صحيفة الاتحاد

ألوان

الجناح الهندي.. سحر الشرق في «زايد التراثي»

أكدت المشاركة الهندية ضمن فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي منذ انطلاقه في الأول من ديسمبر الماضي، على الروابط التاريخية التي تعود إلى أكثر من ألفي عام، وتعزيز التواصل الدائم بين البلدين في الكثير من قطاعات الحياة، ومنها الاهتمام بالموروث الشعبي، والعمل على إحيائه، وهو ما بدا عبر الحضور اللافت لعديد من النماذج التراثية التقليدية، سواء في مجال المشغولات اليدوية أو الحرف القديمة، مثل نقش الحناء وعمل الحُلي من اللؤلؤ الطبيعي المستخرج من مياه الخليج العربي، والفنون الشعبية المتعددة الألوان لتعكس الاتساع الجغرافي والتنوع السكاني اللافت لأبناء الحضارة الهندية الذين قدموا نماذج من إبداعاتهم المحلية لرواد المهرجان بمنطقة الوثبة بأبوظبي.


أحمد السعداوي (أبوظبي)

أوضحت خديجة العامري، منسقة الجناح الهندي، أن المشاركة الهندية في النسخة الحالية للمهرجان اشتملت 14 ركناً عن مختلف الحرف التقليدية و20 عارضاً قدموا نماذج من أساليب الحياة في المجتمع الهندي القديم والذي لا يزال الكثير منها يمارس بشكل حي في كثير من مناطق الهند حتى هذه الأيام، مثل نقش الحناء، وعرض أنماط من الملابس التقليدية الهندية للصغار والكبار، وأنواع الحُليّ، خاصة وأن المرأة الهندية تميزت باهتمامها الشديد بأنواع الحلي التي تستخدمها في كثير من المناسبات وتفنن أهل هذا الفن في إبداع أشكال مدهشة منه قديماً وحديثاً، كما يشمل الجناح أنواعا من الأحذية والملابس والحقائب المصنوعة يدوياً من جلود الماشية المنتشرة في أنحاء الهند، والتي يتم إنجازها بشكل يدوي يحاكي تماماً الأساليب القديمة، كما تم تطعيم بعض هذه الأحذية والنعال، بأنواع من الخرز منحتها جمالاً خاصاً، كما أن الكشمير الهندي ومنتجاته المعروفة عالمياً كانت حاضرة بقوة ضمن أكثر من ركن تخصص في بيع أصناف الكشمير بمختلف الأذواق والأسعار، فضلاً عن الوجود اللافت للفرق الشعبية الهندية التي نجحت في تقديم عروض غنائية راقصة أبهرت جمهور المهرجان على مدى أيام المهرجان.

ركن الحناء
ومن ركن الحناء تقول بسنتي راميش، التي عبرت عن سعادتها بالمشاركة الثانية لها ضمن فعاليات المهرجان، إنها تعلمت نقش الحناء بالوراثة عن طريق نساء العائلة وامتهنت هذا العمل منذ سنوات عديدة كون النقش بالحناء من أكثر ما تستعمله نساء الهند على اختلاف مستوياتهن الاجتماعية في الزينة سواء في حياتهن العادية أو في المناسبات المختلفة، خاصة الأعراس حيث يخصص يوم كامل قبل الزفاف للعروس ليكون يوماً للحناء لها ولصديقاتها ونساء العائلة في بيت العروس، التي يدهن جلدها بالليمون والكركم، ولاحقاً يتم نقش الحناء على اليدين والقدمين. بينما باقي النساء يقتصر النقش على أياديهن فقط. ولفتت إلى أن شهرة الحناء الهندية جعلت ركن الحناء من أكثر الأنشطة إقبالاً من جمهور النساء في المهرجان اللواتي كن يطلبن نقش الحناء على كلتا اليدين وعلى أيادي أطفالهن في كثير من الأحيان، وكان ذلك لكل الجنسيات حتى بعض الأوروبيات اللواتي يكتشفن طقوس الحناء لأول مرة من خلال زيارتهن للجناح الهندي ضمن فعاليات المهرجان، وهو ما يجعلنا نشعر بالسعادة أننا استطعنا توصيل جزء مهم من موروثنا إلى هذه الأعداد الكبيرة التي شاهدناها خاصة مع تزامن المهرجان مع أيام العطلات.

منسوجات تراثية
وننتقل إلى ركن الأقمشة والمنسوجات التراثية، ويحدثنا عنه رويتاس كومير، بأنه يبيع شراشف هندية مصنوعة من القطن تستخدم لفرش المنازل ومزخرف بنقوش مستوحاة من التراث الهندي، ولذلك هناك أشكال كثيرة من هذه الزخرفات تعكس ثراء المجتمع الهندي وتعدد ثقافاته، مشيراً إلى أن هذه الشراشف يمكن أن يباع بالواحدة أو بالأطقم بحسب طلب كل زبون، ومن يشتري الأطقم غالبا يأخذه للاستعمال اليومي، أما القطع الفردية فيستخدم لأغراض الزينة والديكور في المنازل العصرية، وهناك نسبة كبيرة من الأخوة الإماراتيين والضيوف الخليجيين، قاموا بشراء أنواع كثيرة من هذه الشراشف كونها مصنوعة بدقة عالية ومن أرقى أنواع القطن الذي يزيد من قيمة هذا النوع من الشراشف التراثية.
اللؤلؤ الطبيعي، بما له من قيمة عالية في الموروث الإماراتي والهندي في آن، كان موجودا بقوة ضمن الجناح الهندي، عبر ركن خاص يعرض أشكالا مبهرة من الحلي المصنوعة من اللؤلؤ الطبيعي بأحجام مختلفة، ويورد مانيش راميش سورنجي، المسؤول عنه، إن المعروضات تشمل أشكالا مختلفة من الحلي الذي تدخل فيه قطع اللؤلؤ الصغيرة والكبيرة حتى تناسب كافة الأذواق مبيناً أن التعامل مع اللؤلؤ معروف في الهند بـ «إيبال»، ويحتاج خبرات خاصة غالباً لا يمتلكها إلا العارفين بالتراث كونهم الأكثر قدرة على التمييز بين أنواعه وكذا تقطيعه بشكل احترافي ينتج أشكالاً بديعة، لأن الخطأ في التقطيع يقلل من قيمة اللؤلؤ لأنه سيؤدي إلى صغر حجمها، وبالتالي سعر أقل في عمليات البيع.
وشرح سورنجي، أن هذه الحلي لا تتأثر بالنار ولا عوامل التعرية كونها مصنوعة من اللؤلؤ الطبيعي دونما أي إضافات صناعية، مشيراً إلى أن هذا النوع من حلي اللؤلؤ، يختلف عن باقي أنماط الحلي وزينة النساء في الهند، كون الجميع يستخدمه من النساء والفتيات ولا يقتصر على شريحة عمرية معينة مثل الحلي المصنوعة من الذهب والفضة التي تقبل على اقتناء الكبير منها المتزوجات، والأقل حجماً ووزناً الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، بحسب المتعارف عليه في الموروث المحلي للثقافة الهندية.

الصناعة الكشميرية
وعودة أخرى إلى الصناعة الكشميرية، يقول عابد بشير، إنه يعرض أنواعا من الشالات النسائية المصنوعة يدوياً من القطن والصوف، وأسعارها تبدأ من 150 وحتى 300 درهم للقطعة الوحدة، ونظراً لجودتها شهدت إقبالاً كثيراً خاصة من النساء الإماراتيات والعربيات، ما سيشجعه على المشاركة في الدورة القادمة للمهرجان عبر إعداد أنواع أكثر بتصميمات مختلفة حتى تناسب أذواق مختلف الجنسيات التي تزور فعاليات المهرجان، معتبراً إياه واحدا من المهرجانات التراثية العالمية بامتياز بسبب هذه الكثافة الجماهيرية العالية للزائرين القادمين من أنحاء العالم ورغم أن لهم لغات وثقافات متنوعة إلا أن حب الأصالة والتراث جمعهم في «زايد التراثي».
والمفارش المصنوعة من المخمل والتور، ومزينة بزخارف هندية مدهشة، يبين، شابور شاولا، إنه حرص على تقديم كم كبير منها في النسخة الحالية للمهرجان بعد الإقبال الكبير الذي رآه حين شارك في نسخة العام الماضي، واستمر النجاح العام الحالي، وهو ما يعكس القدرة العالية على تنظيم المهرجان والترويح له بين مختف الفئات التي سعدنا بزيارتهم لنا، حيث إن معظم هذه المفارش مخصصة للسفرة، صنعت بشكل يدوي، وتبدأ أسعار الطقم المكون من 3 قطع بدءاً، من 200 درهم أما أغلاها فيصنع من المخمل مع السيرما ويبلغ سعره 1200 درهم، ويستغرق صناعة الطقم الواحد سبعة أيام تصل إلى 12 يوما بحسب التصميم المراد إنجازه.

الزي الهندي
في ركن للاكسسوارات يبرز الزي الهندي المعروف باسم «جاجرا»، حيث أوضح راي باشاك أن «جاجرا» الزي الوطني الذي يرتديه الكبار والصغار في جميع أنحاء الهند، ومن أبرز قطع الاكسسوار ما يسمى «تشين»، وهو عبارة عن خلخال يرتدى في القدم ويصنع من الفضة أو النحاس، وأحياناً نادرة من الذهب لذوي القدرات المادية العالية، أما السوار يسمى «كرا». وبالنسبة لقلادة العنق تسمى «منجل سوتر»، وغالباً ترتديها النساء المتزوجات، وتتميز بأن حجمها كبير نسبياً قياساً إلى القلادات العادية التي ترتديها الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، أما الحلق يسمى «جومكا»، وهو أنواع وأحجام، الكبير منه ترتديه المتزوجات والصغير للفتيات.
ويوضح باشاك مسؤول ركن الاكسسوارات والملابس التقليدية الهندية، أن جميع هذه المسميات تراثية وبالاسم نفسه الذي عرفت به في كثير من مناطق المجتمع الهندي قبل مئات السنين، ولا تزال نساء الهند يستخدمنها بكثرة على الرغم من انتشار الكثير من الحلي العصرية، غير أن التقليدية منها أكثر قيمة وأغلى ثمناً، لكونها يتم إنجازها بشكل يدوي ما يمنحها جمالاً فريداً، فضلاً عن قيمتها المادية التي تجعل هذه القطع تتوارثها الأجيال خاصة إذا كانت مصنوعة من الذهب والفضة.

على أنغام الفنون الشعبية
على وقع أنغام الفنون الشعبية الهندية عاش زوار الجناح الهندي تجربة مميزة طوال أيام المهرجان، خاصة أن الاستعراضات الهندية المصحوبة بالغناء لها جمهور كبير على مستوى العالم، وبالتالي تجمعت الجماهير لمتابعة العروض الفلكلورية التي يقول عنها كيشن نانا، أحد العارضين: «إن هناك فرقتين للفنون الشعبية طرحتا على الجمهور عروضهما على امتداد الحدث التراثي، وهما (بنجاب)، ويشارك فيها 6 راقصين، و(راجيستان) المكونة من 8 أفراد بين عزف وطرب ورقص». وقدمت الفرقتان عروضهما بالتبادل مشتملة على أنواع الفنون الشعبية المختلفة الممثلة لمناطق الهند وولايتها المختلفة.

إكسسوارات يدوية
أما بابو خان، الذي ورث صناعة الاكسسوارات من الخرز والمعادن المختلفة عن آبائه وأجداده في تاريخ يعود إلى أكثر من 200 عام، تبعاً لأحد المنشورات المعلقة على جدران ركن الاكسسوارت الخاص به، يقول: «إنه يشارك في عديد من الفعاليات التراثية المهمة منذ أكثر من 25 عاماً داخل الهند وخارجها، ولذا من الطبيعي أن يشارك زملاءه التعبير عن تراث بلدهم في حدث مهم مثل مهرجان الشيخ زايد التراثي».
ويبين أن عمله يبدأ أولاً بوضع التصميم بنفسه، ثم وضع الإطار المعدني الذي يقوم بتركيب الخرز والأحجار الكريمة المقلدة عليها باستخدام أدوات يدوية بدائية، ولكنها تعطي نتيجة دقيقة ومظهراً رائعاً إذا كان الصناع متمكنين منها، ولذلك لا يعمل في هذه المهنة إلا من تعلمها بالوراثة أو قضى سنوات طويلة فيها، حتى يخرج قطعة فنية جميلة تتحلى بها المرأة على الرغم من أنها في الأصل مصنوعة من مواد ليست غالية الثمن، ولكن هذه الحُليّ تستمد قيمتها من مهارة الصناعة اليدوية وتفرد كل قطعة عن الأخرى.
وفيما يتعلق بالحقائب المصنعة يدوياً والأحذية الجلدية المطعمة بالخرز، يورد راجيش جومارديكام: «إن الأحذية في متناول الجميع على الرغم من أنها مصنعة من جلود طبيعية ومشغولات يدوية بحيث يتراوح سعرها من 80 إلى 100 درهم، ومع أنها تتسم بتصميمات تقليدية هندية، ما يجعل الجمهور يتردد في اقتنائها واستخدامها مع الملابس العادية، إلا أن رخص سعرها وجودة الخامات المصنوعة منها يشجع الكثير على الحصول عليها على سبيل التجربة، ولكن فيما يتعلق ببعض الجنسيات الآسيوية، فإن هناك شريحة من الجمهور تقبل على هذه المنتجات لأنها تتناسب مع أنماط الملابس الشعبية السائدة في مثل هذه البلدان».

ثقافات متنوعة
عبر جولة مشوقة داخل أركان الجناح الهندي يعرف الزائر الكثير عن أرض الثقافات المتنوعة والاختلافات والظروف المناخية، فتجد التنوع والغنى في التراث الهندي، حيث تتميز كل منطقة بالطعام والموسيقى والرقصات الفلكلورية والحرف، والمهن اليدوية التي تشتهر بها عن سواها، ولذلك كان الحضور الهندي لافتاً في النسخة الحالية من زايد التراثي ويتوقع أن يكون أكثر نجاحا وتميزاً العام القادم بحسب ما أفاد أعضاء الوفد بأن أي شخص يسعد بالمشاركة في أي فعالية تقام على الإمارات.