الاتحاد

تقارير

الانتخابات الأوكرانية... بداية العودة إلى روسيا

فريد وير
موسكو

بعد مرور خمس سنوات على الثورة "البرتقالية"، التي شهدت مئات الألوف من الناس وهم يحتشدون سلمياً في الشوارع احتجاجاً على الغش الانتخابي، وإعلانا لترحيبهم بالديمقراطية المنفتحة، واستعدادهم لانتهاج طريق يؤدي للغرب، تبدو البلاد في الوقت الراهن مهيأة للارتماء مرة ثانية في أحضان روسيا المرحبة.
والشيء الذي بدا صادماً في الغرب، هو أن المتصدر في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الأحد الماضي هو "فيكتور يانوكوفيتش"، والذي فجر تزويره للاقتراع الرئاسي عام 2004 موجة غضب عارمة، واحتجاجات صاخبة استمرت لثلاثة أسابيع في الميدان الرئيسي وسط مدينة "كييف" أجبرت السلطات حينها على إجراء جولة ثالثة من التصويت، نتج عنها في النهاية انتخاب الرئيس الحالي"فيكتور يوشينكو".
وتجدر الإشارة إلى أن "يوشينكو" قائد ثورة 2004 البرتقالية، والرجل الذي فتح نافذة تاريخية على الغرب، وحاول جذب الاتحاد السوفييتي السابق عبرها، يواجه مشكلة في الوقت الراهن حيث لا تزيد نسبة تأييده في معظم اقتراعات الرأي في الوقت الراهن عن3 في المئة.
أما حليفته السابقة السياسية الشعبوية، والنارية الطبع "يوليا تيموشينكو" فتؤدي بشكل أفضل نسبياً حيث تبلغ نسبة تأييدها 15 في المئة. وهذه النسبة تؤهلها للفوز بالمركز الثاني في انتخابات الأحد، والمضي بقوة بعد ذلك نحو جولة ثانية حاسمة من المقرر إجراؤها في السابع من فبراير المقبل.
ولكن معظم الخبراء لا يتوقعون أن "تيموشينكو" سوف تمضي قدماً في تنفيذ العناصر الرئيسية لأجندة يوشينكو، التي أغضبت موسكو كثيراً مثل الانضمام للناتو، وإخراج السفن البحرية الروسية من القاعدة الأوكرانية في ميناء "سيفاستوبول" المطل على البحر الأسود.
ولكن استطلاعاً للرأي نشرته وكالة روسيا للأنباء هذا الأسبوع يبين أن الحصان الأسود للانتخابات القادمة قد يكون هو "سيرجي تيجيبكو" رجل الأعمال الثري الذي أنفق حتى الآن 11 مليون دولار للدعاية لنفسه والترويج لصورته، والذي يُتوقع أنه قد يتمكن من إزاحة تيموشينكو عن المركز الثاني .ومثله مثل غيره من المرشحين لخوض تلك الانتخابات لم يدل "تيجيبكو" بأي شيء يمكن أن يثير ثائرة موسكو من قريب أو بعيد.
أما الكريملن فيبدو من جانبه سعيداً بالتحول الجيوبوليتيكي للأحداث في أوكرانيا، لدرجة أنه أعلن أنه سيرسل سفيراً إلى كييف، على الرغم من أن ذلك المنصب قد ظل شاغراً منذ الصيف الماضي وتعهد الرئيس" ميدفيديف" بعدم تعيين أحد فيه طالما ظل يوشينكو في منصبه.
يقول "أندري كليموف" نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس دوما الدولة الروسي :"لم تقدم روسيا دعماً لأي مرشح من المرشحين لانتخابات أوكرانيا، ولكن ما نراه هو أن جميع الأشخاص الذين يحتمل فوزهم في تلك الانتخابات أصبحوا يتبنون آراء واقعية بشأن التعاون مع روسيا (بخلاف يوشينكو بالطبع )... واعتقد أن العلاقات بين روسيا وأوكرانيا ستشهد تطوراً ملحوظاً عقب هذه الانتخابات".
