الاتحاد

الملحق الثقافي

فيلسوف وفيلسوفة: أعْلِنوا الحداد على الفلسفة

ترجمة وإعداد: مدني قصري

هل الحقيقة موجودةٌ أم أنها مجرد وهْم؟ ما هي العلاقة التي تربطنا بها؟ وما هي الاستراتيجيات التي نلجأ إليها حتى نتملّص منها؟ في هذا الحوار الذي أجرته مجلة «كليه» CLES (مفاتيح) الفرنسية ينظر الفيلسوفان الفرنسيان «شانتال ديلسول» و«رافاييل انثوفين» إلى الحقيقة وجها لوجه.. هنا نص الحوار.

* كليه: في رأيكما، أنتما الفيلسوفان، أليست الحقيقة بحثاً والتماساً دائماً؟ ما الذي يمكن فعله إذا وجدنا أنفسنا في مجتمع نسبَوي، حيث لا مكان ولا معنى لأيّ مطلق؟
** شانتال ديلسول: بالنسبة لي، الفلسفةُ لا توجد إلا منذ اللحظة التي نؤمن فيها بأن هناك حقيقة. والحال أني أعتقد أن هذا البحث في الغرب تلاشى لمصلحة البحث عن «الحكمة» التي لا تكفي وحدها لبناء أيّ فلسفة.
** رافاييل انثوفين: الفلسفة تقيم مع الحقيقة علاقة تانتالوس (أحد ملوك آسيا الصغرى الذين ظهروا في الحكايات اليونانية القديمة وهو ابن زيوس)؛ ففي كل مرة نتقدم نحوها خطوة، تتراجع هي خطوة إلى الوراء. يبدو لي إذن أن هناك طريقة أخرى لممارسة الفلسفة، تتمثل ليس في البحث عن الحقيقة، ولكن في إعلان الحداد عليها. ظني أن عصرنا لا يتفرّد بأي شيء مميز. الناس يولَدون في عالم لا يأبه بهم، ويموتون دون أن يعرفوا لماذا يموتون.

* كليه: لكن هناك ما يوضّحه كتاب شانتال دلسول الأخير: لقد خرجنا من عشرين عاما من المسيحية، وهذا في حد ذاته فرق.
** شانتال ديلسول: أجل، إنه فرقٌ عظيم! ماذا تصبح الفلسفةُ منذ اللحظة التي لم يعد هناك حقيقة جديرة بأن نبحث عنها؟ تصبح الفلسفة في هذه الحالة مجرد طريقة وجود في هذا العالم، والتكيف معه من أجل العيش بأفضل طريقة ممكنة - أو بأقل الأحوال سوءا. إعلان الحداد على الفلسفة أمرٌ أقرّه، وهذا ما نعيشه بالفعل: لم يبق عندنا سوى النصف النفعي من الفلسفة.
كليه: أليست هذه هي الحكمة عينها؟
** رافاييل انثوفين: نيتشه يُبيّن لنا بوضوح أنه كلما قلّ إيماننا بالحقيقة كلما ازدادت رغبتنا في الإيمان بها. بينما حب الحكمة، في الأساس، وهي اشتقاق لكلمة «فلسفة» هي ملاحظة أن أهمَّ ما في الأمر هو أن نكون أوّلاً وقبل كل شيء في قلب حكمة الحب، وأن هذه الحكمة ليست الكأس المقدسة، ولكنها حقيقة يستطيع الوصول إليها كل من يملك الجرأة في أن يمدّ يده إليها. وبهذه الروح أراني أسير في نهج سبينوزا الذي يدافع عن فكرة أنّ ما هو موجود موجودٌ بالفعل، وأن ما ليس موجودا ليس موجودا بالفعل، وأنه لا يمكن أن نكون في الوجود ونكون فيما وراء الوجود في آن (أي أحياء وأموات في الوقت نفسه). فهو يقترح تغيير الفلسفة ليس نحو البحث عن الحقيقة، ولكن إلى تعلّم الحقيقة، وهذا هو المأخذ الوحيد الذي آخذُه على كتاب شانتال الأخير، حيث الحقيقة فيه تبدو لي هي الغائب الأكبر.
** شانتال ديلسول: أمرُ غريب، لأن الواقع والحقيقة كانا، تقليديا، يُعْرَضان كشيء واحد. ففي التعريف الأرسطوتاليسي الحقيقة هي بيانُ الواقع. صحيحٌ أنه قد يحدث أحيانا، كما قال الشيوعيون، أن تكون هذه الحقيقة واقعاً مستقبلياً، مثل الغد المرتقب.

