الاتحاد

دنيا

ماجد محسن: هناك فارق بين المذيع الهاوي والمحترف.. ومشروعي الإعلامي ليس "بزنس"

ماجد محسن مذيع إماراتي متألق، وصاحب شخصية مميزة بسطها على برنامجه ليمنحه تميزاً ومتعة، قلما يجدها المشاهد في زحام القنوات الفضائية وسيل البرامج الحوارية التقليدية، اختط لنفسه خطاً متميزاً مختلفاً، تدرج في العمل الصحفي، فعمل محررًا ومراسلًا ميدانيًا ومقدمًا لنشرات الأخبار في إذاعة دبي قبل أن يأخذه سحر الشاشة الفضية. على مر السنوات، حاور ماجد مئات الشخصيات القيادية على مستوى العالم وتصدى لصعوبات العمل الصحفي بشغف لا حدود له. إلى جانب عمله كمقدم رئيس لنشرات الأخبار، قام ماجد بإنتاج فيلمين وثائقيين بعنوان "حارث البحر"، في هذا الحوار نبحر معه لنتحدث عن سيرته الإعلامية.

? تتمتع بحضور رصين وهادئ على الشاشة، عدا كونك محاورا ذكيا، ترى كم يلزم من الثقة، ليثبّت الإعلامي أقدامه في فضاء الإعلام؟
? يجيب ماجد بكل وضوح :"الثقة هي أحد أهم عوامل الظهور المميز لكل مذيع، وهي نتاج تراكم خبرة واجتهاد ومثابرة على المستوى الشخصي. لكن حتى أهم المحاورين لا تكفيه الثقة إن لم يكن خلفه طاقم تحريري وفني محترف ومتناغم. ما أود قوله هو أن حضوري الرصين والهادئ، أدين في جزء كبير منه لزملائي. فالعمل التلفزيوني يشبه أي عمل جماعي آخر في الرياضة و الموسيقى وغيرهما، حيث يعتمد بشكل كبير على التناغم والثقة المتبادلة بين أعضاء الفريق الواحد".
الهاوي والمحترف
? برأيك ما هي الشروط والأدوات التي يجب أن تتوافر في أي إعلامي يطل عبر الشاشة؟ وإلى أي مدرسة إعلامية تنتمي؟
? يجيب مبتسما:"لا شك أن القراء على معرفة بالأساسيات كاللغة وسعة الاطلاع والشغف بالمهنة والقدرة على التواصل والعمل تحت ضغوط الوقت والمسؤولية والأمور الفنية وما إلى ذلك من شروط لا مفر منها. لكنني أود هنا أن أشير إلى الأمور التي تصنع الفارق بين المذيع الهاوي والمذيع المحترف. فعلى سبيل المثال لا الحصر، من واجب المحاور المحترف أن يجد صيغة ما لعزل قناعاته الشخصية عن أي حوار يجريه، وأن يكون على مسافة متساوية من الافكار والمعتقدات على اختلافها، ليس فقط من أجل أن يكون موضوعيا، ولكن أيضا كي لا يؤثر ذلك في تطوره الشخصي كصحفي. أما عن المدرسة الإعلامية التي أنتمي إليها، فأنا في الإعلام كما في الحياة ، التقاء لأكثر من ثقافة وأكثر من مدرسة. فاحترامي لصناعة التلفزيون الأميركية من حيث القدرة على إعادة إنتاج المادة بأوجه مختلفة من أجل توفير تغطية إخبارية أو ترفيهية شيقة لساعات، لا يمنع بالضرورة إعجابي بالتحقيقات والتقارير التلفزيونية الاوروبية المباشرة والمقتضبة، أو البرامج الوثائقية و الحوارية البريطانية. كما أن في قنواتنا العربية من برامج ما يستحق المشاهدة وإبداء الإعجاب".
? التدرج المتسلسل في مجال الحقل الإعلامي، هل يخلق إعلامي محترف من وجهة نظرك، أم أن الموهبة تكفي لصناعة إعلامي ناجح؟
? الموهبة ضرورية من دون شك للبناء عليها. لكن الموهبة تتأثر سلبا بحرق المراحل، وقد تنطفئ بسرعة إذا لم تلق الرعاية من صاحبها والمعنيين بصقلها وتطويرها. ومن واقع تجربتي الإعلامية، أستطيع القول إن أفضل وصفة لـ"حرق" موهبة إعلامية هي إما باستعجال تطويرها على المسار الصحافي، أو بإيكال مهام إدارية لها إلى جانب المهام الصحفية الصرفة.
جيل إعلامي محترف
? على كثرت الفضائيات الرسمية والخاصة والمتخصصة، إلا أن القليل من استطاع أن يشد الانتباه، وهناك من انطفأوا سريعاً، أو من بقوا يراوحون مكانهم، كيف هو تقييمك للكوادر الإعلامية المواطنة في الوقت الحالي؟
? يصمت ماجد ويعلق قائلا:"لا أعلم إن كنت مؤهلا لإبداء رأيي في هذا الموضوع ، لكنني أعتقد أن النية كانت ومازالت موجودة عند القائمين على محطاتنا المحلية من أجل صناعة جيل محترف. لكن للأسف الشديد، قد لا تكون النوايا الطيبة وحدها كافية لتحقيق هذا الحلم. وإذا كان هذا الحلم في السابق مصدره رغبة في رؤية شباب إماراتيين مميزين على الساحة الإعلامية أسوة بالمتميزين في مجالات أخرى ، فإن الأشهر القليلة الماضية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن وجود مثل هؤلاء الشباب المحترفين ضرورة في الإعلام المحلي. لقد علمتنا تداعيات الأزمة المالية العالمية أهمية وجود كادر إعلامي على أعلى درجات التدريب والمهنية من حيث صناعة وإدارة المحتوى بحيث يكون قادرا على حماية مصالح الأفراد والمؤسسات في الأوقات التي تكثر فيها الشائعات، وتكون مدننا محط أنظار العالم. لذلك ، أتمنى أن نصل إلى صيغة في المستقبل تزاوج بين النوايا الطيبة و الخطط الاستراتيجية لبناء جيل إعلامي إماراتي محترف، ليس في المجالات التقنية وحسب، وإنما الأهم في مجال صناعة المحتوى".

? برأيك أين تظهر قدرات المذيع المتمكن، هل في الإتجاه إلى البرنامج السياسية، أو الثقافية، أو الحوارية عموماً؟
? إمكانيات المذيع الثقافية يعكسها سعة إطلاعه على المواضيع الخاصة بالحقل الذي يعمل فيه .. لكن إن كنت تقصدين الإمكانات الفنية، فبدون شك هي قابلة للتطبيق في كل الحقول".
توك شو
? أن تأتي متأخراً أفضل من ألاّ تأتي"- مثل فرنسي- برنامج "ظل الكلام" من برامج "التوك شو" المهمة، كيف ترى هذه الخطوة، وهل استطعت أن تحقق جزءاً من رؤيتك الخاصة وتبرز كل قدراتك من خلاله؟
أ ? ستطيع القول إنني حققت جزءا من رؤيتي بالنسبة لهذا النوع من البرامج ، لكنني أيضا أمتلك أكثر مما قدمت. ولا أقول ذلك لكي أوحي بأن المساحة التي أتيحت لي كانت أضيق مما يجب، بل على العكس تماما . ما أود التشديد عليه هو أنني إنسان مثابر، يمتلك من الشجاعة ما يكفي ليدرك ويعترف بأوجه القصور لديه، ومن الصبر ما يكفي ليعمل بثبات على تصحيحها. تجربة "ظل الكلام" تجربة جيدة، لكن من الممكن أن تصبح أفضل.

? كيف كان تقديرك لحلقات البرنامج وما هي الحلقة التي شدتك، واستطاعت أن تحرك المياه الراكدة، ولامست نبض الشارع، وهل استطعت السير عكس السائد والمألوف في التناول والطرح؟
? يؤكد ماجد بالقول:"أعتقد أن البرنامج جاء مختلفا بما يكفي من حيث المحتوى ليتميز ويكتسب نسبة مشاهدة عالية بالقياس إلى عمره الذي لم يتجاوز موسمين حتى الآن. و التميز هذا للمفارقة لم يصنعه عمل خارق، بل العودة إلى أساسيات العمل الصحفي فيما يتعلق بالتفاعل مع الناس و الاعتماد عليهم في اختيار مواضيع الحلقات. لذلك، لمسنا تفاعلا كبيرا من المشاهدين خلال عرضنا لمقابلة مؤثرة مع والد طفلين توفيا في نفس اليوم بسبب تسمم غذائي. هذه واحدة من أهم الحلقات في رأيي في شق المواضيع الاجتماعية إلى جانب مقابلة مؤثرة أخرى عرضناها مع والد الطفل الباكستاني الذي تعرض للقتل المقترن بالاعتداء الجنسي صبيحة يوم العيد. لكنني أيضا وإلى جانب تأثري بمثل هذه المقابلات، فإنني استمتعت أيضا بمحاورة شخصيات عامة في مواضيع متنوعة، استطعنا من خلالها تناول مواضيع مختلفة من زوايا متعددة ، أستطيع أن أقول إن الطرح فيها جاء مختلفا عن السائد، كما حدث مثلا في أثناء مناقشتنا لموضوع الهوية الوطنية ، و المعرفة في العالم العربي ، والتحرش الجنسي بالاطفال ، وجريمة اغتيال القائد العسكري الشيشاني السابق في دبي وتأثيرات الازمة المالية العالمية على الافراد والشركات من بين مواضيع عديدة أخرى".

? برأيك هل وصلنا إلى مناخات أكثر نقاءً وشفافية لمناقشة مواضيع كانت دائماً ما يتردد الكثيرون في طرحها ، أو الإشارة إليها، وتجاوز بما يعرف بـ"التابو" لبعض المواضيع؟
? يصمت ماجد ويقول:"لا أفشي سرا إذا قلت أن كثيرا من الخطوط الحمر في الإعلام رسمتها رقابة ذاتية من أبناء الإعلام أنفسهم . لكننا إذا بحثنا في الاسباب فسنجد أن هناك عوامل كثيرة أدت إلى ما وصلنا إليه من رقابة ذاتية ابتداء من غياب التسامح الاجتماعي مع معظم الأفكار الخارجة عن سياق ما هو متوقع مسبقا من الإعلام ، مرورا بغياب الجيل الإماراتي المحترف الذي يصنع الفارق ويقطع على المضيقين طريق التذرع بجهل جُلِّ العاملين في الإعلام بطبيعة البلد وعاداته وتقاليده ، وصولا إلى غياب المناخ التنظيمي الذي أنضجته التجربة.
أعتقد اننا تطورنا بشكل سريع و كبير على صعيد الشكل، و بنسق بطيء من حيث المحتوى والمضمون".
مشروع خاص
? تأسيسك وإدارة مشروعك الشخصي، خصوصاً أنه في مجال الميديا أيضاً، هل جاء رغبة منك لتحقيق رؤاك وطموحاتك الشخصية في هذا المضمار، عن طريق التحرر من بعض الإملاءات التي تقتضيها الضوابط الإدارية للمؤسسة التي تنتمي إليها، أو هو "بزنس" فقط ؟
? في الحقيقة، وبكل أمانة ، ليس لدي مشكلة إملاءات ولا ضوابط إدارية تعيق عملي. فالخط التحريري للمؤسسة يناسب إلى حد كبير قناعاتي الشخصية. قد نختلف أنا والزملاء على صيغة ما، ولكن لم يحدث أن كان لدي خلاف مبادئ مع أحد. والاختلاف وارد، وأنا لدي من الشجاعة ما يكفي لبذل كل جهد إقناعي ممكن، كما لدي من الحكمة ما يكفي لعقد التسويات المناسبة التي تضمن سير العمل والمزاوجة بين الافكار.
فيما يتعلق بمشروعي الخاص، فهو جاء في شقه الأكبر إرضاء لتطلعاتي وروح المغامرة والتحدي لدي. أنا درست إدارة الاعمال، و أعيش في مدينة اقتصادية بامتياز ، لذلك، أعتقد أن تأسيسي لعملي الخاص هو نتيجة طبيعية للمعطيات السابقة. وأود هنا أن أوضح أن ما تنتجه شركتي هو مختلف عن ما يتم انتاجه لصالح المحطات التلفزيونية ، فنحن نركز على إنتاج الأفلام المؤسسية والوثائقية أكثر من أي شيء آخر. كان هذا خيارا اتخذته من البداية تفاديا لحدوث تضارب في المصالح في المستقبل".
جانب مجهول
? ما هو الجانب المجهول الذي قد لا يعرفه الآخرون في ماجد محسن الإعلامي والإنسان ؟
? يبدو لي أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب استحضارا لنرجسية كنت قد قررت عدم استدعائها خلال هذا اللقاء (يضحك) ... حسنا ، انا شخص يحاول في يومياته أن يمزج بين القيم الشرقية التي يحب، و بعض القيم الغربية التي يحترم، ليجد صيغة مبتكرة للمعاملات الاجتماعية والمهنية. أحب أن أعرف شيئا عن كل شيء على أن أعرف كل الاشياء عن شيء واحد. لذلك، تكونت لدي القدرة على خلق ذائقة مرنة بشأن تفاصيل الحياة. فتجدينني أخصص وقتا للعب الـ"بلاي ستيشن" أثناء استراحة قصيرة بين ديوان لمحمود درويش ورواية أجنبية، وأنتقل بسلاسة أثناء مشاهدتي للتلفزيون من أكثر البرامج الحوارية جدية إلى مشاهدة مباراة في كرة القدم لفريقي اللندني المفضل "تشلسي" فأتحول من مشاهد رصين إلى رياضي شغوف! جولة سريعة على (السي دي هات) في سيارتي تظهر لك قدرتي على جمع فيروز مع مادلين بايرو وأم كلثوم مع فرانك سيناترا و السيمفونيات الكلاسيكية مع موسيقى زياد الرحباني ونانسي عجرم مع حسين الجسمي وفضل شاكر، وهكذا ... أنا باختصار مجموعة تفاصيل صغيرة، تشكل شخصية يراها البعض عنيدة ، وأراها أنا مثابرة، يراها البعض متهكمة، وأراها أنا لا تخلو من روح الدعابة غير السطحية، يراها البعض غير اجتماعية ، وأراها أنا غير مهووسة بإرضاء الآخرين (يضحك ) .. لم أنجح في اختبار التواضع، أليس كذلك؟

? كلمة تود أن تقولها لـ"الاتحاد"؟
استمتعت بهذا الحوار الشيق الذي جاءت الأسئلة فيه جيدة وشاملة، وتعكس روح "دنيا الاتحاد" ، ضيف الثلاثاء الخفيف في طلته، الثقيل فيما يقدمه من مادة صحافية تعطي قيمة مضافة لصحيفة "الاتحاد" التي نعتز جميعا بها.

اقرأ أيضا