الاتحاد

الاقتصادي

“أبوظبي للأوراق المالية”.. منشأة اقتصادية انطلقت بـ25 مواطناً إلى آفاق “احتراف إدارة التحديات”

موظفون في سوق أبوظبي حيث يشغل مواطنو الدولة مناصب إدارية في الصفوف الأولى والثانية

موظفون في سوق أبوظبي حيث يشغل مواطنو الدولة مناصب إدارية في الصفوف الأولى والثانية

على تقاطع شارعي “المرور مع حمدان” وفي قلب الوسط التجاري لإمارة أبوظبي الذي برز قبل عقود، بدأت قصة منشأة اقتصادية “إماراتية الصنع” قبل تسعة أعوام، سطرتها جهود 25 مواطناً ومواطنة استجابوا بسرعة لقرار سام يقضي بتأسيس سوق للأوراق المالية في العاصمة بموجب القانون المحلي رقم 3 لسنة 2000.
قرع أول جرس للتداول في أبوظبي يوم 15 نوفمبر من عام 2000 في مقر مؤقت يقع على تقاطع شارعي “النجدة مع حمدان”، ولفترة كان مخططاً لها أن لا تتجاوز أكثر من خمسة أشهر، ريثما ينتهي الإعداد للمقر القائم حالياً، واللذان تفصلهما مسافة 10 دقائق سيراً على الأقدام، حيث بدأت عملياته فعلياً في مارس من عام 2001.
وبعد مرور 9 سنوات على هذا الحدث التاريخي، ما يزال موظفو سوق أبوظبي المؤسسون يستذكرون تلك اللحظات التي اعتبروها مصدر فخر وشهادة لقدراتهم على “احتراف إدارة التحديات”.
“الاتحاد” تجولت في أروقة السوق عشية اليوم الوطني لاتحاد دولة الإمارات، لاستنباط وميض تلك الذكريات التي كانت مشعة في عيون أصحابها وتحلق في جو مكتبي تملأه روح الأسرة الواحدة.

الخطوات الأولى
تستذكر حنان أحمد المنصور التي تشغل منصب مدير قسم التعويضات والفوائد والتدريب والتطوير بالإنابة في إدارة الموارد البشرية خطواتها الأولى في إنشاء “صرح العاصمة الاقتصادي”، قائلة “كنا حديثي التخرج، وما أن صدر القانون القاضي بتأسيس سوق أبوظبي، حتى سارعت غرفة تجارة وصناعة أبوظبي في مارس من عام 2000 لاحتضاننا وتدريبنا”.
وأضافت “تشكل المتدربون في مجموعة مؤلفة من 25 شاباً وشابة من مواطني الدولة، والتحقنا ببرنامج مهني مكثف أطلق عليه اسم برنامج “جواز عمل”، وتضيف المنصور “اليوم، أغلب أفراد تلك المجموعة ما تزال على رأس عملها في السوق”.
“كانت تتداول في السوق وقتذاك، أسهم 15 شركة مساهمة عامة، وكان إقبال كبار المستثمرين ضعيفاً، ففكرة التحول إلى التداول الإلكتروني، ومتابعة الأسعار على الشاشة ضرب من الغرابة، والتي كانت كفيلة بعزوف كبار ملاك الأسهم عن خوض التجربة”، بحسب يحيى سالم السليماني مدير قسم أفرع السوق في إدارة المقاصة والتسوية والإيداع والتسجيل.
وأضاف السليماني بأن ثقافة المجتمع الإماراتي حول تجارة الأسهم في ذلك الوقت تنحصر في إطار إصدار أوامر البيع والشراء من خلال أوراق وعقود، وكان التحدي بالنسبة لنا في تغيير هذه الثقافة ليتقبلها المستثمرون باعتبارها أوامر إلكترونية.
وقال “عمدنا إلى تنظيم جلسات توجيه وتوعية لكبار المستثمرين، وأعتقد أن هذه الجهود آتت أكلها في وقت قصير، ولا أنكر دور الصحافة التي لعبت دوراً مسانداً في تنمية ثقافة الاستثمار في الدولة”.
وتؤكد فاطمة المهيري مديرة التوعية والفعاليات في السوق على أهمية الصحافة في الوقوف وراء العملية التوعوية والتثقيفية لثقافة الاستثمار في السوق المالي.
وقالت المهيري “وظيفتي في السوق وفرت لي ولزملائي أجواء الاحتكاك بشريحة كبيرة من الصحفيين، ومختلف فئات المجتمع، كما وفرت لنا فرص بناء الخبرات، والتطور في العمل”.
وأضافت “الخبرة التي اكتسبناها على أرض الواقع دفعتنا إلى خوض حقول من المعرفة لم نعهدها من قبل”.

شفافية وسرية
وفي سبيل الشفافية وإضفاء جو من المصداقية في العمل، يتابع السليماني “قمنا ببيع جميع أسهمنا التي نمتلكها في الشركات المساهمة العامة القائمة في الدولة”، وأضاف “هي تسع سنوات بنظر البعض، ولكنها تعادل أضعافاً مضاعفة لعمرنا المهني الذي قضيناه سوية”.
ومن المكتب المجاور في القسم ذاته، يقول زميل السليماني، محمد حارب المهيري مدير قسم التسوية والمدفوعات في إدارة المقاصة والتسوية والإيداع والتسجيل “منحت إدارة المقاصة والتسوية اهتماماً خاصاً عند إطلاق السوق، حيث انحصر الاهتمام فيها خلال ذلك الوقت بتعيين مواطني الدولة فيها، لما تمثله من أهمية في سرية الحفاظ على المعلومات المتوافرة.
وأضاف المهيري الذي تدرج في وظيفته من ضابط للتسوية والمدفوعات بدءاً من عام 2000 إلى مدير قسم في الوقت الراهن “نحن نعمل في بهذا القسم على اطلاع كامل بسجلات الشركات المساهمة العامة، وجميع أطراف العملية الاستثمارية”.
وزاد “كانت فكرة تأسيس السوق تحدياً لأنفسنا بحد ذاتها”.
من جانبه، يتطرق سيف صياح المنصوري رئيس إدارة الشؤون المالية والإدارية في السوق، إلى بدايات السوق ليقول “فكرة تأسيس سوق مالي كانت بحد ذاتها أمراً جديداً وجوهرياً ونوعياً، والتحدي الثاني كان بوجود الخريجين الجدد الذي أخذوا على عاتقهم هذا الحمل الثقيل”.
وأضاف “بدأنا نشعر الفرق ونتلمسه بنجاحنا بعد 9 سنوات من التأسيس، وهو ما يدفعني إلى استذكار ما قاله المغفور له الشيخ زايد بن سلطان بأن “بناء الرجال أصعب من بناء المصانع”.