الإيمان
* كليه: ولكن إذا كانت الحقيقة سامية كيف يمكننا تحديد موضعها في الواقع؟ أليس مصطلح «الواقع الميتافيزيقي» تعبيراً عن تناقضٍ ظاهري؟
** شانتال ديلسول: هذا أمرٌ قابل للنقاش. ماركس طرح هذا السؤال على نفسه قبل مائة وخمسين سنة. والمسألة الرئيسية هي معرفة لماذا نحن مخلوقات تموت، وفي الوقت نفسه لا ترغب في أن تموت، أي بمعنى آخر، المسألة مسألة النهايات الأخيرة ومسألة الإيمان.
** رافاييل انثوفين: فيما يتعلق بالإيمان، يبدو لي أن درجة التعصب الديني تتناسب عكسيا مع درجة اليقين. ما حاجة المتعصب إلى استخدام العنف لولا شكه في ما يقوله؟ في كتابكِ، أراك تقابلين الإيمان بالحكمة. من ناحيتي أميل كليا إلى فصل الإيمان عن المسألة الربانية.

** شانتال ديلسول: هكذا أراك تصف عالمنا اليوم.
** رافاييل انثوفين: أجل، هكذا إن شئتِ. هكذا هو العالمُ الذي لا يمنحنا أي سبب من أسباب الابتهاج. نولَد ونموت دون أن نعرف السبب، من يعيش هنا في هذا العالم قد يقول لك يجب أن تعيش حزينا. ولكنّ قد يقول آخر: «دعونا نفرح على أي حال. وفي سعادة غامرة!». فيسأله الأول سرّ حبّه للعالم فيجيبه الثاني «إذا كنتُ حزينا فأنا شقيٌّ مرتين: الأول: من المعاناة التي يُكبدني العالم إياها، والثانية: من شكواي من هذه المعاناة تتضاعف معاناتي هذه. لذلك قررت أن أحب العالم رغم أنفه»، فهذا الشخص إذن يُعبّر هنا عن إيمان: فالعالم ينفي يوميا قرار حبَه له، ومع ذلك يظل يحبّه، وهذا إيمان حقيقي.

* كليه: أتقصد أنه يملك الإيمان بنفسه؟
** رافاييل انثوفين: لا، بل يملك الإيمان بالحياة! فإذا كان العالم ليس فيه ما يُبهجنا فليست تلك حجة لكي نكرهه.
** شانتال ديلسول: سأكون آخر من يقول لك خلافَ ذلك. بالنسبة لي، الأخلاق أمرٌ طبيعي، ولا حاجة لها بالإيمان. لا شك أن منظوماتنا الأخلاقية تشكلت وتهيكلت عبر قرون طويلة من الأديان. ولكنْ لكل الشعوب أخلاقها، لتعيش معا وتتعايش بكل بساطة. ثم إن النظم الأخلاقية تحتوي على أسس ثابتة كبرى وهي: الخيرُ هو ما يجمع ويوحّد، والشرُّ هو ما يُقسّم ويشتّت.
** رافاييل انثوفين: سبينوزا يعلّمنا أن عالمنا ساكن صامت، فهو لا يتحدث إلينا. ويضيف نيتشه أننا أصبحنا «باردين» لكثرة ما أدركنا أن العالم الغارق في صمته المبالي لم يُخلق لكي يُمتِعنا. والفلسفة، تعلمنا كيف نظر إلى هذا العالم خارج الحاجة التي نلتمسها منه.
** شانتال ديلسول: ظني أنك مثالٌ نموذجي لطبع الإنسان المعاصر الذي أصفه في كتابي. شخصٌ كنتُ أخمّنُه وها هو ذا أمامي. بقضه وقضيضه! رُؤيتُك للحكمة أراها تنطبق على ما أعتقد أنه بصدد أن يحل محل الأفكار القديمة عن الإيمان، في محاولة لإعطائنا قواعد جديدة للحياة - مفيدة أم لا، لست أدري. أجد في هذه القواعد (الرغبة المتوافرة، ومعرفة إن كان هذا العالم حزينا، أو إن كان يجب الإقرار بأنه مُغبط على أي حال، وما إلى ذلك)، وهي حجج عقلانية. ولكني لا أعتقد أننا يمكن أن نعيش كذلك. وهذا هو الفرق بيننا. الإنسانية لا يمكن أن تعيش في هذه العقلانية التي تجعلنا نقول: «لقد وُلدنا من قبيل الصدفة، وسوف نموت من أجل لا شيء. ولكن يجب علينا على أي حالٍ أن نشعر بالفرحة والغبطة».
** رافاييل انثوفين: إنها حجة أبيقور!
** شانتال ديلسول: حسنا، لكني أعتقد أنها حجة بلا مفعول. إننا نخاف الموت، ومن الممكن بالفعل، بمساعدة حجج عاقلة أن نقلل من حدة هذا الخوف. ولكن كل هذه العقلانية الحكيمة التي أجدها على لسانك المُتقَن، إنْ هي استطاعت أن تؤدي ببعض الناس إلى حياة أكثر سعادة، فذاك أمرٌ فيه ما يشبه الكثير من الأرستقراطية. وإذا طوّرتَ حكمة حديثة، فلن تجد بداً من أن تحصل في النهاية، كما هو الحال في كل أشكال الحكمة في العالم، على بضع فلاسفة حكماء في مواجهة دهماء لا تفهم منهم الشيء الكثير.