ينحي العديد من الأوكرانيين على يوشينكو باللائمة، لتسببه في ضياع الفرصة الذهبية التي أتاحتها الثورة البرتقالية. ومن المعروف أن الخلافات قد نشبت بين الرئيس ونائبته وحليفته الرئيسية تيموشينكو بعد فترة قصيرة من توليه الحكم، مما دعاه لعزلها من منصب رئيسة الوزراء، قبل أن تتمكن من العودة مجدداً لمنصبها عبر انتخابات برلمانية، ومنذ ذلك الحين أدت المنازعات بينها وبين الرئيس إلى شل الحكومة فعلياً.
ويقول "فيكتور نيبوزينكو" مدير "مركز أوكرانيان باروميتر" وهو مركز دراسات وأبحاث أوكراني مستقل:"هناك إدراك واسع النطاق مؤداه أن الساسة الأوكرانيين قد استخدموا الثورة البرتقالية كأداة للحصول على السلطة، وبعد أن حصلوا عليها نسوا تماماً جميع الوعود التي قدموها في تلك الأيام التي احتدمت فيها تلك الثورة".
ويقول النقاد أن يوشينكو قد دفع الأفكار الأوكرانية القومية المؤيدة للتقارب مع الغرب بقوة مبالغ فيها، على الرغم من أن استطلاعات الرأي كانت تظهر أن ثلثي عدد سكان أوكرانيا كانوا يعارضون الانضمام لحلف "الناتو".
ويضيف هؤلاء النقاد إن أمال "يوشينكو" في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية عقب الثورة "البرتقالية" لم تتبلور على الإطلاق، وأنه عندما ضربت الأزمة المالية الاقتصاد العالمي، فإن ذلك أثر على الاقتصاد الأوكراني الذي هبط هبوطاً حاداً ( 15 في المئة) مما دفع سلطات هذا البلد لأجراء خفض كبير بلغ النصف في قيمة عملتها.
ويقول النقاد إن روسيا التي ساءها انقلاب يوشينكو، وتوجهه غرباً، شنت عليه عددا من حروب الطاقة الصغيرة ، وبعض المعارك الجيوبوليتيكية، وتمكنت من التغلب عليه في المناورة ودفعه للنظر إلى الغرب على أنه يمثل شريكا متقلبا، ولا يمكن الاعتماد عليه، بدلًا من النظر إليه على أنه ضحية لسياسات القوة الروسية وإملاء الرأي وعلى الخصوص فيما يتعلق بموضوع الطاقة.
وهناك مخاوف من أن تتعرض أوكرانيا لحالة من عدم الاستقرار بعد التصويت وخصوصاً إذا ما تقاربت أصوات المرشحين. في هذا الصدد وجد استطلاع للرأي أجراه مركز" أوكرانيان سوسيولجيكال سيرفيس" وهو مركز مستقل أن 57 في المـئة من الأوكرانيين يعتقدون أن الانتخابات القادمة سيتم تزويرها.
ويشار أن الأحزاب المشاركة في تلك الانتخابات قد انخرطت في اتهام الأحزاب المنافسة الأخرى بالاستعداد لتزوير الانتخابات، والتهديد بإنزال أنصارها للشوارع إذا ما حدث ذلك وتكرار الثورة البرتقالية.
يقول اليكسندر تشيرننكو مدير لجنة المصوتين الأوكرانيين وهي مجموعة رصد محلية:"هناك الكثير من الشكوك هنا ولكننا يجب أن نأمل أن تكون النتائج واضحة لا خلاف عليها، وأن تتم الانتخابات في جو مفتوح وشفاف، وإلا واجهنا مرة أخرى محاولات لتغيير نتيجة تلك الانتخابات من خلال مظاهرات الشوارع
ومن ضمن الموضوعات التي لا تزال تلقي بظلال قاتمة على تلك الانتخابات تداعيات المحاولة المنسوبة ليونوكوفيشتس لتسميم خصمه الرئيسي لحالي يوشينكو في بدايات الانتخابات السابقة، والتي أسفرت عن تشوه وجه الأخير وانتشار العديد من البقع فيه حتى هذه اللحظة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا