الاتحاد

الملحق الثقافي

الصين.. نشيد الألف صوت

أحوال الصينيين تدلك على تحضّرهم وأولها الاصطفاف في الطابور (أرشيفية)

أحوال الصينيين تدلك على تحضّرهم وأولها الاصطفاف في الطابور (أرشيفية)

مـحمـد بنيس

لما دعيت لزيارة الصين، للمشاركة في مهرجان شعري يجمع الشرق والغرب، ذهبت بشوق قديم لبلاد تعلقت بها منذ شبابي الأول، ولم تنقطع قراءاتي عنها ولا معرفتي بها التي اتسعت مع ما مرت به من تحولات على امتداد العشرين سنة الأخيرة. ها هي الفرصة تأتي للاقتراب أو التوغل عملياً في ذاكرة هذه البلاد بعد أن عرفتها نظرياً عبر قراءات كثيرة تخيَّرت أن يرافقني منها المجلد التاوي «هوينان زي» (موسوعة شاملة، مكونة من واحد وعشرين فصلاً، صدرت ضمن مكتبة لابلياد، عن منشورات غاليمار الباريسية)، ويصحبني على مستوى الذاكرة ابن بطوطة ورحلته إلى الصين.
في حلقة سابقة كتبت عن هونغ كونغ، وها أنا اليوم أكتب عن غْوانغْ جُو.

1
يغريني الحديث عن زيارة الصين، يستمرُّ ويزداد تآلفي معه. حكاية في حكاية، تلك هي الصين. ففي ليلة 29 أكتوبر، موعد اختتام أمسيات الشعر في هونغ كونغ، دعَا الشاعر بييْ ضاوْ الشعراء والفنانين وهيئة المهرجان إلى مأدبة عشاء في مطعم صيني، احتفاءً خاصاً بهم. مطعم يحافظ على التقاليد الصينية، من الأثاث إلى الأطعمة وآداب المأدبة. كانت روح الأخوة سارية في نفوس الجميع. نشوة وأحاديث. وفي النهاية رفعنا نخباً لهيئة المهرجان، تقديراً لما بذله أعضاؤها بابتسامتهم الدائمة. في صباح الغد سيتفرق الشعراء إلى مجموعات، كل مجموعة ستتوجه إلى مدينة صينية. فمهرجان هونغ كونغ هو المركز المنظم، وبتنسيق مع جمعيات ومؤسسات شعرية داخل الصين يتم تنظيم مهرجانات فرعية. وكانت غوانغ جُو هي المدينة التي سأتوجه إلى مهرجانها، صحبة كل من: الصيني كريسْ سونغ، الفرنسي جان ميشيل إيبيستاليي، الصينية فانغ كسياوني، الروسي غليب شولبياكوف، المقدوني نيكولا مادزيروف، والصيني (من هونغ كونغ) لاوْ يي ـ تْشينغ.
محطة القطار في هونغ كونغ حدودية، يحتاج فيها المسافر الأجنبي إلى تأشيرة الدخول إلى الصين. أمام الشريط الحدودي الأصفر تعلم أنك ستنتقل من بلد إلى آخر. هونغ كونغ هي الصين وليست الصين في آن. بسرعة تمت إجراءات ختم الجوازات، أخذنا أمكنتنا في القطار. ومباشرة بعد انطلاقه كان كل واحد منا يهْتمُّ بالتعرف على نقطة الانتقال إلى أرض الصين. يخمّن أحدنا ويخطئ، حتى رأينا العلم الصيني الأحمر بنجومه الصفراء يرفرف فوق بناية. نحن الآن في الصين.
ما يقارب ساعتين في قطار مريح. يعبر القطار أرض الصين التي نشاهدها ونحن متشوقون لرؤية علامة ما على الصين، أو الصين الجديدة تحديداً. العمارات، العمارات، العمارات، هي ما كنا نراه. وفي محطة غوانغ جُو شاهدنا عناصر الشرطة والجيش في كل مكان. لكنهم لا يقتربون من أحد ولا يزعجون. فهل هي تدابير وقائية من أي هجوم إرهابي محتمل؟ أم هذه هي الصين؟

2
كنت خلال رحلة القطار أتخيل جبال الصين وقراها، كما لو كنتُ أسيرُ نحوها، فيما كانت جهتي هي مدينة غوانغ جُو. اختلط عليّ الأمر بين الرغبة في مشاهدة الجبال الطبيعية وبين مشاهدتها جنباً إلى جنب مع أبيات شعرية مخططة في معلقات فنية. ذلك سرّ تعلقي بالفنون الصينية وتعبيرها عن كل من البودية والتاوية. لم يفارقني تخيلي طيلة الأيام التي قضيتها في المدينة. وفي بعض الأحيان كنتُ أستغرب من هذا التعلق غير المنطقي. لم أكن أريد أن أزعجَ بالسؤال أحداً من الصينيين الذين ألتقي بهم، أو وصلتُ وإياهم إلى هنا.
غوانغ جُو هي العاصمة التجارية والسياسية والثقافية لإقليم غوانغ دونغ، في الجنوب الصيني. تقع على ضفة نهر تشوجيانغ (نهر اللآلئ). وتقول لي السيدة يوكي يُو، بأنها تسمى أيضاً كانْتون، وبأن عدد سكانها يصل إلى اثني عشر مليوناً. إنها ثالث مدينة صينية بعد كل من شنغهاي وبكين. كنا فيما بيننا، نحن الأجانب، نسخر من معرفتنا المجردة بالصين. الناس في محطات المترو منظمون بشكل كان يدهش حتى الشاعريْن القادميْن من باريس وموسكو. كنت أشاهد هذا السلوك المتحضر في غوانغ جُو، بعد أن كنت أعجبتُ به في هونغ كونغ. وأقول في نفسي: هذا مقياس من مقاييس تحضّر الشعوب، ومستوى الوعي لديها بالقبول بالآخر وحق الآخر. وهو نتيجة تربية طويلة النفس، لها من الفلسفة البودية والتاوية بقدر ما لها من التعليم الحديث في المدرسة الصينية اليوم.
لم أحس في لحظة أنني أحتاج إلى من يعطيني معلومات عامة عن المدينة أو عن أهلها. الناس في الشارع يدلّونك على أنفسهم وعلى تاريخهم. حركاتهم، طريقة الحديث بينهم، لباسهم، نظراتهم. هذا يكفي، لماذا أبحث عن المزيد؟ ألا أقتنع بأن تقدُّم الصين اليوم ظاهر فيما أراه في لمح البصر أحياناً ؟ لم تقع عيناي على حادثة سير واحدة طيلة الأيام التي قضيتها في المدينة. ولم يكن بالضرورة شرطة تنظم السير. المدينة غاصة بالسيارات والحافلات والدراجات والدراجات النارية. المنتظرون ينتظرون. ولا قلق ولا احتجاج. هذه هي المدينة، ولك أن تمتثل لقوانينها وأخلاقيات أهلها.

3
تذكرت هنا ابن بطوطة الذي كان زار غوانغ جُو. من أجمل ما كان لاحظه في عهده هو انتشار الأمن في كامل الأرض الصينية كما كتب: «وبلاد الصين آمَنُ البلاد وأحسنُها حالاً للمسافر، فإن الإنسان يسافر مُنفرداً مسيرة تسعة أشهر وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها». لا أعرف مدى صحة هذه الحال اليوم. لكن لم يفارقني حلمُ السفر إلى القرى والجبال. كنت أغمض عينيّ وأتوه. ربما كنت أصعد جبلاً، ربما كنت ألقي بنفسي في ماء شلال، ربما كنت أسند ظهري إلى جدار بيت ريفي أنصت إلى أصوات شعراء تنزل في صدري وأنا أطيعها. ثم مرة، تحمّست وأنا أشاهد معلقة فنية، فعبّرت بتلقائية عن رغبتي. قلت للشعراء الصينيين المرافقين: «بودي لو أبقى مدة ستة أشهر، أزور خلالها الجبال والقرى من مختلف مناطق الصين». وفوجئت بأن ردّوا عليّ أن هذا الأمر غير ممكن، لأن الناس لا يتكلمون لغة أجنبية. هكذا يصبح من المستحيل على أيِّ شخص أجنبي أن يرحل بمفرده إلى الأعالي. خمنتُ أنْ لا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يحدث في المستقبل.
صباح الأول من ديسمبر، تجددت الرغبة في زيارة المعابد والعمارات الصينية القديمة. كان الشاعر كريس جاهزاً كالعادة. فهو يعرف المدينة معرفة جيدة، ولا يحتاج إلى دليل. كان معبد دافو الأول في برنامج الزيارة. يوجد في حي شعبي، يعيش على زوار المعبد، تكثر فيه المتاجر الخاصة بالهدايا الدينية، مثل البخور ومجسمات بودا والسبحات، مع مطاعم ومجالس عرافين، يفترشون الأرض. تحس كما لو كنت في زمن يعود إلى ما قبل الثورة. لكن صور ماوتسي تونغ المنتشرة، في مقدمة المتاجر، تعود لتذكرك بأن الثورة من هنا مرت.
معبد دافو من أقدم المعابد البودية في غوانغ جُو، يعود بناؤه إلى السلالة الحاكمة الخامسة (907م ـ 960م) الدخول إليه مدفوع الأجر، مثل أي مكان سياحي. وعند المدخل حراس ومراقبون رسميون. هنا تحضر الدولة، التي تسيّر كل شيء وتشرف عليه. بنايات قديمة بأسلوب صيني رفيع، قاعات فسيحة توجد في وسطها تماثيل بودا الذهبية اللون، والهدايا، التي هي عبارة عن فواكه وزهور، موزعة بين أطراف القاعة. هنا يسمح للزائر أن يلتقط الصور التي يشاء، عكس ما هو في معابد هونغ كونغ. وبدون عناء تظهر أمامك التماثيل الصغيرة للحيوانات، وقد أتلفت أو دمرت في عهد الثورة الثقافية، كما كان وقع إبان الثورة الفرنسية. في ركن من الساحة الكبرى يوجد متجر لبيع هدايا بودية، وكل ما يتعلق بحياة الكهان البوديين، من لباس ومزاود وسبحات وموسيقى وتراتيل. انطفاء اللون البنيّ لخشب الأجنحة والقاعات وانتشار الغبار، من علامات التدمير والإهمال التي خلفها زمن الثورة الثقافية. وتفهم كيف أن المعبد، الذي أعيد فتحه في عهد دينغ شياو بينغ (1978ـ1992)، يسترد الآن أنفاسه. البناؤون يرممون الأسوار الخارجية، وعملية الترميم تمتد نحو الداخل. إنه الزمن الصيني الجديد، حيث أصبح ترميم الأبنية القديمة يرتبط بكل من الحرية الدينية وبالسياحة، وهما من أولويات اقتصاد السوق.

4
بسرعة حان موعد الأمسية الشعرية. غادرنا فندق غوانغ جُو الملكي مشياً على الأقدام. كنا نسير الهُوينى في شارع تريان، نشاهد أفواجاً من المشاة، ففهمنا أنهم غادروا العمل. كان ذلك حوالي الساعة السابعة مساء. لا مفاجأة في المشهد. الصينيون يعملون طيلة النهار، وأيام عطلتهم السنوية لا تتجاوز سبعة أيام. شعب يعمل ليكسب رهان التقدم، أو التنمية، كما هي الكلمة المتداولة في الخطابات الرسمية.
مكان القراءة في شارع تريان هو جماعة مانغْسيُو، اسم غريب تهتدي إلى سر غرابته بمجرد أن تضع قدميك على العتبة. مكتبة كبيرة في مدخل المركز التجاري تايْكو هُويْ. توقفت، كأني على وشك الدخول إلى معبد. مكتبة ذات خمسة طوابق، شديدة الأناقة. هذه أكبر وأحدث مكتبة خاصة في الصين، قال لي الشاعر كريس. وأضاف أنها تجربة مكتبة حديثة تعتمد فكرة مبدعة. فيها قسم واسع لبيع الكتب وكل ما يتعلق بالدراسة والكتابة والعلوم والفنون، وقسم محجوز للقراءة، وفضاءات تستضيف فنانين شعبيين وأندية ثقافية وأنماطاً من القراءات والنقاشات الثقافية. هذا، إذن، معبد حديث، مثلما هي المتاحف والمسارح ودور الأوبرا. معابد حديثة لصين حديثة.
كنا في افتتاح المهرجان على موعد مع البدْء بمعرض أقامه فنانون تشكيليون لأعمال مستوحاة من قصائد الشعراء المشاركين في مهرجان هونغ كونغ. معرض واسع تتنوع أعماله، بحسب الاتجاهات الفنية التي يمارسها الفنانون الصينيون اليوم. لوحات، رسوم مائية، كتابات على الحيطان، بطاقات بريدية، إنشاءات من مواد شتى.