* كليه: هل هذا انتقاد منكِ للحكمة؟
** شانتال ديلسول: أجل، بمعنى أني أعتقد أنه من الصعب جدا أن نعيش هكذا، فمثل هذه الحياة لا تليق إلا بأقلية صغيرة من العقول العميقة.

* كليه: في جميع الأديان، بما فيها البوذية، ألا توجد طقوس للناس البسطاء وطقوس أكثر استنارة للنخب؟
** شانتال ديلسول: بالطبع. ولكن مهلاً، الإيمان والدين شيئان مختلفان، نحن متفقان على ذلك. ولكن هل يمكن للإيمان أن يدوم من دون دين؟ من جهتي، لا أتحمس كثيرا للمؤسسات الدينية، ولكنني لست متأكدة من أن المرء يمكن أن يعيش من دون هذا النوع من المظلات الدينية.

السعادة
* كليه: ما رأيكما في البحث عن السعادة؟
** رافاييل انثوفين: ليس هناك ما هو أكثر حزنا. والدليل أنه عندما نكون سعداء نقول: «دعونا نفرح الآن، لأن الفرح لن يدوم!».
** شانتال ديلسول: أنت تفصِل السعادة عن الفرح؟
** رافاييل انثوفين: أفصِل بينهما بعمق. الفرح يؤكد وجود الألم. بينما السعادة تُعلّقه: إننا ننسى أحيانا الآلية. زدْ على ذلك أنه ما من أحدٍ يكتنِز السعادة التي عاشها.
** شانتال ديلسول: أعتقد العكس تماما. أنظرْ إلى الناس الذين عاشوا طفولة جميلة، كيف يعيشون حياة الكبر أفضل. إذا كان لديك أطفال، خذهم في رحلة، سوف يظلون يذكرونها مدى الحياة. وسيكون هذا بالنسبة لهم رصيدا من السعادة.
** رافاييل انثوفين: ولكنْ كيف العمل حتى لا نُحوّل اليقين بالموت إلى تكارُثٍ (حالة ذهنية مرضية تجعل الضحية يبالغ في تصور إصابته)؟ قال لي كليمان روسيه أنه ذات يوم ركب مترو الأنفاق مع سيوران الذي كان ينتحب بهدوء في مقعده. فسأله روسيه: «لماذا تبكي؟ فأجابه سيوران: «أبكي لأني محقّ...»، فقال له روسيه: «إني أصدّق كل ما تقوله، ولكن قل لي كيف أفسر كوني أضحك وأنت تبكي؟». إنه بديل أساسي، الفرح والحزن تتحكم فيهما العلاقة العاطفية الشخصية التي تربطنا بالأشياء أكثر مما تتحكم فيهما طبيعة الأشياء نفسها، ولكنكِ على حق، رصيد السعادة يمكن أن يكون مُثمراً.

