهنا تكون المفاجأة.
وهي مفاجآت، وليست مفاجأة واحدة، فعلى صعيد الأدباء الفرنسيين المعروفين بشهرة عالمية، مثلا، تم اختيار غيرهم. فقد تم استبعاد الكاتب أميل زولا “لأنه يفتقد المنحى الروحي”. ومن أشهر كتاب روسيا تم استبعاد تولستوي “لأنه وصفه ذو طبيعة مرعبة”.
ويرينا أرشيف جائزة نوبل أن الكاتب الفرنسي الشهير أندريه مالرو تم ترشيحه لنيل جائزة الآداب ثلاث مرات، وكان عمره 46 عاما. ولهذا السبب حجبت الجائزة عنه. وثمة قائمة غير قصيرة ومشوقة، ولولا ضيق المساحة لأطلت في هذا الشأن.
أما شهر أبريل من كل عام في الولايات المتحدة، فإنه يشهد موسم واحدة من أعرق الجوائز الثقافية والعلمية، وأعني بها جائزة بوليتزر، التي تأسست سنة 1917، باسم الصحفي البارز جوزيف بوليتزر، المناضل من أجل الحقيقة، والداعي إلى تدريس الصحافة في المرحلة الجامعية.
إنها جائزة صحفية، حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” أكثر من مرة، انطلقت من صحيفة “نيويورك وورلد”، تشمل أيضا مجالات الخدمة العامة والآداب والفنون. وفي كل موسم يكون ثمة مفاجأة، إذ تتجه الجائزة نحو اسم لا يعرف حتى صاحبه أنه الفائز بأحد فروعها إلا قبل ساعات من إعلانها على الرأي العام، بعد عملية نخل من قبل لجان التحكم.

القول الفصل
قد يبدو هذا الاستطراد مثيرا لأكثر من سؤال، منها أن هذه “المعلومات الأرشيفية” موجودة في متناول أي باحث. لكن وجاهة إعادة بثها إلى قارئ متابع، وحتى إلى مواطن عادي غير معني بثقافة الجوائز، يرجع في تقديري الشخصي إلى أن شكوكا لدى غالبية كبيرة من الجسم الثقافي والعلمي والفني العربي، تحيط بجوائز الثقافة والعلوم والآداب، وأن هذه الشكوك في أحيان كثيرة صارت شأنا عاما، مع أن هناك اختيارات أمينة وسط هذه الحالة المعقدة، لا نريد لها أن تبقى أسيرة ذلك الإطار. ومن تلك الاختيارات الأمينة جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب، والجوائز التي تديرها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع حيث تعير القول الفصل للجان التحكم. ولا يعلو أي صوت على أصوات ذوي الاختصاص.
ومن باب الشهادة الأمينة، وإشاعة ثقافة الشفافية أقول وبحسب وضعيتي في عضوية اللجنة العليا لجائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب هذا العام، استمعت إلى مقالة لمعالي الوزير عبدالرحمن العويس، في شأن المعايير التي رست في إحدى جوائز الدولة التقديرية على أحد المرشحين، وهو أحد اثنين، يستحقانها. فقال معاليه إن المرشحين عرضا على لجنة تحكم مختصة وحيادية، وأن الفائز لم يفز إلا لأن المحكمين اختاروه هو لا غيره.
ولربما سيكون التوفيق إلى جانب صاحب الاسم الذي لم يرس عليه رأي المحكمين.
وهذا قول حق وعدل.
ولقد ذكرت قبل قليل أن جائزة نوبل في مجال الأدب، لم تذهب إلى الكاتب الفرنسي أندريه مالرو، رغم انه رشح لها ثلاث مرات.
وأريد العودة إلى “أرشيف نوبل” مرة أخرى لأذكر بعض الأسماء المشهورة جدا التي فاتها “قطار نوبل”. ومنها سيجمون فرويد في سنة 1936 بسبب “مخيلته المبتورة”، وأنه “أفسد جزءا كبيرا من الأدب العالمي” رغم أن الذي رشحه هو الأديب الفرنسي الشهير رومان رولان.
كما أن هذا القطار النوبلي جاوز الأديب الأشهر جورج دوهاميل سنة 1937 “لأن لغته الأدبية باتت متجاوزة”. والشيء بالشيء يذكر، تحدث إليّ كاتب صديق كان عضوا في “لجنة تحكيم” تتبع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إنه لم يعرف أنه عضو في “لجنة تحكيم” إلا بعد انتهاء التحكيم، فقد وصل إليه خطاب يطلب منه إعطاء رأيه في أحد الكتب على هيئة درجات. وظهر بعدئذ أن ثمة غيره مر عليه هذا الاختيار. ومن واقع تجربة ملموسة وميدانية استطيع القول إن منهج الوزارة في هذا الصدد صائب وموفق، وإن إشهاره في ميقاته المحدد يساهم في إشاعة مبدأ الشفافية في ثقافة الجوائز، ولجعلها جوائز ثقافية حقيقة أكثر صدقية.