5
قاعة القراءة مندمجة في المكتبة، إلى جوار مقهى. رفوف الكتب تغطي الجدران. وفي نهاية القاعة خشبة لتقديم العروض الفنية، الموسيقية والمسرحية، وللقراءات الشعرية وتقديم الكتب. جمهور واسع من الشبان، بابتسامة عريضة، هي شوق انتظار اللقاء مع شعراء من العالم، بعدة لغات وأصوات. كلمة التقديم موجزة، ثم حركة وأصوات بهلوانيين، تختلط بصوت مغنية تؤدي أغنية تقليدية. والجمهور متفاعل بابتهاج مع العرض الفني.
لم تتأخر بداية القراءات. كانت مغرية. كل شاعر يصعد الخشبة وتصاحبه شاعرة شابة أو شاعر شاب، لأن القراءة تتم بلغتين، لغة الشاعر ولغة المنْدران، اللغة الصينية. والبهلوانيون ما زالوا يتحركون، لكنهم لا يتكلمون. امتزاج الصوت الشعري بحركات البهلوانيين، كان يمنح القراءات ذوقاً مرحاً، حتى ولو كانت القصائد تتناول الحروب والمآسي، تلتقط حياة الضحايا ومناجيات المفقودين. خلقت هذه الحركية المزدوجة مزيداً من تتبع القراءات، ومزيداً من ردود الفعل. وعندما جاء دور الشاعرة الصينية فانغ كسياوني رفع الجمهور ديوانها وبدأت القراءة الجماعية للقصيدة المختارة. كانت القاعة في حالة من النشوة، والقراءة تسير وفق إيقاع الشاعرة، لا صوت يجرح صوتها. يتعذر عليك عندها أن تميز بين طريقة الإلقاء وطريقة الغناء. نغمات اللغة الصينية تسري في العروق كأنها نشيد يصل من جميع أنحاء الصين. نشيد بألف صوت، يتجمّع بتؤدة وينْبسط. وفي حركة النهاية ارتفاع وانقطاع موحَّدان.
انتشيتُ أنا الآخر بهذا الفرح الجماعي بالقصيدة. فرح تبعثه القصائد في دقائق معدودة، مع ذلك تظل راسخة في ذاكرة الجسد. وهو الشأن نفسه مع الشاعر لاوْ يي ـ تْشينغ، من هونغ كونغ. كانت قراءته فردية، لكن كتابة القصيدة بالكانتونية والقراءة بلهجة هونغ كونغ المحلية خلق جواً من الضحك المتكرر. لم يفهم أحدٌ منا، نحن الأجانب، سبب هذا الضحك، ولا سبب تعاطف الشاعر مع الجمهور الضاحك على إثر قراءة كل كلمة أحياناً. وانتهت القراءة بتصفيق متواصل. ولما سألنا الشاعر كريس، مرشدنا الأمين، في نهاية القراءة، عن الضحك، ذكر لنا أن السبب هو الطريقة المختلفة للهونكونغيين في النطق بنفس الكلمات الصينية.
تلك القراءات الأولى تلتها قراءات ثانية، أداها كل شاعر. فكانت حرارة القاعة مرتفعة بالفرح الذي تركته القراءات بلغات، أغلبها غريب على الشبان الصينيين. إنهم يعيشون زمن الانفتاح على العالم، الانفتاح الواثق بنفسه في جميع المجالات.