مواجهة التحديات
من جهته، قال راشد البلوشي نائب الرئيس التنفيذي لسوق أبوظبي للأوراق المالية “تمكنا من مواجهة التحديات من خلال فريق محترف، في توجه يعكس جلد ومثابرة وتكامل الموظفين والعاملين في وجه المهام والأهداف الصعبة والطموحة”.
وأضاف البلوشي بأن “النجاح الذي حققته السوق خلال سنوات عملها يعد الدليل الأكبر على كفاءة وجدارة الشباب المواطن الذي استفاد بالخبرات والتجارب والأفكار الخارجية، واستطاع في فترة وجيزة خلق كيان يعد القدوة حالياً في كثير من الأسواق الناشئة وفي مختلف من بلدان العالم”.
وأضاف البلوشي «إن سوق أبوظبي للأوراق المالية مرت قبل عامين بمرحلة إعادة الهيكلة، حيث تم إعادة توزيع المهام لتواكب خطط واستراتيجيات التطوير»، مشيراً إلى أن إدارة السوق عملت خلال تلك المرحلة على إعداد خطط لتدريب العاملين على مهنة الوساطة من الناحية التقنية والعلمية، فضلاً عن تدريب طلاب الجامعات، للوصول إلي مرحلة وجود شباب مواطن ذي كفاءة عالية وخبرة، قادر على الارتقاء بمهنة الوساطة.
ونوه بأن سوق أبوظبي تعمل في الوقت الراهن بالتنسيق مع هيئة الأوراق المالية والسلع على إعداد كوادر وطنية تعمل خلال المرحلة المقبلة على قيادة الأسواق المالية بالدولة بالطرق المهنية والمتعارف إليها في الأسواق المالية العريقة.
وقال البلوشي “استعنا ببعض الأسواق الناشئة بالخبرة الموجودة في سوق أبوظبي مثل سوق العراق للأوراق المالية، معتقداً بأن سوق أبوظبي أصبحت علامة مميزة في الأسواق الناشئة فهو الأول بين تلك الأسواق في استقطاب الاستثمارات إلى جانب احتلاله مكانة متميزة في قائمة الأسواق الناشئة في مجال التدقيق على التداولات، مشيراً إلى أن هناك عوامل عدة جعلت من سوق أبوظبي عضواً فعالاً في كثير من المؤسسات المالية الإقليمية والعالمية، ومنها بالقطع اتحاد البورصات العالمية والعربية”.
وأضاف البلوشي أن “حكومة أبوظبي وضعت خططاً طموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية حتي عام 2030، وأن سوق أبوظبي للأوراق المالية كانت في قلب تلك الخطط والطموحات بسبب الدور المتعاظم الذي تقوم به في عملية البناء الاقتصادي عبر توجيه المدخرات وجذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع الأنشطة الاقتصادية من خلال إتاحة فرص استثمارية متنوعة، مما يؤكد زيادة الأهداف ومضاعفة المسؤوليات لما لذلك من انعكاسات مباشرة على ما تحققه أبوظبي من تقدم ونمو ورفع لمستويات معيشة الأفراد من المواطنين والمقيمين”.
جهود التوطين
وبين الأمس والحاضر، وفي ظل الجهود التي قام بها مواطنو الدولة للنهوض بسوق أبوظبي للأوراق المالية منذ البداية، فإن هواجس توطين الوظائف لا تندرج ضمن قائمة التحديات بالنسبة لإدارة الموارد البشرية في السوق.
وقال ثاني مطر الرميثي رئيس إدارة تطوير الموارد البشرية، “عندما تسلمت مهامي في السوق خلال عام 2008، لم يكن التوطين نقطة تحد بالنسبة لي”، وبلغت نسبة المواطنين من إجمالي عدد موظفي السوق نحو 70% من أصل 138 موظفاً في الوقت الحالي، بحسب الرميثي.
وأضاف “كانت نسبة التوطين مشجعة بالنسبة لي، حيث شكل قاعدة أساسية للعمل في السوق”، وبلغت نسبة التوطين في فروع السوق الستة المنتشرة في الدولة 100%، وفي الوقت ذاته بلغت نسبة مساهمة المرأة المواطنة 40%.
وأشار الرميثي إلى أن بعضاً من موظفي السوق حصلوا على عروض عمل أخرى أفضل بالنسبة لهم، ولكنهم ما لبثوا وأن عادوا إلينا”.
ويعتبر سيف الكعبي مدير أول للأنظمة والتطبيقات في إدارة نظم المعلومات مثالاً حياً على الشريحة التي عادت للسوق، والذي يعتبر عضواً مؤسساً فيه حتى استقالته عام 2004، إلا أنه ما لبث وأن عاد إلى السوق عام 2008.
وأشار الكعبي أن السوق فتحت له آفاقاً فكرية ومهنية واسعة النطاق، ويستطيع أن يتلمس نتيجة عمله في السوق ساعة بساعة حين يشاهد عملية التداول برمتها تسير وفقاً للأنظمة ودون أعطال”.
وأضاف “أشعر بنجاح جهودنا في قسم نظم المعلومات في عيون المستثمرين، وجداول التداولات التي تنشرها الصحف يومياً، فضلاً عن إشارات الأسعار التي تبثها القنوات الفضائية”.
وتتجاوز نسبة المواطنين في قسم نظم المعلومات 50% من إجمالي العاملين في القسم، بحسب الكعبي.
من جانبه، قال الرميثي الذي استحدثت في عهده إدارة الموارد البشرية عام 2008 بدلاً من قسم شؤون الموظفين “كان تطوير الموظفين هاجساً رئيسياً بالنسبة لنا، حيث قمنا بتحديد جميع الاتجاهات، وبدأنا بإعداد خطط تطوير مرحلية للموظفين بابتعاثهم إلى الخارج لتطويرهم وتدريبهم بعد التعرف على احتياجاتهم”.
وأضاف “التكلفة المتعلقة بهذه البرامج لا تشغل لنا بالًا، فعوائد استثماراتنا في هذا الصدد تتمثل بالنتائج المتحققة”.
وفي سياق التطوير يستذكر حمد عبد الله جابر العلي رئيس إدارة التسوية والتقاص والإيداع والتسجيل ما تكبده موظفو إدارته من ضغوط نفسية وذهنية في سبيل تقديم خدماتهم على أكمل وجه للمستثمرين.
وقال العلي “يعمل في إدارة المقاصة41 موظفاً مواطناً، وكنا قبل التطور التقني في السوق نسهر ليلياً في سبيل تقسيم توزيعات أسهم المنحة السنوية بناء على حصص الأسهم التي يمتلكها المستثمرون، ليتم طرحها بتقسيمها الجديد قبل افتتاح تداولات السهم في الجلسة التالية”.
وأضاف العلي الذي تعتبر إدارته الأكبر من حيث عدد الموظفين، وإجراءات العمل فيها “قد تكون التكنولوجيا قلصت حجم الجهد المبذول في هذا المجال، ولكن لا يمكننا أن ننسى الساعات التي كنا نقضيها في سبيل حقوق المساهمين وراحتهم”.
وقال “أثبت موظفونا نجاحهم وقدراتهم على تحمل المشاق النفسية إلى جانب المخاطر في ظل السرعة، والدقة التي تعمل بها فئات السوق”.
ويشترك غنام بطي المزروعي رئيس إدارة العمليات والرقابة مع العلي فيما يتعلق بتحقيق النجاح المنشود.
وأشار المزروعي الذي تضم دائرته 19 موظفاً مواطناً، أن الإدارة بدأت أعمالها مع بداية السوق وبطاقم كامل من الإماراتيين،
وتابع “غالبية موظفينا كانوا حديثي التخرج، والآن هم على دراية كاملة بوضع السوق وإدارته حتى أصبحت تحت سيطرتهم 67 شركة بقيمة سوقية تتجاوز 300 مليار درهم”.
وأضاف “نعمل باستمرار على مواطن ضعف الموظفين ونعمل بالتعاون مع إدارة الموارد البشرية على تعزيزها وتدريبهم
ونحن نعمل على تحقيق رؤية وخطة حكومة أبوظبي 2030 كسوق استراتيجي وهو ما يضعنا أمام الالتزام التام، ومتابعة أدائنا باستمرار”.
وقال المزروعي “ما نشهده اليوم، يمثل انتصاراً لرؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان التي بدأت باتحاد الإمارات العربية المتحدة اليوم”.