حيثيات وتكريم
تعني جائزة الإمارات التقديرية للفنون والعلوم والآداب، اعترافا من قبل الدولة والمجتمع، بأهمية الدور الذي لعبه الفائزون بحقولها المعروفة، وجدارتهم في أن يكونوا أمثلة للأجيال الآتية، مثلما هم خير سفراء لبلادهم في المحافل العربية والدولية النظيرة.
ومن الأصوب أن تقوم الجهة المنظمة والمانحة، بمباشرة مهمة رديفة تتعلق بتأكيد زيادة احترامها ورعايتها لهؤلاء المبدعين. وأقصد بذلك زيادة المبلغ المخصص لكل حقل من حقولها، كأن يكون مستقطعا من رصيد “الحملة الإعلانية” المرافقة للجائزة، وأن تقوم وسائل الإعلام الوطنية المكتوبة والمسموعة والمرئية، ببعض شعورها بالواجب تجاه هؤلاء المبدعين، فتكرمهم بأخذ أجور رمزية من الوزارة عن تلك “الحملة الإعلامية”، أو باعتبار رصيد تلك الحملة تبرعا من هذه الوسائل لزيادة الاستحقاق المالي الذي أناشد الجميع الانتباه إليه.
ولا شك في أن تأثير هذه العملية الثنائية، أي من قبل الوزارة ووسائل الإعلام المتعددة الاختصاصات، وسوف يكون له وقع كبير على المشهد الثقافي والعلمي والأدبي والفني والأكاديمي الرياضي بالدولة، لأنه يعكس روح التآزر والتكاتف والتعاون الطوعي الذي يحث عليه ديننا الحنيف، وتربت عليه أجيال وأجيال في بلادنا الحبيبة.

حديث الفوز
“أن تتذوق طعم الجهد والمثابرة في شبابك، ستجد من يمد لك يد المساعدة في كهولتك”. هكذا تحدث الأميركي جوزيف بوليتزر، مؤسس جائزة بوليتزر، ليدعو المجتمع الأميركي إلى الاعتراف بجدارة العمل الصحفي في بلاده.
فكيف سيكون حديث كاتب أو شاعر أو مسرحي أو أكاديمي أو رياضي إماراتي، إذا ما فاز بجائزة الدولة التقديرية، ووجد نفسه، ومع زملائه يقف بجانب رأس القيادة السياسية لدولتنا الاتحادية المباركة، ويتلقى التكريم والإشادة والتشجيع من لدنه، ويقرأ في عيون محبيه وتلامذته وأسرته مشاعر العرفان والاحترام والتقدير؟
ذلك ما أتمنى أن يجيب عليه الذين تكرمت أسماؤهم بنيل جوائز الدولة التقديرية، بطريقة تحليلية، وأن يشاركهم في هذا الجهد النبيل الكتاب والأدباء والفنانون، ليكون موسم تلك الجائزة أياما ممتدة من الحوار والتفاعل والشفافية.

* مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بعجمان

اقرأ أيضا