6
في الليل رأينا، من بعيد، برجاً بألوان ضوئية متبدّلة، كل دقيقة أو دقيقتين. يُسمّى برج التلفزة والسياحة. بُني بين 2005 و2009. ارتفاعه يصل إلى ستمئة متر، وهو مقام بتقنية هندسية عالية. ويسمى برج بابل أيضاً لكون التلفزية تتوفر على قنوات بعدة لغات. هذا البرج رمز لما أصبحت تتوفر عليه عاصمة الجنوب الصيني من بنايات ومؤسسات تجارية وسياحية وثقافية. ألا يحق لنا أن نسأل قليلاً عما وصلت إليه الصين التي تصف نفسها دائماً بالدولة النامية؟
في اليوم التالي هيأ لنا الشاعر كريس برنامج زيارة أكاديمية عائلة تشين. قال لنا: «نحن لا نستطيع زيارة عدد كبير من المعالم، لكن كان لابد أن تزوروا معبد دافو البارحة، واليوم أكاديمية تشين». أخذنا تاكسي الذي نقلنا إلى هناك. ساحة كبيرة، أمامها سور طويل. أعلى باب المدخل كتابة سوداء فوق أرضية حمراء. وجّهنا حارس نحو شباك التذاكر. نحن هنا عند معلمة سياحية. مجموعات متلاحقة من السياح تفد. اجتزنا الحاجز. في عمق بهو المدخل جداريات من ألواح خشبية نحتت عليها أقوال تعليمية وحيوانات منها السمك والتنين. تشعر أن هذه الجداريات تلخص بجماليتها الثقافة والفنون الصينية.
هذه البناية الشاسعة نموذج للفن المعماري الصيني القديم. أقسام وأجنحة وبيوت. وفي جميع الأجنحة يعرض الأثاث الأصلي، من طاولات وقطع خزفية وأسرّة ومنحوتات مموهة بالذهب ورسوم. كما أن بعض القاعات تحولت إلى متاجر لبيع قطع وتحف فنية ومنتجات يدوية. يكفي أن تدخل إلى هذه الأكاديمية لتتعرف على ثقافة الجنوب الصيني، وتتأمل مشاريع التحديث التي اجتازتها الصين.

7
في مساء اليوم ذاته كان لنا لقاء جديد مع جمهور المهرجان في قاعة سفلية بالمكتبة نفسها. ندوة خاصة بمناقشة موضوع المهرجان، عن دور الإبداعية الجديدة في الشعر العالمي. قاعة فسيحة بمقاعد مريحة. جمهور دائماً من الشبان، ويبدو أن من بين الحاضرين عدة شعراء. مع الشاعر كريس تبدأ المناقشات بالصينية. ومرافقون للشعراء يترجمون إلى الإنجليزية ومنها إلى الصينية. حوار متشعب، الأهم ما فيه أن لكل شاعر صوته الخاص، كما كان الأمر في ندوة هونغ كونغ. هذه المناقشات تؤكد أننا في زمن مختلف عما كانت عليه الآراء والاختيارات الشعرية قبل ثلاثين سنة. الرؤية هنا ذاتية وتعتمد أسلوب وصف عمل الشاعر وما يفكر فيه بخصوص الزمن الذي يعيش فيه والعلاقة بينه وبين عمله الشعري.
هذه المناقشات الهادئة لم يطغ فيها صوت على آخر. كنت على قناعة بأن الشعراء يقدرون بعضهم بعضاً، رغم اختلاف ثقافاتهم، ورغم أن بعضهم لا يعرف بالضرورة ثقافة وشعر الآخر. أليست هذه الخلاصة هي الأسبق من سواها في جميع اللقاءات الدولية، مهرجاناً بعد مهرجان؟ في القراءات، وفي المناقشات، تتضح أسئلة الشعر الحالية عبر العالم، لأن المشاركين عادة ما يأتون من بلدان وثقافات تنتمي لجهات وحضارات متعددة، من الشرق والغرب، وتتضح قدرة الشعرية العربية على التجاوب مع الشعرية العالمية.
جذبتني المكتبة من جديد. وأثناء الجولة الموسعة، التي قمتُ بها، أمضيتُ وقتاً في أجنحة الرسم والخط والفنون الشعبية اليدوية. كانت ترافقني بائعة من موظفي المكتبة وطالبة جامعية خبيرة. وهما معاً ساعدتاني على الاطلاع على مجلدات وموسوعات خطية وفنية لفنانين أساتذة من عهود مختلفة. فضلت البداية بالموسوعات الخطية، لكنني احترت في اختيار تلك التي أبدأ بها. كل موسوعة خاصة بخطاط. فإذا كان الفن البصري هو صاحب الحظوة بين جميع الفنون الصينية القديمة، فإن الخط أو فن الكتابة، هو بالتأكيد الفن البصري الأبعد في مغامرته الجمالية. استشرت موظفة المكتبة، فاختارت بنفسها أكثر من موسوعة. ظللت لوقت طويل أتفحص جمال الأعمال الخطية وفنية الطباعة ودرجة الوفاء الرفيعة للأعمال الأصلية. ومن الخطوط انتقلت إلى مشاهدة الرسوم. كنت أشاهد الصفحات تلو الصفحات، وكل نظرة كانت تضاعف من شوق ما يختفي في الصفحات المطوية. أحسست أن أشباح الفنانين تطوف بي، وأنا أطوف حول نفسي، أسلم على كل واحد منهم، أقبّل أيديهم، وأكاد أبكي.

