سيف سعيد غباش* هل يمكن اعتبار التنوع الثقافي في المجتمع الواحد عائقاً أمام التنمية أم أنها إحدى المميزات التي يمكن الاستفادة منها في وضع خطط النمو والتقدم؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن والانسجام داخل المجتمعات التي تتسم بالزخم في خلفياتها الثقافية؟ ترى منظمة اليونسكو أن ثلاثة أرباع الصراعات الدموية في العالم لها أبعاد ثقافية، أو بمعنى أدق كانت مسبباتها مرتبطة بهيمنة ثقافة على أخرى، فقد رأينا كيف اندلعت الحروب والنزاعات الدولية حولنا لتبتلع ثقافات بأكملها وتمزّق النسيج الإنساني كاملاً وتتركه مهلهلاً بالخروق، فالانتصار لوجهة نظر أحادية لا يشوّه الوجود الإنساني المادي وحده، بل يصيب العمق الروحي والفكري للبشرية جمعاء بأعطاب بالغة. تتيح التكنولوجيا المتقدمة ووسائل الاتصال الحديثة إمكانيات مذهلة لرتق جروح الإنسانية وتجبير كسورها، وتلافي الوقوع في أكثر خيباتها تدميراً؛ الحروب. لكن هذه الوسائل لا تنجح من دون التسليم بالتنوع الثقافي والخيارات التي يتيحها في البلد الواحد، والعمل على تجسير الهوة بينها من خلال التحاور الدائم، وتحقيق التوازن بتمكين كل المكونات الثقافية من الظهور على سطح المجتمع بشكل متساوي من دون طبقية اجتماعية أو فوقية، فالتنوع الثقافي قوة محركة للتنمية حينما تتوفر خطط عملية مدروسة لمشاركة الأفراد بشكل متساوي، بما يحقق التكامل الفكري والعاطفي والمعنوي والروحي للجميع على حد سواء. في كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية في 21 مايو، كجزء من التزامات المجتمع الدولي تجاه خطة التنمية المستدامة لعام 2030، غير أن الأمر أكبر من ذلك، فتوفير الأجواء المواتية للإندماج الثقافي ودعم التعابير الإبداعية أصبح أكثر إلحاحاً مع تبلور فكرة العولمة، والتي تحقق انسجاماً عالمياً غير مسبوقاً، وفي نفس الوقت قد تتسبب في طمس هويات صغيرة أو مجتمعات لها هوية مميزة أو تراثاً خاصاً، بما في ذلك أساليب الحياة والمعتقدات والتقاليد ونظم القيم والفنون والآداب وأيضاً اللغات النادرة. إن التحدي الذي يجب أن تلتفت له الخطط التنفيذية لإدارة المشاريع الثقافية المتعلقة بالمجتمعات التي تتميز بالتعدية الثقافية، هو تحقيق التوازن الذي يضمن ممارسة عادلة لكل الأطياف الثقافية التي تتعايش في نسيج اجتماعي واحد، أو تأتي من خلفيات ثقافية متنوعة. منذ تأسيس دولة الإمارات على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كانت مبادئ القبول الآخر والتسامح واضحة لتحقيق الاستقرار في بلد يرحب بشعوب العالم على أرضه، وتقدم لهم أسباب الرخاء والأمان على قدم المساواة مع المواطنين، مع إعطاء قيمة خاصة لإنسان المكان بحفظ تراثه الغني على تنوعه، وضمان ممارسات يومية منصفة لهذا التراث في بيئاته المختلفة. إذا كان التعليم أحد أهم الأدوات التي مكنت من بلورة مسيرة اتحاد الإمارات، فإن تمكين كل أطياف المجتمع الإماراتي من التعليم جعل عملية تأسيس الدولة أكثر سلاسة وقوة طبعاً. فقد ضمن التعليم النظامي في كل إمارات الدولة تكوين وعي جمعي بأهمية الاتحاد أولاً بالنسبة لكل فرد، وأهمية أن يكون لكل التراث الثقافي المحلي حيز للممارسة، سواء المرتبط بثقافة البحر أو الصحراء أو الجبال أو الواحات، وأيضاً استيعاب تلك الثقافات المعاصرة التي نمت وتكونت في المدن التي اتسعت لتستوعب ثقافات قادمة من بلدان أخرى، في مزيج مذهل من التجارب الإنسانية التي تتوافق على التعايش معاً. هذا الواقع ينتج لا محالة خيارات متعددة للأفراد ليس للنمو الشخصي فقط، بل أيضاً للابتكار والإبداع وتطوير أفكار ومشاريع ومبادرات تلبي أذواق واهتمامات وحاجات هذا المجتمع المتنوع، وتنمح لكل منهم صوتاً خاصاً. ولا ننسى طبعاً أن تطوير اقتصاد قائم على المعرفة يأتي من تحضير النسيج الثقافي المتنوع للمشاركة الفاعلة في عمليات التنمية، وتكوين حاضنات آمنة وتشجع على الابتكار لكل الأفراد القادمين من خلفيات ثقافية متباينة، وإعطائهم المساحة الرحبة للتعبير عن الممارسات التي ترتبط بتكوينهم الروحي والعاطفي دون الخوف من المختلف، فطالما كان الاختلاف قوة لاختراق المستحيل.