الاتحاد

تقارير

البرازيل وتشيلي: قاطرتا النمو في أميركا اللاتينية

سارة ميلر لانا
تشيلي

لعقدين من الزمن كانت تشيلي التلميذ النجيب في أميركا اللاتينية الذي يحصل دائماً على العلامات النهائية وينال إعجاب أساتذته، وهو ما دفع خبراء الاقتصاد إلى اعتبار تشيلي النموذج المثالي للدول النامية لالتزامها أولاً بسياسة الاقتصاد الحر، ولانتهاجها ثانياً الإصلاح الديمقراطي فاستفاد المواطنون في تشيلي من مكتسبات النمو الاقتصادي السنوي، الذي فاق 5 في المئة وتراجع معدل الفقر من 40 في المئة إلى 7.13 في المئة، بيد أن الإنجاز الاقتصادي والتفاؤل الذي أحاط بالتجربة التشيلية انتقل في السنة الماضية إلى جارتها الأكبر البرازيل مع تحول الأنظار إلى تجربتها التي لا تقل فرادة وتميزاً عن نظيرتها التشيلية. فقد فاز العملاق الزراعي في أميركا اللاتينية بشرف تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في العام 2014 والألعاب الأولمبية للعام 2016، كما اكتشف في أراضيه مخزون هائل من النفط يمكن أن يحول البرازيل إلى بلد مصدر للطاقة، ومع أنها كانت من أوائل البلدان التي دخلت الأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أنها أيضاً كانت من الأوائل التي خرجت منها واستعادت عافيتها في ظرف وجيز. ولا يعني ذلك أن تجربة تشيلي التي بنت أحد أكثر القواعد الاقتصادية متانة في أميركا اللاتينية قد تراجعت إلى الوراء، أو لم تعد قائمة، لا سيما وأن تباطؤها الحالي يعتبره العديد من المراقبين نوعاً من النضج المطلوب، لكن مع ذلك دخلت البرازيل مؤخراً مرحلة جديدة من تاريخها دون أن يكون الأمر متعلقاً فقط بحجمها الكبير وجغرافيتها الشاسعة.
وفي هذا الإطار يقول "أرتير إتواسو"، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كوتاليكا بريو ديجانيرو "لقد كنا دائماً ننظر إلى تشيلي باعتبارها أفضل منا، لكن هناك شعورا متناميا اليوم في البرازيل بأننا الفاعل الرئيس في أميركا الجنوبية"، والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يُنظر فيها إلى البرازيل كقوة صاعدة على الساحة الدولية، ففي أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حققت البلاد نمواً اقتصادياً سنوياً يصل إلى 11 في المئة، لكن مع مجيء الصدمة النفطية للعام 1973 ظهرت المشاكل الاقتصادية واختنق النمو ليترافق ذلك مع الاضطرابات السياسية على مدى عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ وفيما كانت تشيلي تعيش عقدها الذهبي دخلت البرازيل عقدها الضائع، إلا أنه اليوم وبعد أكثر من عقد على استقرار المؤسسات والنمو المستدام يبدو أن البرازيل عادت مجدداً إلى الواجهة محققة تطلعاتها السابقة، حيث تدفقت الاستثمارات الأجنبية التي جذبتها صناعات جديدة بدءا من الوقود الحيوي إلى حبوب الصويا.
وفي الفترة بين 1994 و1998 اجتذبت البرازيل ما معدله 14 مليار دولار من الاستثمارات السنوية ليقفز ذلك الرقم إلى 45 مليار دولار في العام 2008 حسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية والكاريبي، هذا في الوقت الذي حصلت فيه تشيلي على 7.16 مليار دولار من الاستثمارات خلال السنة الجارية. ومع أن الاقتصاد البرازيلي مازال هشاً بسبب عملتها "الريل"، التي صعدت مقارنة بالدولار ما يهدد الصادرات، إلا أن معدل التضخم مسيطر عليه كما تعززت احتياطاتها من العملة الأجنبية ونوعت تجارتها الخارجية، والأهم من ذلك انتشلت الحكومة البرازيلية لأكثر من 19 مليون مواطن من الفقر منذ أن صعود الرئيس لولا داسيلفا إلى السلطة في العام 2003 بعدما قامت الحكومة برفع الحد الأدنى من الأجور وساهمت في خلق ثمانية ملايين وظيفة رسمية ليستقر معدل البطالة في حدود 5.7 في المئة، وهو معدل ما قبل الأزمة الاقتصادية.
ومازالت تشيلي قوة اقتصادية أيضاً بعدما استطاعت الخروج من الأزمة مستفيدة من مداخل صادرات النحاس ومدخراتها في أوقات الرخاء، وهي أيضاً تعتمد سياسة مالية صارمة ولديها 21 صفقة تجارية مع 57 دولة، ما يعكس مدى انفتاح اقتصادها الذي تفوق في هذا المجال على الاقتصاد البرازيلي، بل إنها تحتل على الدوام رتبة متدنية في قائمة الحكومات الأقل فساداً في أميركا اللاتينية، وستنضم في 31 من الشهر الجاري إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وهي المجموعة التي تضم الدول المتقدمة. ومع ذلك يشتكي البعض في تشيلي بسبب تراجع النمو الذي كان في حدود 8 في المئة بين 1987 و1997 لينكمش إلى النصف في الوقت الحالي، إذ يرى المراقبون ضرورة استعادة تشيلي لزخمها السابق، ومعالجة بعض القضايا مثل تحسين الإنتاجية والتخفيف من صرامة قوانين العمل. ويصف "فيليبي موراندي"، عميد كلية الاقتصاد بجامعة تشيلي ومستشار "سيبستيان بينييرا"، المرشح "اليميني" الذي فاز في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، الوضع الحالي لتشيلي بأنها "التلميذ الذي حصل على العلامة ما قبل النهائية" في إشارة إلى استمرار قوتها الاقتصادية، هذه القوة التي لا شك أن البرازيل قد غطت عليها، لا سيما في ظل الرئيس "لولا داسيلفا" بشعبيته الطاغية ليس في البرازيل فقط، بل في عموم أميركا اللاتينية. لكن رغم التحديات التي يواجهها البلدان مثل الحاجة إلى تطوير التعليم وجسر الهوة بين الأغنياء والفقراء يبقى التعافي الاقتصادي السريع من الأزمة وبروز دول أخرى في أميركا اللاتينية مثل البيرو علامات إيجابية تبشر بمستقبل واعد في المنطقة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا