صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

كيف توظف الشركات الكبرى الروبوتات

قبل بضع سنوات، كانت مهمة رولاند روش داخل أحد المصانع في ألمانيا التي تنتج قطع غيار السيارات، تتمثل في نقل أجزاء ساخنة فور خروجها من الفرن وفحصها للتأكد من مطابقة معايير الجودة. وفي هذه الأيام لا يزال روش يعمل في المصنع نفسه، لكن يقوم فقط بفحص قطع الغيار، أما نقلها، وهي ساخنة فأصبحت من مهام «فريتز»، الروبوت الذي تم توظيفه للاستفادة من تطور التشغيل الآلي. «فريتز» أكثر كفاءة في التعامل مع المهمة الخطيرة والمتكررة، المتمثلة في رفع القطع المعدنية من الفرن. هذا يترك روش أقل عرضة للحوادث المحتملة ويعطيه مزيداً من الوقت لفحص قطع الغيار، وذلك بنسبة أكبر تصل إلى 20%، مقارنة بما كان عليه قبل توظيف الروبوت.
ولطالما كان السؤال الكبير المحيط بالأتمتة هو ما إذا كانت الروبوتات ستنافس العمال على الوظائف أم ستساعدهم على أداء وظائفهم؟ في البداية، خشي العمال من أن تدمر الروبوتات الوظائف المتاحة بأسواق العمل. لكن البحوث العلمية والخبرة الواقعية خففت هذا القلق، بل على العكس، فقد ثبت أيضاً أن الصناعات التي لا توظف الروبوتات تخسر وتفقد أعمالها وبالتالي يفقد العمال في تلك المصانع وظائفهم أيضاً.
أما اليوم، فالسؤال الأكثر دقة هو «في أي الصناعات تساعد الأتمتة كلاً من صاحب العمل والموظف؟». فالشركات التي ربما تكون الأكثر استفادة من توظيف الروبوتات هي التي يمكنها تخصيص مهام متكررة ودقيقة للإنسان الآلي، وتحرير العمال للقيام بمهام مبتكرة لحل المشكلات التي تحتاج لجهود العقل البشري. وهذا ملائم بشكل خاص لقطاعات مثل التصنيع والقطاع الغذائي والخدمات مثل إعداد الفواتير الحسابية، حيث يمكن أتمتة جداول البيانات، وتحرير العمال للقيام بمهام أعلى قيمة. وقال ستيفان أسمان، أحد المهندسين الرئيسيين في شركة «بوش» الألمانية الشهيرة، «بحثنا عن 20 ألف موظف جديد العام الماضي، لوظائف جديدة أو لتعويض موظفين مستقلين، لينضموا إلى 400 ألف موظف في الشركة. وبداية من 2011 وحتى الآن، استخدمت مصانع بوش في جميع أنحاء العالم 140 روبوتاً، لا يمكننا رؤية أن الروبوتات لها تأثير سلبي على القوى العاملة لدينا».
ويمكن لأجهزة الكمبيوتر القيام بأنشطة يجد البشر صعوبة فيها، مثل لعب الشطرنج أو إجراء عمليات حساب التفاضل والتكامل أو تكرار مجموعة مهام بدقة وفي زمن قياسي. وقال ساتياندرا جوبتا، أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة جنوب كاليفورنيا، «هناك مهام تعتمد على عدد من الحواس البشرية، بما في ذلك اللمس وتقدير المساحة وغيرها من الأمور التي لا غنى عن البشر فيها».
وبالنسبة للشركات، فإن اختيار المهام المناسبة للأتمتة أمر مهم. فقد أتمتت شركة «بي إم دبليو» لصناعة السيارات بعض العمل البدني في مصنع سبارتانبرج في كارولينا الجنوبية، واحتفظت بالمهام التي تنطوي على التحكم ومراقبة الجودة للعمال. فمثلاً تقوم الروبوتات بتثبيت المطاط الأسود إلى الحافة الداخلية لأبواب السيارات، وهي مهمة كان يتم تنفيذها يدوياً بالكامل، وحاليا يمكن للروبوتات تثبيت المطاط الأسود لأكثر من 5 آلاف من أبواب السيارات عبر خط الإنتاج كل يوم. بينما تنصب مهام العمال على الفحوصات النهائية على وضع المطاط الأسود في مكانه الصحيح، فتقسيم العمل يسرع الإنتاج.
ومنذ أن قامت شركة «بي ام دبليو» بتفعيل دور الروبوتات وغيرها من العمليات الآلية خلال العقد الماضي ضاعفت إنتاجها السنوي من السيارات في سبارتنبرج إلى أكثر من 400 سيارة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت قوة العمل من 4200 عامل إلى 10 آلاف عامل. وقالت «بي إم دبليو» في بيان، إن إعفاء العمال من المهام العنيفة يمنحهم الوقت والجهد للتعامل مع مهام أكثر تطوراً وإبداعاً. وقال جيمس بيسن، الخبير الاقتصادي في جامعة بوسطن، إن تشغيلا آليا مثل هذا في مصنع سبارتانبرج أتاح زيادة كبيرة في جودة وتنوع المنتجات، ما يساعد على زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية. فقد ارتفعت حصة «بي ام دبليو» من مبيعات السيارات الفاخرة في الولايات المتحدة بشكل حاد، حيث تم بيع أكثر من 300 ألف سيارة العام الماضي مقارنة بما يزيد قليلاً عن 120 ألف سيارة عام 1997.
على النقيض من ذلك، عانت شركة «تيسلا» للسيارات في إنتاج السيارة طراز 3 بمصنعها في فريمونت بولاية كاليفورنيا بعد أن أصبح الاعتماد على الروبوتات في عملية التصنيع بدرجة كبيرة على حساب العمال من البشر. وتسببت الأخطاء التي لم يتم كشفها في الأجزاء التي صنعتها الروبوتات في حدوث مشاكل كبرى تعوق حركة الإنتاج، وهذا يعني أنها تستطيع فقط بناء 2020 سيارة أسبوعياً مقارنة مع الـ5 آلاف سيارة التي وعدت بها في البداية.
وقال محللون في شركة أبحاث الاستثمار«بيرنشتاين» إن «اللحام والطلاء مؤتمت في تيسلا كما فعل مصنعون آخرون، لكن تيسلا وظفت الروبوتات في أعمال التجميع النهائية التي يتم فيها تركيب قطع الغيار والمقاعد والمحرك ما تسبب في أخطاء قلصت حجم الإنتاج». وقال ماكس واربرتون المحلل في شركة بيرنشتاين «لا يمكن استخدام التشغيل الآلي في التجميع النهائي».
وكتب الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا «إيلون مسك» في تغريدة إلكترونية الشهر الماضي «نعم، كان الاستخدام المفرط للروبوتات في تيسلا خطأ.. إن البشر لا يستهان بهم». من ناحية أخرى، أسفر توظيف الروبوتات عن تخفيضات في الأجور لمشغلي الماكينات ذوي المهارات المتدنية، مثل من يشرفون على آلات قطع الخشب أو الجلد. في التعدين على سبيل المثال، يتوقف الإنتاج على إنتاج كميات كبيرة من الخام، وهنا يمكن للآلات أن تحفر مساحات أكبر من الأراضي والصخور دون أن تتعب أو تتعرض للإصابة مما يعمل على جني أصحاب الأعمال مزيداً من المال.
وتخطط شركة «ريو تينتو» لتسريح السائقين لأنها تقدم شاحنات ذاتية القيادة لنقل خام الحديد في مناجمها في غرب أستراليا. ويمكن للشاحنات الجديدة أن تعمل لفترة أطول من السائقين من البشر. وقال كريس ساليسبري، عضو مجلس إدارة «ريو تينتو» المسؤول عن عمليات تعدين الحديد في الشركة، «إن التشغيل الآلي سيحسّن السلامة ويزيد الإنتاج، ما سيساعد على تحقيق وفرة في مصاريف الإنتاج تبلغ نحو 500 مليون دولار سنوياً بداية من 2021».
وقالت الشركة إنها ستحاول إعادة تدريب أو العثور على أدوار جديدة للعمال المتضررين من الأتمتة. كما تختفي الوظائف في صناعة الملابس لأن الشركات تقوم بعمليات مكررة بانتظام، ويمكن للآلات العمل على القص والحياكة بشكل أسرع وأكثر دقة من البشر. وقد مكن التقدم التكنولوجي الروبوتات من القيام بمهام كان يُعتقد أنها ستقتصر على العمال البشر فقط، مثل خياطة الجيوب وإلحاق حلقات الحزام بالبنطلونات.
وحذرت منظمة العمل الدولية من أن 90% من عمال الملابس والأحذية في كمبوديا وفيتنام معرضون للخطر بسبب التحول الآلي لقطاع صناعة الملابس. رغم ذلك، فإنه على المستوى الكلي، فإن الوظائف التي تم إنشاؤها بوساطة الأتمتة يفوق عدد الوظائف التي يتم تدميرها ومع ذلك، قد لا يكون الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم هم نفس الأشخاص الذين يملؤون الوظائف الجديدة، حيث إن المهارات المختلفة غالباً ما تكون مطلوبة.

* الكاتب: ويليام ويلكس