الاتحاد

دنيا

تعلَّمنا من ماضينا كي نبلور مستقبلاً مشرقاً

تعيش دولة الإمارات اليوم فرح الاحتفال بعيدها الوطني الثامن والثلاثين، وهو فرح يتمدد في العيون نحو السماء كالشجرة الوارفة التي تتفرع عنها أفراح عديدة، تتعانق مع كل ما حملته هذه الأرض الطيبة من تاريخ وتراث إنساني عريق، ومنجز حضاري مصحوب بزخم ثقافي، وتقدم عمراني مذهل، نتج عن نمو اقتصادي وتطور تقني هائل، شهدته سائر القطاعات والمؤسسات الأهلية والرسمية، وفي ظل هذا المشهد لابد من الإمساك بعجلة الزمن وإعادتها للوراء قليلا من أجل تأملها، عبر استجلاء حقيقة ما حدث ويحدث اليوم، وسيحدث في الغد، ألم يقل باني نهضة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: “طيب الله ثراه”: “ما الحاضر إلا امتداد للماضي، ومن لا يعرف ماضيه، لا يستطيع أن يعيش حاضره ومستقبله”•
للإمارات أكثر من عيدين
يرى سعادة سعيد محمد الكندي الرئيس السابق للمجلس الوطني الاتحادي، أن القيادات في كل الإمارات توفقت، من دون أدنى شك، بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في دمج الإمارات تحت راية واحدة ورئاسة واحدة، فرفعت من مستوى الدولة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تطور وازدهار. ويلفت إلى تعاون الجميع في الإمارات لإيصال هذه الأمانة إلى مزيد من الوحدة والتطور.
ويشدّد على أهمية التعليم في الإمارات بعد الاتحاد، وإن كان قد بدأ منذ نحو ستين سنة، إنما تم التركيز عليه مع قيام الدولة. ويرى أن من أهم ما حققه الاتحاد هو تعليم الإنسان، مشيراً إلى أنه لم يعاصر زمن الغوص للبحث عن محارات اللؤلؤ، وأن الحياة باتت أسهل، وقد تطورت لأن الدولة استفادت من النفط المكتشف في أراضيها لتستثمر في الإنسان وعلمه.
ويقول:”إن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن نهيان، هو زايد في اسمه وفي فعله، بحيث زاد على المنطقة خيره وسعادته، وبذل الجهود الكثيرة ليصل إلى قيادات عربية في سبيل التعاون مع الجيران، ونشر الألفة والمحبة مع الدول المجاورة”.
ويتذكر الكندي أول عيد وطني بعد سنة واحدة على الاتحاد، مشيراً إلى أن الاحتفالية به كانت تمتد لثلاثة أيام في السابق لضرورة ترسيخ الفكرة، وهي اليوم تقتصر على يومين بعد أن ترسخ مفهوم الاتحاد.
كرنفالات ومسيرات وعروض عسكرية
من جانبه يروي الباحث عبيد بن صندل عن مراحل التوحيد وربط الإمارات فيما بينها، وما كان من دعم لهذه المسيرة من مشايخ الإمارات كافة، فبات لها علم واحد ودولة واحدة، بعد أن كان لكل إمارة علمها ورمزها.
ويشير إلى أن حياة الشعب الإماراتي تغيّرت كثيراً، وكان هذا التغيير تطوراً نحو الأفضل، وقد ولى شظف العيش فبات كل المواطنين، من سكان الجبال أو الصحراء أو الشواطئ بحال أفضل مع تغير سبل العيش وتقديم الدعم لهم، هذا لجهة حياة الناس وظروفهم، أما لجهة الحياة العامة، فقد شهدت الإمارات بعد توحيدها تشكيل وتأسيس ونمو مؤسسات بات لها دور فاعل في مسيرة الدولة، ومنها مؤسسات الشرطة والجيش. ويقول: “كانت جهود الإمارات السبع قبل التوحيد مبعثرة فوحّد الاتحاد هذه الجهود”.
ويستذكر العيد الأول للاتحاد، الذي شهد المسيرات والكرنفالات في إمارة أبوظبي. وقد شارك بنفسه، من موقعه في وزارة الشباب والرياضة آنذاك، بجمع الشباب وتنظيم المسيرات لعدة سنوات في عيد الاتحاد.