* كليه: وأنتِ، شانتال دلسول، ما الفرق في رأيك بين الفرح والسعادة، وما علاقتهما بالحقيقة؟
** شانتال ديلسول: بالنسبة لي، السعادة أكثر دواما. إنها اتفاق مع عالمنا الأقرب إلى نفوسنا ومشاعرنا. في حين أن الفرح هو مجرد حيلة أو خدعة انفعالية غير مستقرة. كلاهما يمكن أن يكونا على صلة مع حقيقة الحياة، ولكن لا علاقة لهذه الصلة بالحقيقة بالمعنى الذي قصدناه حتى هذه اللحظة، ويمكننا أن نسمي هذا «صدق الحياة».
* كليه: هذا الصدق أليس له لا علاقة بالحقيقة بمعناها الفلسفي؟
** شانتال ديلسول: أجل، صدقُ الحياة هو أن يكون الشخص مندمجاً اندماجاً كاملاً بالكون، مع تناغمٍ جواني حقيقي، وليس بالغش المستمر مع نفسه.

المقدس والمعنى
* كليه: لنختمْ حديثنا بنقطتين، المقدس والمعنى. ما هو المقدس؟
** شانتال ديلسول: أعتقد أن المجتمع لا يمكنه الاستغناء عن المقدس، هناك دائما شيء فوق كل الباقي، نضعه جانبا. سيكون هناك دائما يقينيات نسعى جميعا ألا نتجاوزها.
** رافاييل انثوفين: هناك نص لم يُقرأ كثيرا اسمه «بحثٌ في الفضائل» لـ جانكلفتش. ألفُ صفحةٍ أحتفظ منها بهذه الفكرة: كل فضيلة مكانها في قلب الحب، ما الذي قصده بالحب؟ إنه القدرة على أن أتحمّل الألم الذي ليس ألمي أنا!.

في الحاجة إلى المعنى
المسألة مسألة معنى الحياة والنهايات الأخيرة. ظني أنه ليس هناك مسألة أخرى للمعنى غير هذه، لأن معنى كل شيء يمكن العثور عليه في كل مكان، فمن يجد نفسه مثلي في أحد الأديان السماوية، سيلتقي بالمعنى حتما، ولكن عليه أن يغوص فيه، ويؤمن به.
.شانتال دلسول
...........................
لست أعرف إن كان للحياة والعالم معنى من المعاني. إنّ ما يهمني هو أن نرى كيف يمكننا أن نُرفّه عن أنفسنا، والطريقة التي نحاول بها أن ننسى غياب المعنى.أعتقد أن البحث عن المعنى يصرِف نظرنا عن معرفةٍ نحمِلها في نفوسنا، وهي تُذكرنا بنفسها لحظة مماتنا.
رافاييل أنثوفين

شانتال ديلسول

* ولدت شانتال ديلسول في 16 أبريل 1947 في باريس.
* فيلسوفة، ومؤرخة للأفكار السياسية، وروائية فرنسية.
* أسست معهد البحوث «حنة أرندت» في عام 1993.
* أصبحت عضوة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية في عام 2007.
* أستاذة الفلسفة السياسية في جامعة باريس- شرق.
* تصف شانتال ديلسول نفسها بـ «الليبرالية المحافظة».
أصدرت العديد من الأعمال السياسية والتاريخية، ومنها: مقال في السلطة الغربية: الديمقراطية والاستبداد في العصور القديمة
(PUF-1985)، السياسة المشوَّهة (PUF- 1986)، الأفكار السياسية في القرن العشرين (PUF-1991)، هُوية أوروبا (بالاشتراك مع جان فرانسوا ماتيي، PUF- 2010)، والكسل والثورة (Plon - 2011).


رافاييل أنثوفين
* ولد رافاييل أنثوفين في 9 نوفمبر 1975 في باريس.
* أستاذ فلسفة، ومذيع برامج فلسفية في الراديو والتلفزيون الفرنسي.
* عُرف رافاييل أنثوفين بالتزامه الشديد بتدريس الفلسفة لطلاب الثانوية العامة (الصف الحادي عشر والصف الثاني عشر. ويُعتبر صاحب مبادرة إعلان لوك شاتيل (الوزير الأسبق للتربية والتعليم والشباب والحياة الجمعية) في منتدى اليونسكو في نوفمبر 2010، والتي دعا فيها هذا الوزير إلى تمديد تدريس الفلسفة إلى الصف الثانوي العاشر.
* أصدر رافاييل أنثوفين العديد من المؤلفات الفلسفية الموجَّهة إلى طلبة الثانوية العامة، ومنها: البحث الفلسفي، والفلسفة: لعبة أطفال، والمادة الخام، واللامعقول.

اقرأ أيضا