الاتحاد

تقارير

الأنبار... مؤشرات عودة الانفلات الأمني

عثمان المختار
الرمادي


بات سكان محافظة الأنبار العراقية يشعرون بقلق كبير إزاء تزايد أعمال العنف في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة. وضمن هذا الإطار، وفي أخطر حادث تعرفه المنطقة مؤخرا، استهدف انتحاريان مجلس المحافظة في الثلاثين من ديسمبر الماضي، ما أسفر عن مقتل 30 شخصاً، بينهم محافظ الأنبار، إضافة إلى عضو في مجلس المحافظة وثلاثة مسؤولين أمنيين كبار.
وقد تبنت العملية مجموعة تعرف باسم "دولة العراق الإسلامية"، وهي مجموعة مرتبطة بـ"القاعدة"، وأعلن مسؤولون محليون أن الحكومة قد فتحت تحقيقاً لترى ما إن كان بعض أفراد القوات الأمنية متورطين أيضاً في العملية.
ويُنظر إلى التفجيرين كانتكاسة خطيرة في محافظة يُشار إليها باعتبارها قصة نجاح أمني؛ وذلك لأن الأنبار لطالما شكلت مرتعاً لـ"القاعدة" وأنشطة متمردين سنة آخرين؛ وكانت المعارك بين الولايات المتحدة وقوات المتمردين قد حوَّلت عاصمة المحافظة إلى مدينة للأشباح. غير أن الأوضاع الأمنية تحسنت بشكل مهم بعد أن قامت القبائل السُنية المحلية التي كانت تقاتل القوات الأميركية والعراقية بالانقلاب على المجموعات المتطرفة في 2007 وبدأت تنخرط في العملية السياسية.
بيد أن الاندلاع المفاجئ لأعمال العنف تسبب في انتشار حالة من الخوف بين السكان المحليين؛ حيث هز التفجيران، إضافة إلى عدد من الاغتيالات، ثقة الجمهور في قدرة السلطات على إدارة الوضع الأمني، لاسيما وأن الشرطة تقول إن 52 زعميًا سياسياً ودينيًا قُتلوا في الأنبار منذ منتصف شهر أكتوبر. وفي هذا السياق، يقول فاضل علي، 59 عاماً، الذي يملك شركة للنقل في الرمادي: "إن الناس يريدون الأمن، ولكن أي تفجير يحدث يذكِّرهم بسنوات فظيعة عاشوها".
ومن جانبها، تقول نور سعدي، وهي ربة بيت في الثالثة والأربعين من عمرها: "إن الشرطة لا تستطيع حتى حماية نفسها"، مضيفة "إن "القاعدة" بصدد العودة والضرب بقوة في المدينة، ولهذا أريد أن أبقي ابني في المنزل لأن مدرسته قد تكون قريبة من منزل أحد زعماء "مجالس الصحوة" المستهدَفين من قبل "القاعدة". والجدير بالذكر هنا أن "مجالس الصحوة" أُنشئت من قبل زعماء القبائل بهدف محاربة المتطرفين.
وفي هذا السياق دائماً، يقول مصلح أحمد، وهو معلم في الثانية والثلاثين من عمره، إن الخوف من مزيد من الهجمات جعل السكان جد يخشون العودة إلى أعمالهم أو فتح متاجرهم، مضيفاً "إن الجميع في المدينة مازال خائفاً".
خلال الأيام التي أعقبت التفجيرين، خيم على الرمادي جو من الحزن المشوب بالخوف، إذ يقول أصحاب المتاجر إن السكان كانوا يستعدون للأسوأ حيث بدأوا يخزنون الطعام والوقود والماء، هذا في حين فر آخرون إلى سوريا المجاورة أو إلى بغداد.
ووسط الإجراءات الأمنية المكثفة، نُصبت خيام العزاء ورُفعت اللافتات السوداء التي كُتبت عليها أسماء الضحايا على طول واحد من أكثر شوارع الرمادي ازدحاماً.
كما شارك قرابة 400 شخص في مسيرة احتجاجية عبرت وسط الرمادي بعد ثلاثة أيام على التفجيرين، مطالبين بتحسين الأوضاع الأمنية واعتقال أفراد الشرطة والمسؤولين الكبار الذين يُشتبه في تورطهم في الفساد.
وقد نُظمت المسيرة من قبل منظمتين سياسيتين هما "مجلس إنقاذ الأنبار" و"جبهة الوفاق العراقية".
محمد الدليمي، الذي قُتل ابنه الشرطي ذو التاسعة عشرة في الهجمات، شارك في المسيرة، قال وهو يقاوم دموعه ويضرب صدره: "إنني أحمِّل "القاعدة" مسؤولية قتل ابني وكل الأبناء الآخرين في الحي".
كما ألقى باللوم على القوات الأمنية قائلاً: "إن الشرطة أصبحت متعجرفة وكسولة". وفي أعقاب أحدث هجمات، قام الجيش العراقي بنشر آلاف الجنود في الشوارع وأُعلنت حالة طوارئ في الأنبار وأقيل قائد الشرطة في المنطقة.
وعلى الرغم من الرد القوي الذي أظهرته السلطات، إلا أن يوسف خلف، وهو محلل سياسي يقيم في الرمادي، يرى أن ثقة الجمهور في السلطات آخذة في التقلص، وأن النزاعات السياسية والفساد وتردي الأوضاع الأمنية تؤدي إلى انعدام الاستقرار في المحافظة إذ يقول: "على القوات الأمنية أن تثبت للجمهور أنها تستطيع الحفاظ على الأمور تحت السيطرة، وعليها أن تقول للناس من يقف وراء أعمال العنف التي شهدتها الأنبار، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالأحزاب الحاكمة في المحافظة"، مضيفا "لأنهم إذا لم يقوموا بذلك، فعليهم ألا يتوقعوا فوزا في الانتخابات. فهذه الهجمات جعلت الناس يشعرون بالقلق والتوتر إزاء كل شيء، بما في ذلك الانتخابات".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"

اقرأ أيضا