الاتحاد

دنيا

غلاء المعيشة والمبالغة بالمهور والتعليم عوامل تعيق زواج السوريات

تظهر إحصاءات ودراسات اجتماعية أن 50% من الشباب في سن الزواج وما بعده لم يتزوجوا بعد، مقابل 60% من الشابات، وأن نسبة الذين تزيد أعمارهم عن 34 سنة ولم يتزوجوا بعد تبلغ 40% من مجموع الفئة العمرية ذاتها، بينما تزيد هذه النسبة عند الفتيات، وكحصيلة فإن كل شاب «عانس» تقابله 4 فتيات عوانس في الحد الأدنى، ما يشير إلى أن هذه الظاهرة تضغط على فئة الفتيات أكثر منها على الشباب.


تشير الإحصائيات المعلنة أن متوسط عمر العزوبية عند الشباب في سوريا هو عمر الثلاثين، وعند الفتيات هو عمر السادسة والعشرين. وفي ضوء هذا المتوسط المرتفع نسبياً، فإن نسبة الشباب الذين وصلوا سن الثلاثين ولم يتزوجوا بعد وصلت إلى 29.4 في المائة من مجموع الشباب الذين بلغوا متوسط عمر العزوبية، بينما بلغت نسبة الفتيات اللواتي وصلن إلى متوسط عمر العزوبية ولم يتزوجن بعد إلى 25.6 في المائة.
وفي إحصائية عام 2008 أعلن مكتب الإحصاء السوري انخفاض نسبة الإناث قياساً للذكور بحيث تقابل كل 100 أنثى هناك 101 ذكر، لكن هذا الانخفاض في عدد الإناث تقابله حقيقة أن هناك ثلاثة ملايين مغترب سوري بحسب ما أعلنته سجلات الأحوال المدنية مؤخراً، وغالبية هؤلاء العظمى هم من الذكور، وهو ما يقلب معادلة الرقم الإحصائي ليزيد عدد الإناث عن عدد الذكور المقيمين في سوريا بنسبة واضحة، ما يجعل ظاهرة العنوسة أكثر تفاقماً عند الفتيات منها عند الشباب.

المرأة تدفع الثمن
كان هم الفتاة وأهلها في المجتمع العربي عندما تبلغ سن الرشد أن تتزوج، لكن إقبال الفتيات على التعليم وهو أمر إيجابي وضروري ومهم، دفع في المقابل إلى تأخر سن الزواج عند الفتيات، ولاسيما من يتابعن تعليمهن الجامعي، ويؤجلن الزواج إلى ما بعد انتهاء الدراسة، أما من يخترن دراسة الطب والصيدلة والهندسة، وكذلك من يتابعن الاختصاص للوصول إلى درجة الماجستير والدكتوراه فإنهن لن يفرغن من الدراسة قبل سن الثلاثين. وهكذا فإن تعلم الفتاة رغم أهميته في تطور المجتمع، جعلها تدفع ثمناً شخصياً فادحاً، فالفتاة عندما تتخرج من الجامعة أو تحصل على درجة الدكتوراه في أي اختصاص لا يمكنها أن تقبل أي شخص يطلبها للزواج، ولا يكون كفؤاً لها. كما أن عدداً من الشباب يخشون من الفتاة المتعلمة، ويرغبون في فتاة ترضخ لهم، ومن ناحية أخرى فإن عروض الزواج تنهال على الفتيات وهن في مرحلة التعليم الجامعي الأول، لكن هذه العروض تقل شيئاً فشيئاً حتى تضمحل. وفي النتيجة، وفق دراسات اجتماعية، فإن كثيراً من المتعلمات يدفعن ثمناً باهظاً من حسابهن الشخصي كنتيجة لطموحهن، ورغبتهن في التحصيل العلمي وإثبات جدارة المرأة وهو أمر تناولته الدراما السورية في أكثر من عمل تلفزيوني.

الظروف المادية
ذا كانت متابعة التحصيل العلمي يشكل حالة خاصة من حالات العنوسة عند الفتيات السوريات، فإن للعنوسة أسباباً عامة أخرى، يأتي في مقدمتها الظروف الاقتصادية العامة، وانعكاسها المباشر على الظروف المادية للشباب، وقلة فرص العمل، وأزمة إيجاد شقة يسكنها العروسان. فالشاب بعد أن يتخرج من الجامعة ويؤدي الخدمة العسكرية يجهد للحصول على وظيفة في ظل بطالة تنعكس على شريحة واسعة من الشباب. إذ أن هناك مائتي ألف وافد جديد على سوق العمل سنوياً في سوريا، وحتى الآن فإن الوظائف المتاحة في الدولة وفي القطاع الخاص وفي المشاريع الاستثمارية لا توفر فرصاً تستوعبهم، وحتى لو وجد الشاب فرصة عمل مقبولة، فإن ما يحصل عليه من أجر لا يغطي أجرة غرفة واحدة في مناطق المخالفات المحيطة ببعض المدن السورية. ورغم أن الحكومة بدأت بمشاريع للسكن الشبابي، محدودة الكلفة والمساحة، إلا أن الأمر يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يمكن تأمين احتياجات الشباب من السكن، وإن كانت هذه المشاريع تخفف قليلاً من الأزمة التي يعاني منها الشباب المقبلون على الزواج.
ويقول الشاب ياسين أحمد (33 سنة): «أعطني وظيفة ووفر لي شقة وسيارة، وأنا أتزوج». لكن ياسين يحلم كثيراً حين يطرح هذه المطالب كي يتزوج. ما يعني أنه لا يفكر في الزواج حالياً، لأنه لا يستطيع ذلك أصلاً.

المغالاة في المهور
في مقابل ظروف الشباب الاقتصادية الصعبة، فإن غالبية الأسر لا تزال تغالي في المهور وتطلب أرقاماً مرتفعة، وكأن الفتاة «سلعة» أو كأن الخاطب جاء ليشتري هذه السلعة، ورغم أن المهر حق للفتاة، إلا أن المغالاة فيه جعلت من الشاب ينفر منه، فضلاً عن عجزه عن تأمينه. كما أن المظاهر الاجتماعية الكاذبة تثقل على الشاب أكثر فأكثر، فإذا كان الأهل يطلبون مهراً مرتفعاً، ويضيفون إليه شرط توفر الشقة والسيارة والخاصة. فإنهم يغالون كثيراً حين يشترطون شكلاً معيناً لطقوس الزواج، كإقامة احتفال في إحدى قاعات المناسبات وشكل الزفة، والسيارة (الليموزين) التي ستنقل العروسين. ما يشكل عبئاً على العريس يصل في بعض الحالات إلى عدة ملايين من الليرات السورية، وهو ما يعجز عنه غالبية الشباب السوري من أبناء الطبقة المتوسطة أو الفقيرة.
تقول: سمية.ع (21 عاماً) طالبة جامعية: «أنا أقبل الزواج قبل إنهاء تعليمي الجامعي، لكن من حقي أن أطالب بشقة وسيارة، ومن حقي أن أتمتع باحتفال العرس وبالمصاغ الذهبي». وتستدرك:»طبعاً إذا أعجبني الخاطب». وتضيف: «أنا لست مضطرة للقبول بأقل مما نالته صديقاتي وبنات معارفنا، فأنا لست أقل منهن في شيء».
لكن هذه الشروط التي تفرضها ابنة الواحد والعشرين عاماً تتضاءل كلما مرت السنوات، فالآنسة فتون (35 سنة) وهي خريجة جامعة تعمل مدرسة، تقول:»بصراحة، لقد ضقت ذرعاً بكلمة عانس، وأرغب بالزواج من أي شاب مناسب، وأنا على استعداد لمشاركته في تحمل مسؤولية نفقات البيت». أما طبيبة الأسنان هيام (37 سنة)، فقد قدمت برهاناً عملياً على التنازلات التي تقدمها الفتاة عندما يتقدم بها السن، إذ قبلت بالزواج من رجل متزوج ولديه خمسة أولاد ولا يحمل إلا شهادة إنهاء التعليم الابتدائي، واستقبلته في شقتها كي تكون بيت الزوجية، وقدمت له العون، كي يبدأ مشروعاً تجارياً صغيراً إضافة إلى وظيفته.
ويقول وليد.س (32 سنة):»من الصعب أن أختار فتاة مناسبة، لأن الشروط التي تضعها أسرتها فوق طاقتي، وأشعر أنها شروط تعجيزية». ويضيف:»أما أن أختار فتاة تكبرني في العمر وتساعدني مادياً، فأنا أعتبر ذلك زواج مصلحة لا أقبل به».

«الخطيفة» انتصارا للحب
عندما يجمع الحب شاباً وفتاة، فإن الحب يقهر جميع الصعاب، ويحتال المحبّون على كل الظروف والشروط، فيلجأ بعضهم إلى الزواج العرفي متجاوزين المهور والحفلات والشروط التعجيزية، أو يلجأ بعضهم إلى «الخطيفة»، وهي أن يتزوج الشاب والفتاة رسمياً أمام المأذون ويضعون الأهل أمام الأمر الواقع، ثم يسعون للتصالح معهم. على أن هذه الحالات ترتبط بالحب ولا يمكن تعميمها، وهي لا تؤثر كثيراً في تعديل مؤشر «العنوسة» الذي يرتفع بين الشباب والفتيات معاً، وإن كان يضغط أكثر فأكثر على الفتيات ويشكل لهن أضراراً نفسية وفيزيولوجية.

اقرأ أيضا