تكاتف الجميع وولد الاتحاد
مؤسس مدارس النهضة الوطنية سعيد عبد الله الجنيبي يقول: “لقد عاصرنا المرحلة التي كانت فيها كل إمارة مستقلة لوحدها، والله يرحمه الشيخ زايد بذل الجهد من أجل أن تتوحد الإمارات، وكان هناك سعي في البدايات لضم قطر والبحرين، ومن ثم اقتصر على الإمارات السبع، مع العلم أن رأس الخيمة انضمت بعد عام على الاتحاد”.
ويرى الجنيبي أن الإمارات تمكنت من تشكيل هذا النموذج، وعناصره التوحيد أولاً، وارتفاع مستوى الدخل وتأمين البنية التحتية وعمران وتطور لم يشهد له العالم مثيلاً، في هذه السرعة.
ويعتبر أن لو اقتدت كل الدول العربية بالنموذج الإماراتي لأصبحت متكاملة الأركان بالتعاون والتعاضد فيما بينها.
ويسوق هذا النموذج إلى أمثلة عايشناها اليوم، لدى الكارثة الاقتصادية العالمية، حيث إن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آلا نهيان، حفظه الله، أكمل المسيرة وتمكن بالتعاون والتكاتف الإماراتيين من تخطي هذه الأزمة. ويرى الجنيبي، أن يدا واحدة لا تصفق، وأن تشكل الاتحاد جعل من الإمارات دولة واحدة.
ويستذكر الجنيبي الاحتفاليات الأولى بعيد الاتحاد، مشيراً إلى أنه كان يدرس في الكويت، لكنَّه كان يتردد أكثر من مرة في السنة إلى الإمارات، ما أتاح له متابعة مجريات الأحداث، وبعد أن كانت الاحتفاليات مقتصرة على المباركات للشيوخ، تبلورت فيما بعد بالعروض العسكرية للجيش والعروض الشعبية، وراجت عادة نشر الزينة والفرح بالعيد.
مذياع المقهى يعلن قيام الاتحاد
يحيى محمد أحمد، صاحب أحد أقدم مقاهي الشارقة في سوق العرصة، يقول: “من هذا المقهى وعلى هذه المقاعد تابع سكان الشارقة تفاصيل قيام الاتحاد، فتبادلوا التهاني والتبريكات بقيامه، لما كان للمقهى في الماضي من أهمية كبيرة في حياة الناس، حيث كان يمثل مذياعها الرابط الوحيد بمجريات الأحداث في العالم، كما أنها الملتقى الذي يتناقش فيه الناس ويتبادلون الأخبار، وقد ورثت القهوة من والدي الذي نقل لي تفاصيل الحياة ومجرياتها في الماضي وبفعل احتكاكي المباشر مع رواد القهوة الذين تتراوح أعمارهم بين الخمسين والسبعين عاما فقد عايشت معهم أحداث الماضي المؤثرة، وما كانوا يعانونه قبل الاتحاد من فقر وتعب وكيف كانوا يكابدون مشاق السفر والغربة لتأمين لقمة العيش، وكيف كانت الإمارات صحراء قاحلة خالية من الخدمات، حتى إنها كانت تنتظر العون والمساعدة من الدول الأخرى، واليوم وبعد قيام الاتحاد أصبحنا في أفضل حال، بفضل الله وجهود المغفور له الشيخ زايد الذي واجه كل المصاعب والتحديات لتوسعة المناطق الخضراء في ربوع بلادنا.
الماضي في مهب التذكار
يضيف يحيى: “عادة ما يتذكر رواد المقهى في جلساتهم الزمن الماضي بكل ما يحمله من محاسن ومساوئ وأفراح وأحزان، فيستذكرون فيما بينهم قصص رحلات الغوص والشقاء الذي كانوا يتعرضون له في تلك الرحلات الممتدة لمدة أربعة أشهر عرض البحر الذي لم يرحمهم وهم وحدهم، وقد فارقوا الأهل والأصدقاء وتخلوا عن الأحياء والفرجان، هؤلاء الرجال تلمس من الحديث معهم استشعارهم بالنعمة التي يعيشونها هم وأبناؤهم اليوم، بعدما تخلصوا من مشاق تلك الحياة الصعبة، وأصبحوا يدينون بالفضل للدولة وما أمنته من خير عميم، ففي المقهى يتعرف المرء إلى بركة ذلك الجيل السابق الذي لم يكن يعرف غير الخير نهجا، الجيل الذي اعتبر الاتحاد والنفط مكافأة من الله على صبر شعب الإمارات وتحملهم للمشاق في الزمن السابق.
