الاتحاد

دنيا

محمد الخالدي: استفدت كثيراً من توجيهات الشيخ زايد في عملي ولهذا السبب أطلق عليّ «راعي الفهدة»

أنقذ ابنة الحاكم العام المصري لقطاع غزة من الموت غرقا، فكان ذلك سببا في تغيير مجرى حياته، وانتهى به الأمر ليصبح المصور الخاص للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وشهد معه الكثير من الأحداث العظام منذ بدايات تأسيس الدولة. فكان نصيبه في الحياة رائعا كونه -كما يقول- المصور الخاص للشيخ زايد رحمه الله، فذلك أجمل ما حدث في حياته. إنه محمد موسى الخالدي “أبو راكان” المصور الخاص للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، باني نهضة الإمارات وإنسانها.
عالم التصوير
عن علاقته بعالم التصوير، يقول الخالدي:” في ستينات القرن الماضي، كنت أمارس الرسم في غزة، وكان لدي معرض خاص بتلك الرسومات، آنذاك كان الفريق أول يوسف عبدالله العجرودي الحاكم العام لقطاع غزة من قبل الإدارة المصرية في زيارة إلى أحد شواطئ غزة، وتعرضت ابنته (14 سنة) للغرق، وقمت بإنقاذها بشكل تلقائي، وعلى إثر هذه الواقعة، تعرفت إليه وصار حديث بيني وبينه، وعلم أن لدي معرضاً في المدرسة الثانوية، فقام بافتتاحه، ثم شجعني على تنمية تلك الموهبة، وساعدني في التقدم إلى كلية الفنون التطبيقية في مصر- قسم التصوير السينمائي، وأتاح لي الترشح ضمن 212 طالبا فلسطينيا تقدموا للالتحاق بهذه الكلية، ونجحت وزميل واحد فقط ضمن هذا العدد الكبير من الطلبة”.
سوريا والأردن
وتابع قائلا: استمرت الدراسة 5 سنوات وانتهت بتخرجي وحصولي على ترتيب السابع بين الخريجين، وذهبت من بعد ذلك إلى سوريا للعمل كمصور في مكتب الأمم المتحدة على أن أُبتعث إلى افريقيا للعمل هناك، ولكن قبل السفر بأيام قلائل، قام مدير مؤسسة التليفزيون الأردني حينذاك محمد كمال، بالاتصال بي وأخبرني بأنه تم ترشيحي للعمل لديهم لأنه وقع الاختيار علي لأكون المصور الخاص للملك حسين بن طلال -رحمه الله- وكان ذلك في عام 1969”. واستطرد الخالدي “على الرغم من صعوبة المهمة، وافقت على الفور لأنها تعتبر تشريف لأي إنسان أن يرافق الملوك ويقترب منهم، وبالفعل رافقت الملك في أوقات عصيبة، منها ذهابه إلى ميدان العمليات أثناء تبادل إطلاق النار مع الجيش الإسرائيلي في نهاية عام 1969، لرفع الروح المعنوية لجنوده كما لازمته في أحداث أيلول الأسود عام 1970”.
أفلام وثائقية
يذكر الخالدي، أن فترة عمله في الأردن، شهدت إنجازه أفلاما وثائقية عن سلاح الهندسة الملكي، وعن التصحر، وشارك في مهرجان برلين للأفلام الوثائقية وفاز بالجائزة الذهبية. يقول في ذلك: “قمت كذلك بتصوير بعض المسلسلات والأفلام للتليفزيون الأردني، إلى أن وقع علي الاختيار للعمل في أبوظبي في نهاية عام 1970، بناء على ترشيح من مدير الإذاعة والتليفزيون في أبوظبي آنذاك الدكتور عمر الخطيب. وكانت بداية عملي في أول يوم لوصولي أبوظبي تغطية إحدى الفعاليات التراثية التي كان يحضرها المغفور له الشيخ زايد، ومعه عديد من الحكام والشيوخ”.
ترتسم على وجه الخالدي ملامح الحزن ويقول: “حين رآني الشيخ زايد لأول مرة حاملا كاميرتي، دعاني ورحب بي قائلا “أنت بين أهلك وناسك”، وكان لهذا الاستقبال والابتسامة البشوشة منه رحمه الله مفعول السحر علي”.
ذكريات لاتنسى
كان لدى المغفور له الشيخ زايد نظرة ثاقبة وقدرة على فهم أعماق المحيطين به وطبيعة عملهم، وربما يرجع هذا إلى خبرته الطويلة، وصفاء الذهن غير الطبيعي الذي كان يتمتع به. ويضيف الخالدي: “كان الشيخ زايد يقوم بإعطائي توجيهات وملاحظات أثناء قيامي بالتصوير، تسهم في جعل العمل الذي أقوم به على مستوى أعلى وجودة أفضل. وأذكر أن أولى رحلاتي مع الشيخ زايد، بينت تلك الموهبة الفطرية لديه -رحمه الله- في فهم مجريات الأمور التي تدور حوله، وكذا خصائص الأعمال التي يقوم بها الآخرون، ففي إحدى رحلاته مع أبنائه من مدينة العين إلى الخزنة ضمن قافلة جمال، طلب مني الجلوس إلى جواره في سيارته “اللاندروفر” وأخذ يوجهني إلى تصوير القافلة من الزوايا التي يحددها لي، وكذلك من فوق بعض الكثبان الرملية، التي تمر قافلة الجمال من بينها” يسترسل الخالدي في ذكرياته ويقول: “شهدت تلك الرحلة بداية الألفة الكبيرة بين المغفور له الشيخ زايد وبيني، كما كان بالنسبة لي مثل أعلى في التعامل مع المشهد والصورة إذ كان يطلب مني التصوير بهدوء وروية، وأخذ المشهد من كافة الزوايا حتى يكون عملي أشبه برصد حقيقي للواقع أو الحدث الذي يتم تصويره، كما كان يترك لي مساحة كبيرة من الحرية والنقاش، ويمنحني الثقة فيما أقوم به، لكي يخرج العمل بشكل رائع”.
سيرة الخير
في ذات السياق أكد الخالدي “ان الشيخ زايد كان يعرف الأعمال التي أقوم بتصويرها حين تعرض في التلفزيون، لأنني تأثرت برؤيته الخاصة على مدى سنوات طوال. ومن أهم تلك الأعمال، الفيلم الوثائقي”فرح من البادية” الذي يصور الطرق القديمة وكيف كان انتقالهم من منطقة لأخرى، وكيف كانوا يرتحلون، أو يستريحون، وقد دخل الفيلم مهرجان القاهرة السينمائي في بداية السبعينات وحصل على إحدى الجوائز. فضلا عن فيلم “سيرة الخير” عام 1974، وفيه تم رصد إنجازات الشيخ زايد واشترك في مهرجان “شاليمار” في باكستان بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي بمشاركة 50 دولة، وفاز الفيلم بالمركز الرابع من بين أكثر من 50 فيلما من مختلف دول العالم الإسلامي”.
أحبّ الصور
لفت الخالدي إلى أفضل أوقات التصوير المحببة لدى الشيخ زايد، قائلا: “كان رحمه الله يفضل التصوير مع أول ظهور لأشعة الشمس، حيث قطعان الماشية أو الإبل تسير أو تركض، وكذلك في موسم الزراعة حيث تتعدد الألوان، بين أخضر وأحمر وأصفر خاصة في موسم الرطب”.
وعن أحب الصور إلى قلبه رحمه الله، يقول: “كانت أعز الصور لديه تلك التي ترصد مشاريع الإعمار المختلفة والنهضة في الدولة، مثل المشروعات العمرانية والزراعية وتسوية الأراضي، وإقامة السدود، والأخيرة بالتحديد مثلت له أهمية خاصة حيث أمر بإنشاء 169 سدا في الإمارات الشمالية، وكان يتابع مراحل إنشاء هذه السدود من خلال التصوير، وبناء على ما يرد إليه من صور، وكذلك زياراته الميدانية وبذا يصدر التعليمات للمسؤولين. فحبه لهذه السدود يرجع إلى أنها وفرت خدمة هائلة لشريحة كبير من المواطنين، بحيث زادت المياه الجوفية وزادت نسبة الطمي، واستفاد الناس منها في الزراعة وجريان المياه في الأودية، وكان تصوير تلك السدود وهي مليئة بالمياه من أكثر ما كان يدخل البهجة على نفسه رحمه الله”.
ويشير الخالدي إلى أن الشيخ زايد رحمه الله “كان دائم السؤال عن إحداثيات المشروعات المختلفة، خاصة فيما يتعلق بالشعبيات والمزارع، ويسأل عن طلبات السكان في المناطق المختلفة واحتياجاتهم، وما يتمنون إقامته من مشاريع، وعلى الفور يقوم بإصدار تعليمات بتنفيذ ما يريه الناس”.
برلمان مصغر
يعود الخالدي بذكرياته إلى الرياضة التراثية (رحلات المقناص) التي كان يقوم بها الشيخ زايد، ويقول: “كانت بمثابة برلمان مصغر، حيث كان يجمع رحمه الله فيها أفراداً من كل القبائل، ومن خلال حواراتهم، ومناقشاتهم، كان يتم تداول أفكار واقتراحات تتبلور في النهاية إلى قرارات تخدم الوطن والمواطن، ومنها بدأ عمل الأعراس الجماعية، والإسكان الشعبي.
ومن أطرف ما يذكره الخالدي عن رحلات المقناص، هو قيامه شخصيا باصطياد فهد حيا وهو عاري اليدين في إحدى أحراش باكستان، بصحبة الشيخ زايد، وهو ما حدا بالمغفور له إلى إطلاق لقب “راعي الفهدة” على الخالدي. وكذلك قتله لإحدى أسماك القرش خلال قيامه بالتصوير تحت الماء في جزيرة “جرين العيش” التي تبعد عن أبوظبي حوالي 80 كيلو مترا”.
أما عن رحلات المقناص الخارجية للمغفور له، فيقول الخالدي: “كانت تحمل الخير الكثير للبلدان التي كان يمارس فيها رحمه الله هوايته المحببة “القنص”، حيث كان يأمر بتوزيع الأغذية والملابس على سكان المناطق الفقيرة في تلك الدول، كدأبه دائما وحبه للعطاء الذي امتد إلى كل بقعة من بقاع الأرض”

اقرأ أيضا