إحصاءات تاريخية

? تشير البيانات الصادرة عن سوق أبوظبي للأوراق المالية أن السوق حققت في العام الأول من تأسيسها معدل عائد بلغ 13 بالمئة، في حين كان عام 2004 الأكبر في معدل العائد بنسبة 21.7 بالمئة، تلاه عام 2005 بنسبة 20.8 بالمئة، بينما كان العائد على الاستثمار في السوق خلال عام 2008 هو الأدنى منذ إنشاء السوق بنسبة 5.9 بالمئة، في حين بلغ العائد حتي شهر سبتمبر الماضي نسبة 9.9 بالمئة.
أما تطور حركة الشركات المدرجة في السوق، فقد شهدت السوق عند في عام 2001 إدراج 15 شركة، لتقفز إلى 59 شركة في عام 2005، و60 شركة في عام 2006، و65 شركة في عام 2008، لتصل حتي الآن 76 شركة.
وفي العام الأول بلغ المؤشر العام للسوق مستوى 1267 نقطة، بينما كان عام 2005 هو الذي سجل فيه المؤشر مستوى قياسياً بلغ 5202 نقطة، تلاه عام 2007 الذي سجل فيه المؤشر العام مستوى 4551 نقطة، ليصل حتى نهاية شهر سبتمبر الماضي مستوى 3124 نقطة.
وفيما يتعلق بعدد الصفقات التي تم تنفيذها في سوق أبوظبي للأوراق المالية خلال السنوات التسع الماضية، فقد احتل العام الماضي مقدمة الأعوام التسعة في عدد الصفقات المنفذة، حيث سجل نحو 1.126 مليون صفقة، تلاه عام 2007 بعدد صفقات بلغت 1.1.2 مليون صفقة، ليصل عدد الصفقات التي تم تنفيذها في السوق خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري نحو 567 ألف صفقة، بينما كان عدد الصفقات في العام الأول من التأسيس نحو 5711 صفقة.
وشهدت أحجام التداول في سوق أبوظبي خلال الأعوام التسعة الماضية تطوراً ملحوظاً، حيث كانت في عام 2001 نحو 18 مليون سهم، في حين كانت في عام 2002 نحو 61 مليون سهم، لتقفز مسجلة نحو 235 مليون سهم في عام 2003، أما عام 2004 فقد شهد تداول ما يقرب من 947 مليون سهم، لتصل إلى 8.2 مليار سهم في عام 2005، ثم تتجاوز 11 مليار سهم في 2006، لتشهد خلال عام 2007 قفزة نوعية كبرى بتسجيلها نحو 52 مليار سهم، لتنخفض بعد ذلك خلال العام الماضي مسجلة 49.9 مليار سهم، في حين بلغت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري نحو 29.1 مليار سهم.

اقرأ أيضا

حريق محدود في مصفاة بالكويت دون تأثير على الإنتاج