8
أحياناً، في غوانغ جُو، كما من قبلُ في هونغ كونغ، كنت أترك مجلد «هوينان زي» للفلاسفة التاويين جانباً، وأستعيد التأمل في طريقة ابن بطوطة في وصف الصين. كنت أجد نفسي غريباً عن طريقته. هو يفضل المقارنة بين الحياة في الصين والحياة في المغرب. ربما كانت طريقته مفيدة آنذاك. لكني لا أرى نفعاً في مثل هذه الطريقة اليوم، لأنها توجعني في الرأس. وكنت، بدلا منها، أحرص على تدوين ملاحظات مختصرة. وعندما كنت أتذكر ما في كتاب ابن بطوطة من تسجيل وقائع بدون مقارنات كنت أنتعش. هكذا أقرأ مثلاً: «وفي كل مدينة من مدن الصين مدينةٌ للمسلمين ينفردون بسُكْناها، ولهم فيها المساجدُ لإقامة الجمعيات وسواها، وهم مُعظَّمُون محترَمُون».

برج بابل الصيني
في الليل رأينا، من بعيد، برجاً بألوان ضوئية متبدّلة، كل دقيقة أو دقيقتين. يُسمّى برج التلفزة والسياحة. بُني بين 2005 و2009. ارتفاعه يصل إلى ستمئة متر، وهو مقام بتقنية هندسية عالية. ويسمى برج بابل أيضاً لكون التلفزة تتوفر على قنوات بعدة لغات. هذا البرج رمز لما أصبحت تتوفر عليه عاصمة الجنوب الصيني من بنايات ومؤسسات تجارية وسياحية وثقافية.

تأثر
أخذني جمال الأعمال الخطية والرسوم وأنا أقلب الصفحات، حتى شعرت أن أشباح الفنانين تطوف بي، وأنا أطوف حول نفسي، أسلم على كل واحد منهم، أقبّل أيديهم، وأكاد أبكي.

الشعر والصراعات
من بين ما أثار انتباهي في أعمال المعرض الفني الذي أقامه فنانون تشكيليون لأعمال مستوحاة من قصائد الشعراء المشاركين في مهرجان هونغ كونغ، الاهتمام الذي نالته قصائد كل من الفلسطينيين: غسان زقطان ونجوان درويش، والإسرائيلية أجي ميشول. هنا عثرت على مناصرين للطرفين معاً، ولا يمكن أن تمنع فناناً من التعامل مع القصائد التي اعتبرها تبعث على إنجاز عمل فني. أخص بالذكر هذين النموذجين لأنهما ربما كانا يعبّران عن بؤرة المهرجان، الذي كان موضوعه هو الشعر والصراعات، ولأن حضور الفلسطينيين كان فاعلاً في إيقاظ الوعي الفني لدى بعض الفنانين.

أكاديمية عائلية
أسست عائلة تشين هذه الأكاديمية سنة 1888 وانتهى بناؤها في 1894. وقد كان هدف السيد تشين أن يبني معبداً لحفظ ذكرى الأجداد، وأكاديمية للتعليم الصيني، توفر لأبناء الأمراء تكويناً جيّداً يؤهلهم لاستلام مهام السلطة، إلا أنها فتحت أبوابها سنة 1905 لعموم البنين والبنات. وتعرضت للإهمال بعد الثورة حتى تهدّم أغلب أقسامها وأجنحتها. وفي بداية الثمانينيات قامت الدولة بالشروع في ترميمها، وتحولت سنة 1988 إلى متحف للفنون الشعبية. خلال الزيارة شاهدنا أعمالاً جديدة للترميم. هذه البناية الشاسعة نموذج للفن المعماري الصيني القديم.

اقرأ أيضا