أمَّا المواطن سعيد خلفان المرّي فيقول، وهو ينتشي متذكرا تلك الأيام: “عندما تم تأسيس الاتحاد على يد المغفور له الشيخ زايد وحكام الإمارات آنذاك، شهدنا الخير ورأيناه بأم أعيننا بعد أن كنا نشقى في حياة البحر لجلب صندوق من السمك لم تكن تتعدى قيمته مئة وخمسين درهماً، ولم يكن بيعه وتصريفه بالأمر السهل، حيث كنت أمتلك حينها قاربا للصيد، أعتاش منه بعد أن انهارت تجارة اللؤلؤ بسبب غزو اللؤلؤ الياباني الصناعي للأسواق”.
يسترسل المرّي في حديثه قائلا: “نحن الآن مرتاحون في تقاعدنا ولا نزال نتذكر الشيخ زايد رحمه الله، كل يوم، كيف لا؟ وقد كان لنا بمثابة الشجرة العظيمة الوارفة التي غطت وظللت الجميع مواطنين ومقيمين وزورا لهذا البلد الطيب المضياف، ونحمد الله أن كل شيوخ الإمارات الكرام قد ساروا على نهجه الجميل، فلم يتوانوا عن توفير كل صغيرة وكبيرة لأبناء شعبهم الذين يعتبرون كأبنائهم، ولهذا نحن ندعو للشيخ زايد، ولكل شيوخ الإمارات في كل صلاة منذ تلك الأيام حتى يومنا هذا، فقد تبدلت أحوالنا على أيديهم بعد حياة القحط والشقاء والمعاناة من أجل تأمين لقمة العيش وأبسط متطلبات الحياة، وأصبحنا نعيش اليوم حياة الرخاء والرغد وأيدينا مبسوطة بالخيرات والنعم بعدما كانت مغلولة على الخواء.
لحظات تاريخية قلبت الموازين
من جهته المواطن خلفان ابراهيم علي يقول: “في هذه المناسبة العزيزة على قلوبنا جميعاً، ما تزال كلمات الشيخ زايد تصدح في آذاننا، وهو يعلن قيام الاتحاد، كما لا تغيب عن ذاكرتنا تفاصيل انبثاق الاتحاد، نحن الجيل الذي عاصر قيام الاتحاد وشهد النقلة النوعية للدولة، ولا ننسى أيضا المبادرة الأولى عام 1986م عندما عقد سموه اجتماعاً في السمحة بين أبوظبي ودبي، مع أخيه المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حيث تم بعده الإعلان عن اتحاد يضم الإمارتين كنواة حية لاتحاد أكبر وأشمل، وما أن جاءت نهاية العام 1971م حتى كان الإعلان التاريخي عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، والبدء بسريان مفعول الدستور المؤقت وانتخاب سموه رحمه الله رئيساً للاتحاد آنذاك”.
الاتحاد سعادة وأمان للجييع
على صعيد آخر يقول المواطن ناصر عبدالرحمن سالم: “الاتحاد يعني السعادة للجميع، وهذا ما أثبتته السنوات الثماني والثلاثون من عمره المديد، ومن خلال قدرته الكبيرة على تحقيق التقدم والأمان الذي عم أرجاء الدولة، حيث لا يخفى على أحد من الناس ما كان ينشب بين بعض الإمارات في السابق من حروب ومناوشات، فضلا عن عدم وجود الأمن الذي عززه الاتحاد لتصبح دولة الإمارات من أكثر الدول أمانا في العالم، لقد كان الاتحاد غاية الجميع، فرغم فرقتنا في السابق، إلا انه على مر الأزمان كان يجمعنا أصل واحد ودين حنيف لا ثاني له، وتراث أصيل عربي”

اقرأ أيضا